صراعات العشائر الصومالية… اقتتال للسيطرة على الأراضي والملكيات

11
صراعات العشائر الصومالية... اقتتال للسيطرة على الأراضي والملكيات
صراعات العشائر الصومالية... اقتتال للسيطرة على الأراضي والملكيات

أفريقيا برسالصومال. أنجز جامع حسين عيسى، عضو لجنة حل الخلافات في دائرة الأراضي التابعة لبلدية هرجيسا شمال الصومال، وزملاؤه عملهم المتعلق ببحث نزاع على ملكية مزرعة تقع شمال شرق المدينة، بين عشيرتي هبرأوال وقرهاجي، وصار الأمر بيد القضاء والذي سيصدر حكمه البات في القضية المحالة إليه في ديسمبر/كانون الأول المقبل.

وتطور الخلاف الذي بدأ مطلع العام الماضي، إلى اشتباكات بين العشيرتين، وزادت وتيرته بعد تدخل عضو مجلس مدينة هرجيسا، تيما كادي، ونعمان محمد جامع، قائد مركز شرطة حي الشيخ نور، من أجل دعم عشيرتهما، في مقابل آل قرهاجي، ما أدى إلى إصابة قائد الشرطة في اشتباك وقع في يناير/كانون الثاني الماضي، وفق عيسى، والذي تابع في إفادته لـ”العربي الجديد” :”قوات الشرطة تورطت وصارت جزءا من ذلك النزاع”.

80 % من إجمالي القضايا المدنية في العاصمة تتعلق بنزاعات الملكية

وتعد القضية السابقة واحدة من بين 90 ملفا، تم حل 62 منها بينما تم تحويل 28 إلى المحاكم المختصة خلال العام الماضي من قبل لجنة حل الخلافات في بلدية هرجيسا، ومنذ بداية العام وحتى أغسطس/آب 2021 جرى حل 29 نزاعا وإحالة 9 قضايا إلى المحاكم.

ولا تتوقف الظاهرة على هرجيسا، إذ بلغت نسبة قضايا النزاع على الأراضي والملكيات والمنظورة أمام محكمة إقليم بنادر في مقديشو 80% من إجمالي القضايا المدنية والتي بلغ عددها 940 قضية خلال العام الماضي، فيما بلغت النسبة بمحكمة ولاية بونتلاند 60% من بين 3810 قضايا، و70% في محكمة ولاية غوبالاند من إجمالي 410 قضايا، و40% من إجمالي القضايا المدنية البالغ عددها 740 قضية في محاكم ولاية الجنوب الغربي وفق ما يؤكده رئيس محكمة إقليم بنادر، القاضي عبدالخضر محمد حسن، عبر بيانات تقرير المؤتمر السنوي الثاني للمؤسسة القضائية في الصومال والتي صدرت في ديسمبر 2020.

يتألف المجتمع الصومالي من مجموعة متنوعة من العشائر التي يغلب على منتسبيها الولاء والانتماء المطلق، وفق سالم سعيد سالم، العميد السابق لكلية الحقوق جامعة ولاية بونتلاند والذي عمل سابقا مديرا للمشاريع في برنامج الأمم المتحدة الانمائي، ويوضح سالم أنه بعد سقوط الدولة المركزية في الصومال في عام 1991، أصبحت العشيرة والقبيلة بمثابة الدولة والملاذ الآمن في الحرب والسلم.

وتعد القيمة العالية للأراضي في المناطق الحضرية، مثل (مقديشو، بيدوة، بوصاصو وهرجيسا وبربرة) مصدرا للتوترات الشخصية والقبلية”، بحسب تقرير “الصومال: توسيع المدن كتحليل للتنمية” الصادر عن البنك الدولي للإنشاء والتعمير في عام 2020، ولا يبدو الأمر أكثر خطورة في أي مكان، مما هو عليه الحال في المدن الصومالية بما يخص إصدار تراخيص الملكية وإدارة المنازعات، وفق التقرير.

وتسعى العشائر والقبائل المسلحة إلى توسيع نفوذها من خلال الاستحواذ على الأراضي، حسبما يقول عبدالعزير قاسم، الرئيس السابق لدائرة الأراضي والأملاك في بلدية بوصاصو لـ”العربي الجديد”، ويكمل البروفيسور يحيى شيخ عامر، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الوطنية الصومالية الخاصة، قائلا إن ظاهرة النزاع على الأراضي بدأت بالتفاقم منذ عام 2010، وتابع لـ”العربي الجديد” :”النزاعات تتزايد في المدن التي تشهد تطورات عمرانية واقتصادية وخدمية”. وهو ما يؤيده محمد برى إبراهيم أحمد، القاضي في المحكمة العليا بمدينة كسمايو، مؤكدا لـ”العربي الجديد” على وقوع “حروب” مصغرة بسبب النزاعات على الأراضي، خاصة في المدن الكبرى، وأهمها مقديشو، وكسمايو جنوب شرق الصومال، وجالكعيو وولايات غلمدغ وسط، وبونتلاند شمال شرق، وولاية جنوب غرب الصومال، وفق توثيق معد التحقيق.

وتؤدي النزاعات بين العشائر إلى تداعيات خطيرة، ومن ذلك ما وقع بين قبيلتي العوراملي وماجرتين على أرض في قرية دلسن (30 كيلومترًا من مدينة كيسمايو) في إبريل/ نيسان 2020، ما أسفر عن مقتل 20 شخصا، وفق أحمد محمود يوسف أحد زعماء العوراملي، مؤكدا على التوصل لحل يقضي بوقف إطلاق النار عبر الوسطاء، لكن ملكية الأرض، ما تزال محل نزاع حتى الآن.

فاقمت نزاعات الملكية من أعداد ضحايا اقتتال العشائر الصومالية

“وتستولي الجماعات والأفراد الأقوياء، غالبًا من العشائر على الأراضي بشكل غير قانوني ويجرى أخذها من الفقراء أو الأقليات أو الفئات الضعيفة الأخرى الذين لا حول لهم ولا قوة. وفي بعض الحالات، يقوم المسؤولون الحكوميون بتسليم الأراضي إلى الأفراد دون التشاور مع المالكين أو إعطاء معلومات مسبقة لهم”، وفق تقرير “مسارات ومؤسسات حل نزاعات الأراضي في مقديشو: برنامج توسيع الوصول إلى العدالة في الصومال” (EAJ) الصادر عن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في يناير 2020.

ويقول محمد بري إبراهيم أحمد، القاضي في المحكمة العليا بمدينة كسمايو، إن فكرة تملك الأرض بطرق عدة كوضع اليد والسطو والشراء، ظهرت بعد انهيار الحكومة المركزية في البلاد، وهو ما حدث في قضية الأرض التي تملكها السبعينية الصومالية فاطمة عمر محمد، في حي حمر ججب قرب ميناء مقديشو، إذ أصدرت محكمة بنادر بمقديشو في الرابع من أغسطس/آب 2021 حكما بملكيتها للأرض البالغ طولها 15 مترا بعرض 10 أمتار، بعد تسع سنوات من التقاضي، وفق روايتها قائلة لـ”العربي الجديد”: “تم الاستيلاء على منزلي من قبل أمراء الحرب وأتباعهم الذين سيطروا على مناطق واسعة من مدينة مقديشو في عام 1996″، وتضيف بحزن: “حينها دخلت علي مجموعة من المسلحين وطلبوا مني إخلاء المنزل”.

بعد انهيار الحكومة المركزية في الصومال، تعرضت سجلات الأراضي والمباني والخرائط القديمة والتي تعود إلى حقبة الاحتلال الإيطالي وما بعد الاستقلال للتلف والسرقة، ما شجع على تزوير وثائق ملكيات الأراضي وغيرها من المستندات، كما يقول موسى أحمد عيسى، الخبير القانوني في الجامعة الوطنية الصومالية لـ”العربي الجديد”.

ويتورط موظفون ومهندسون بدوائر التخطيط في البلديات في عمليات الاستيلاء على الأراضي، إذ يعملون في الجهة المخولة بتحديد مساحة الأرض وشكلها وجهتها وترقيمها وبناء على ذلك تعطى رخص ملكية، بحسب أحمد شيخ علي، النائب السابق لمدير دائرة الأشغال العامة والطرق في بلدية مقديشو، وتابع لـ”العربي الجديد” :”بعض الموظفين يصدرون وثائق ملكية للأراضي تستعمل في عملية الإثبات أمام القضاء، بتأثير من النافذين”.

ويقر المهندس عبدالله عيسى صبري، والذي عمل في دائرة التخطيط العمراني ببلدية مقديشو، بإمكانية وقوع عمليات تلاعب في مساحة الأرض وشكلها وجهتها وترقيمها في سجلات البلدية، أو تسجيلها مرة أخرى باسم شخص آخر، وفق قوله لـ”العربي الجديد”.

وتنقسم الأراضي المتنازع عليها في الصومال إلى أراضي دولة، تم بسط السيطرة عليها والانتفاع بها من خلال السكن أو التأجير لأشخاص أخرين بعد انهيار الحكومة المركزية، والنوع الثاني أراض سكنية وزراعية خاصة، بحسب سعيد سالم والذي يقول: “العديد من الملاك فقدوا مستنداتهم ووثائقهم بسبب الحرب الأهلية والنزوح إلى أماكن آمنة وما رافق ذلك من مشاكل”.

ومع بداية عودة النازحين إلى منازلهم وممتلكاتهم، اشتعلت الخلافات بين من يستولي على الأراضي، مدعيا ملكيتها وبين أصحابها الأصليين، وفق أحمد شيخ علي، مؤكدا أن ضعف مؤهلات وقدرات كوادر البلديات الإدارية، يساهم في استمرار هذه النزاعات.

وبالإضافة إلى ما سبق يعيد زكريا يوسف موسى، الباحث في شؤون الصراعات العشائرية وأستاذ القانون بكلية الشريعة والقانون في جامعة ولاية بونتلاند الحكومية، سبب تفاقم الظاهرة وما ترتب عليها من انتشار الفوضى والعنف والقتل، إلى ضعف النظام القضائي ومن قبله عدم تحديث القوانين المنظمة لملكية العقارات والأراضي.

يعد مركز عبد الله شديه بسوق بكارو في مقديشو واحدا من المناطق التي يقصدها الباحثون عن وثائق ملكية مزورة، وتتفاوت قيمة المبلغ من وثيقة إلى أخرى، حسب القيمة المقدرة للأراضي وموقعها، فإذا كانت الأراضي تقع بالأحياء الراقية في مديريات جنوب وشرق مقديشو، قد تصل قيمة تزوير مستند الملكية إلى 6 آلاف دولار أميركي، وفق توثيق معد التحقيق الذي تواصل مع سمسار يعمل في المجال عرف نفسه باسم محمد علي، قائلا: “وثائق الملكية منها نوعان الأول قديم تسمى محليا دميال Damiyaale، صدرت من قبل الحكومة المركزية الصومالية ما بين 1960 و1991 وترتفع قيمة هذا النوع من الأرض في الشوارع الرئيسية لمقديشو، إذ يتراوح سعر قطعة الأرض البالغ مساحتها عشرين في عشرين مترا، ما بين 120 و500 ألف دولار أميركي حسب موقعها.

والثانية وثيقة ملكيّة انتقاليّة أصدرتها البلديات بعد عام 2000 تسمى محليا منشيبيال minishibiyaale، وتسمح لحاملها بالسكن والانتفاع بالأرض لفترة زمنية معينة، ويمكن للدولة أن تُصادرها إذا تتطلب الأمر ذلك، وهي أقل قيمة، إذ يتراوح سعر الأرض على أطراف مدينة مقديشو (من أكثر المناطق التي تحدث فيها النزاعات بين المواطنين) التي تبلغ مساحتها عشرين في عشرين مترا ما بين 60 و100 ألف دولار، حسب موقعها كما يقول علي.

ويؤكد أحمد شيخ علي لـ”العربي الجديد” أن ظاهرة التزوير أصبحت واحدة من أخطر المشكلات التي تهدد استقرار الصومال، إذ يمكن لأي شخص تزوير وثائق الملكية وخاصة التي صدرت بعد عام 2000، مقارنة بالوثائق الصادرة أيام الحكومة المركزية.

ويستخدم المزورون آلة الطباعة اليدوية (كانت تستخدم في طباعة الوثائق الرسمية بما فيها مستندات الملكية) لتزوير وثائق ملكية الأراضي، وكذلك ماكينات الطباعة الحديثة، بالإضافة إلى تقليد النقوش والرسوم والتواقيع على الوثائق، بعدها يمكن نقل ملكيات الأراضي دون علم أصحابها الأصليين، وفق تأكيد محمد برى إبراهيم أحمد، القاضي بالمحكمة العليا في مدينة كسمايو، محذرا من آثار تطور إمكانيات المزورين ممن يعتمدون على التكنولوجيا الحديثة في التلاعب بالملكيات ومن ثم انتشار أوسع للظاهرة وتداعياتها الخطرة في مختلف أرجاء الصومال.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here