السودان: هل تستطيع التسوية السياسية حل الأزمة الاقتصادية الطاحنة؟

47
السودان: هل تستطيع التسوية السياسية حل الأزمة الاقتصادية الطاحنة؟
السودان: هل تستطيع التسوية السياسية حل الأزمة الاقتصادية الطاحنة؟

أفريقيا برس – السودان. يترقب السودانيون هذه الأيام التوقيع على التسوية السياسية بين القادة العسكريين وقوى مدنية، وما ستحققه على مستوى تحسن الأوضاع المعيشية بعد أشهر طويلة من حالة التردي وركود الأسواق التي عاشتها البلاد عقب الانقلاب العسكري.

ومن المنتظر أن يشهد مطلع الشهر المقبل، التوقيع على الاتفاق السياسي النهائي، في حين سيتم تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة في 11 أبريل/نسيان. وكان قد نصت مسودة الاتفاق السياسي النهائي في بند قضايا ومهام الانتقال، على «إيقاف التدهور الاقتصادي ومواصلة الإصلاح الاقتصادي وفق منهج تنموي شامل ومستدام يعالج الأزمة المعيشية وينحاز للفقراء والمهمشين، ويحقق ولاية وزارة المالية على المال العام كما يعمل على محاربة كافة أنواع الفساد».

خسائر اقتصادية

وتسبب الانقلاب في خسائر اقتصادية كبيرة للبلاد. وحسب مسؤولون في الحكومة المقالة، فقد أوقف تنفيذ مذكرات تفاهم واتفاقيات تصل قيمتها نحو (35) مليار دولار، منها نحو (4 إلى 5) مليارات عبارة عن دعم مباشرة للفترة الانتقالية ومساعدات لبعض الفئات في المجتمع.

كما أوقف إنطلاقة السودان نحو الاستقرار الاقتصادي والدمج الكامل في مؤسسات النقد العالمية وإعادته إلى العزلة والحرمان مجدداً، الأمر الذي أدى بدوره إلى أوضاع كارثية وتراجع في معدلات النمو والانتاج وتحسن الاقتصاد فضلاً عن تراجع القوة الشرائية مع فرض السلطات زيادات كبيرة في أسعار الخدمات لتغطية الخسائر الناجمة عن فقدان الدعم الدولي.

ويمني مناصرو التسوية أنفسهم والشعب السوداني أنه، في حال تشكيل الحكومة المدنية الجديدة سوف تعاود مؤسسات النقد الدولية ضخ الأموال والدعومات التي توقف بسبب الانقلاب، مما سينعكس إيجابياً على النشاط الاقتصادي وأوضاع المعيشية، فضلاً عن الترويج لدعومات مترقبة من دول عربية شقيقة.

وفي فبراير/ شباط الماضي، ومع تصاعد خلافاته مع قادة الجيش، خرج قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» وأكد مضيه في الاتفاق المفضي إلى تكوين حكومة مدنية، كاشفاً بأن المجتمع الدولي بما فيه الاتحاد الأوروبي والاتحاد الافريقي ودول الإقليم ودول الخليج ينتظرون نتائج العملية السياسية لاستئناف الدعم، مضيفاً أن هذا الاتفاق من شأنه توفير العملة الصعبة التي تحتاجها البلاد للتنمية، كما نقل في مناسبة أخرى وعود تلقاها من دولة الإمارات بدعم التنمية والاستقرار بالبلاد.

وفي تلك التصريحات كشف عن صعوبات تواجه حكومة الأمر الواقع في السودان في توفير المرتبات للعاملين في الدولة وهو الأمر الذي تشكوا منه الآن قطاعات واسعة رغم تدني الأجور، وبالتوازي يشتكي المواطنون من إرتفاع الأسعار بينما تشهد الأسواق ما يعرف اقتصادياً بـ«الركود التضخمي». وفي إحاطة قدمها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة في السودان، فولكر بيرتس، إلى مجلس الأمن الدولي، الأسابيع الماضية، قال إن الجمود السياسي لا يزال يتسبب في خسائر اجتماعية واقتصادية فادحة، مشيراً إلى أن الاحتياجات الإنسانية آخذة في الازدياد مما يؤثر تأثيرا كبيرا على أشد الفئات ضعفا، إلى جانب العوامل الجيوسياسية العالمية، يستمر في رفع أسعار السلع الأساسية في السودان.

وزاد: منذ نيسان/أبريل العام الماضي، ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية في المتوسط بنسبة 15 ٪ مقارنة بشهر آذار/مارس الذي سبقه وظلت أعلى بنسبة 250 ٪ من العام الماضي.

وحذر، من أن الآثار المشتركة لعدم الاستقرار السياسي والأزمة الاقتصادية وضعف المحاصيل وصدمات العرض العالمية لها تأثير كارثي على التضخم والقدرة على تحمل تكاليف الغذاء، ونوه أنه من المتوقع أن يتضاعف عدد السودانيين الذين يواجهون الجوع الحاد إلى حوالي (18) مليون في حلول أيلول/سبتمبر من هذا العام.

واستبق بيرتس، الوصول إلى اتفاق سياسي، وعقد سلسلة اجتماعات مكثفة مع مسؤولين أوروبيين في الأيام الفائتة، حول توفير الدعم المادي للحكومة المدنية الانتقالية المقبلة في السودان. وقال المناقشات مع المؤسسات المالية الدولية والشركاء الدوليين كانت مثمرة وأن الدعم المرتقب يتعلق بأولويات رئيسية بما في ذلك الاقتصاد وتقديم الخدمات ودعم الاتفاقية السلام راهناً البدء في الدعم بتشكيل الحكومة المدينة.

قوى الحرية والتغيير «المجلس المركزي» التحالف المدني الأبرز المنخرطة في التسوية السياسية، استبق هو الآخر توقيع الاتفاق السياسي، وعقد ورشة اقتصادية تمهد الطريق وتحدد المواجهات للحكومة المقبلة. وأوصت الورشة، بتغيير العملة السودانية لإعادة الكتلة النقدية من خارج النظام المصرفي، كما أكدت على الإسراع في استكمال إنشاء بورصة الذهب والرقابة على إنتاجه وتصديره، وأوصت كذلك في مدنية الجمارك وتبعيتها لوزارة المالية بدلاً من الشرطة. وفقاً لتوصيات تلك الورشة فإن من المفترض أن تزيد الحكومة المقبلة الصرف على الصحة والتعليم والبنية التحتية إلى 53٪ من الناتج القومي المحلي.

ووفق ما قال الاقتصادي وعضو حزب «بناء السودان» مجاهد خلف الله لـ«القدس العربي» فإن «أكبر ما يواجه الاقتصاد بصورة عامة في أي منطقة في العالم هو عدم الاستقرار وعدم إمكانية التنبؤ بالمستقبل بالنسبة للمستثمرين المحليين والدوليين» مبيناً أن هذا السبب «يجعلهم يحجمون من الدخول في أي مشاريع، ومتى تحقق التسوية أو الاتفاق في أي بلد شهد زعزعة سياسية سيحدث الاستقرار الذي يعيد فتح الأفق».

في المقابل، يقلل رافضو التسوية من جدوى الأخيرة في حل الأزمة الاقتصادية الطاحنة في البلاد، ويتوقعون أن تمضي الحكومة المقبلة قدماً في سياسة الافقار وتجريب المجرب في تطبيق كامل لروشته البنك الدولي وانتظار المنح والمعونات والاستثمارات الأجنبية التي ستأتي وفق شروط تأسس لنهب موارد البلاد.

سياسات مضرة

وفي تصريحات سابقة، قال الخبير الاقتصادي وعضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي، كمال كرار، إن الأسباب الرئيسية لتفاقم الأزمة الاقتصادية هي حكومة الفترة الانتقالية الماضية وحكومة الانقلاب الحالية، مشيراً إلى انتهاج سياسات مضرة إقتصادية خلال الثلاث سنوات الماضية.

وقد توقع، مزيداً من تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في حال إصرار أي حكومة مقبلة السير في طريق البنك الدولي والضغط على المواطنين.

إلا أن خلف الله، رأى أن «المؤسسات المالية الدولية سوف تباشر تعاملها مع السودان عقب التسوية» مبيناً أن البنك الدولي رغم ما يقدمه من مساعدات تم تشويه صورته لدى السودانيين باعتباره مؤسسة شريرة وتحاول السيطرة على الموارد، أما فيما يتعلق بصندوق النقد الدولي فإن سيواصل كذلك نشاطته متى ما حدث الاستقرار وتحقق شروط إمكانية استعادة الأموال المقترضة».

ونفى أن «يكون لهذه الشروط، التي ستقرض من المؤسسات النقدية الدولية انعكاس على كاهل المواطن، لكنها ستكون صعبة على المواطنين».

وزير الاستثمار السابق وعضو اللجنة الاقتصادية بـ«الحرية والتغيير» الهادي محمد إبراهيم، قال لـ«القدس العربي» إن الانقلاب قطع الطريق على الإصلاح الاقتصادي وعلى مشروعات الانتقال وإندماج السودان في الاقتصاد الدولي وإعفاء ديونه بإجمالي حوالي (42) مليار دولار» لافتاً أن الحكومة السابقة استطاعت التوقيع على برنامج التسهيلات الإئتمانية الممتدة التي قد تصل المساعدات فيه إلى مليار و(400) دولار. كما تركت احتياطي يفوق مليارا و(500) مليون دولار من تحويل المغتربين وعوائد الصادر إلا أن الخلل الذي أحدثه الانقلاب بدد كل تلك الجهود.

وزاد: «عندما تكتمل التسوية وتشكل الحكومة المدنية، سيكون هناك برنامج عاجل للأولويات الطارئة والعاجلة يساهم في وقف التدهور الاقتصادي وأسعار سعر الصرف».

ويبين أن «الدعم الكبير التي تجده التسوية من قبل الرباعية الدولية والآلية الثلاثية، سيساهم في تسريع تنفيذ المشروعات التي تم الاتفاق عليها في وقت سابق مع مؤسسات النقد الدولية والدعم من الدول الصديقة».

وأشار إلى «وجود مشروعات كان متفق عليه معنية بالري والزراعة وحصاد المياه بـ(775) مليون دولار ودعم مباشرة للموازنة بحوالي (500) مليون دولار ومشروعات الطاقة والكهرباء بـ(780) مليون دولار فضلاً عن المساعدات العينة مثل المساعدة الأمريكية بـ(700) الف طن وزيد من القمح».

وتوقع وزير الاستثمار السابق، عدم تأخر المساعدات الدولية وقال أنها ستدفق في زمن وجيزة لا يتعدى أشهر.

وأكد أن الاقتصاد السوداني لديه مقومات ذاتية للنهوض دون تدخل المؤسسات الدولية لكن في ظل الظروف الحالية يحتاج إلى مساعدات مبرمجة تجعل في الانطلاقة الحقيقية سواء كان في مجال الإنتاج والري، الصحة، التعليم والطاقة التي تعتبر من المسهلات الأساسية بالنسبة للتنمية.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن السودان اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here