الدعم السريع أمام القضاء.. هل تبدأ محاسبة جرائم السودان؟

3
الدعم السريع أمام القضاء.. هل تبدأ محاسبة جرائم السودان؟
الدعم السريع أمام القضاء.. هل تبدأ محاسبة جرائم السودان؟

أفريقيا برس – السودان. فتحت أول شكوى جنائية من نوعها ضد عناصر من قوات الدعم السريع أمام القضاء الكيني بابًا جديدًا في مسار ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب في السودان، في خطوة يصفها خبراء قانونيون بأنها قد تشكل نقطة تحول مهمة في ملف العدالة والمساءلة، وتدفع ضحايا النزاع المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات إلى اللجوء لمحاكم خارجية في أفريقيا وأوروبا وأمريكا لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة.

وجاء التحرك القضائي بعد تقدم 12 شخصًا من ضحايا الحرب السودانية بشكوى جنائية أمام السلطات القضائية في كينيا ضد عناصر من قوات الدعم السريع، في سابقة قانونية تُعد الأولى من نوعها خارج السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023.

ويرى مراقبون أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في طبيعتها القانونية، وإنما أيضًا في رمزيتها السياسية والحقوقية، إذ تعكس انتقال الضحايا من مرحلة توثيق الانتهاكات والمطالبة الأخلاقية بالعدالة إلى مرحلة التقاضي العملي عبر أدوات القانون الدولي الإنساني والاختصاص الجنائي العابر للحدود.

لماذا كينيا؟

يثير لجوء الضحايا إلى القضاء الكيني تساؤلات حول أسباب اختيار نيروبي لتسجيل أول دعوى جنائية من هذا النوع، لكن خبراء قانونيين يشيرون إلى أن النظام القضائي الكيني يملك إطارًا قانونيًا يسمح بالنظر في الجرائم المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني.

وفي هذا السياق، يوضح المحامي السوداني والأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب، طارق عبد الفتاح، أن كينيا أدرجت ضمن تشريعاتها الوطنية مبدأ الاختصاص الجنائي الدولي، وهو ما يمنح محاكمها صلاحية النظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية حتى لو لم تقع على أراضيها.

ويقول عبد الفتاح إن السودان نفسه أدخل منذ عام 2015 تعديلات على قانونه الجنائي تتعلق بجرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ما يتيح نظريًا للمؤسسات القضائية السودانية النظر في مثل هذه الجرائم، غير أن ظروف الحرب وتعقيدات الواقع السياسي تجعل اللجوء إلى القضاء الخارجي خيارًا متزايد الأهمية بالنسبة للضحايا.

ويُعرف هذا النوع من القضايا قانونيًا بمبدأ “الاختصاص القضائي العالمي”، الذي يسمح لبعض الدول بمحاكمة المتهمين بارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الدولي، حتى إذا كانت الجرائم قد ارتُكبت خارج حدودها ولم يكن الضحايا أو المتهمون يحملون جنسيتها.

سابقة قد تتوسع دوليًا

يعتقد قانونيون أن القضية المرفوعة في كينيا قد تكون مجرد بداية لمسار أوسع من الدعاوى القضائية الدولية ضد أطراف الحرب في السودان، خاصة في الدول الأوروبية والأمريكية التي تعتمد قوانين تسمح بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية.

وبحسب عبد الفتاح، فإن القانون الدولي لا يشترط أن تكون الجريمة قد وقعت في الدولة التي تنظر القضية، مستشهدًا بعدد من السوابق الدولية التي شهدت محاكمات خارج حدود النزاع.

ففي أوروبا، استخدمت عدة دول مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة متهمين بارتكاب انتهاكات في سوريا والعراق ورواندا، كما شهدت دول مثل ألمانيا وفرنسا محاكمات لمسؤولين أمنيين سابقين متهمين بارتكاب جرائم تعذيب وجرائم ضد الإنسانية.

كما أشار الخبير القانوني إلى قضايا نظرت فيها محاكم أمريكية، مثل ملفات مرتبطة بالإرهاب الدولي، مؤكدًا أن الأنظمة القضائية الغربية أصبحت أكثر استعدادًا لاستقبال دعاوى تتعلق بالانتهاكات الجسيمة، خصوصًا عندما تتوافر شهادات موثقة وأدلة قانونية وشبكات دعم منظمات حقوق الإنسان.

ويرى مراقبون أن ما جرى في كينيا قد يشجع منظمات حقوقية ومكاتب محاماة دولية على تبني قضايا ضحايا الحرب السودانية، بما يساهم في تضييق مساحة الإفلات من العقاب، ويخلق ضغطًا قانونيًا على المتهمين بالانتهاكات من خلال الحد من تحركاتهم الدولية أو تعريضهم لخطر الملاحقة القضائية عند السفر.

شكاوى تتوسع خارج السودان

التحرك القضائي في نيروبي لم يكن الوحيد خلال الأسابيع الماضية، إذ شهدت الساحة القانونية خطوات أخرى تستهدف تدويل ملف الانتهاكات في السودان.

ففي مطلع الأسبوع الماضي، أودع محامون ومستشارون قانونيون سودانيون شكوى أمام اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في بانجول، ضد ست دول وكيانات إقليمية، متهمين إياها بالتورط في تأجيج الحرب والمساهمة في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال النزاع.

وأكد القائمون على الشكوى أنهم يمثلون ضحايا الحرب، معتبرين أن الانتهاكات التي طالت المدنيين، بما في ذلك القتل والتهجير القسري والتدمير الواسع للممتلكات، ترقى إلى مستوى الجرائم المكتملة الأركان التي تستوجب المساءلة الدولية.

وقال المحاميان السودانيان محمد الزين والطيب عبد الجليل، عقب إيداع الشكوى، إن ما جرى في السودان لا يمكن اختزاله في أرقام أو تقارير إعلامية، وإنما يمثل مأساة إنسانية تتطلب محاسبة قانونية حقيقية، مؤكدين عزمهما مواصلة ملاحقة المسؤولين عن الجرائم وشركائهم في مختلف المحافل القضائية الدولية.

أولى المحاكمات داخل السودان

في موازاة المساعي الخارجية، بدأت السلطات القضائية السودانية منذ العام الماضي فتح ملفات قانونية مرتبطة بانتهاكات الحرب.

ففي أبريل/نيسان 2025، شرعت محكمة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة في أولى المحاكمات الغيابية بحق 16 من قيادات قوات الدعم السريع، في قضية اغتيال والي ولاية غرب دارفور السابق خميس أبكر.

وكان أبكر قد قُتل في مدينة الجنينة بعد ساعات من اعتقاله، قبل أن تُتداول مقاطع مصورة تظهر سحل جثمانه، ما أثار موجة إدانات محلية ودولية واسعة.

وشملت قائمة المتهمين في القضية قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، ونائبه عبد الرحيم دقلو، إلى جانب قادة ميدانيين وإداريين آخرين.

غير أن هذه المحاكمات تواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب المتهمين وعدم قدرة السلطات السودانية على تنفيذ مذكرات القبض، إضافة إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي فرضته الحرب.

ما الذي تتضمنه الشكوى الكينية؟

تستند القضية المرفوعة في كينيا إلى شكوى قدمتها منظمة “المبادرة القانونية العالمية” والمركز الأفريقي للعدالة ودراسات السلام عبر مكتب محاماة كيني، إلى مدير النيابة العامة في نيروبي.

وتطالب الشكوى بفتح تحقيق رسمي بحق عشرة عناصر من قوات الدعم السريع يُعتقد أن لبعضهم صلات بكينيا أو وجودًا داخل أراضيها، وهو عنصر مهم يمنح القضية بعدًا عمليًا في إمكانية الملاحقة القضائية.

وتتعلق الاتهامات بجرائم ارتُكبت في الخرطوم ومحيطها خلال الفترة الممتدة من أبريل/نيسان 2023 حتى مارس/آذار 2025، وهي المرحلة التي فرضت فيها قوات الدعم السريع سيطرة واسعة على أجزاء كبيرة من العاصمة السودانية.

وبحسب ملف الشكوى، تعرض الضحايا لانتهاكات وصفت بأنها شديدة القسوة، تضمنت الاحتجاز في ظروف غير إنسانية، والحرمان من الغذاء ومياه الشرب والرعاية الطبية، إضافة إلى التعذيب الجسدي والنفسي.

كما تضمنت الإفادات اتهامات تتعلق بالضرب والحرق والصعق بالكهرباء والخنق والانتهاكات الجنسية، بما في ذلك الاغتصاب والاستعباد الجنسي، فضلًا عن إجبار بعض المحتجزين على نقل جثث من داخل أماكن الاحتجاز.

وفي حال قبول الشكوى وفتح تحقيق رسمي، فإن القضية قد تفضي إلى إصدار مذكرات استدعاء أو توقيف بحق المشتبه بهم، وربما تفتح الباب أمام تعاون قضائي دولي أوسع.

بين العدالة والواقع السياسي

ورغم أهمية هذه التحركات القانونية، يرى خبراء أن تحويل الدعاوى القضائية إلى إدانات فعلية يظل مسارًا معقدًا وطويلًا، يتطلب توفر أدلة قوية وشهادات موثقة، فضلًا عن تعاون حكومات ودول متعددة.

كما أن النزاعات المسلحة غالبًا ما تخلق بيئات يصعب فيها جمع الأدلة أو حماية الشهود، وهو ما يجعل كثيرًا من الملفات تستغرق سنوات طويلة قبل الوصول إلى أحكام نهائية.

إلى جانب ذلك، تبقى الحسابات السياسية عاملًا مؤثرًا في مآلات العدالة الدولية، إذ قد تتداخل المصالح الإقليمية والدولية مع مسارات المحاسبة القضائية.

مع ذلك، يعتبر ناشطون حقوقيون أن مجرد بدء الملاحقات القانونية خارج السودان يمثل تحولًا مهمًا في معادلة الإفلات من العقاب، خاصة في ظل اتهامات متزايدة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة بحق المدنيين منذ اندلاع النزاع.

وبينما لا تزال نتائج الشكوى الكينية غير محسومة، فإنها قد تمثل بداية مسار جديد يجعل أطراف الحرب السودانية أكثر عرضة للمساءلة الدولية، ويفتح الباب أمام ضحايا النزاع لاستخدام القضاء الدولي كأداة للبحث عن العدالة بعد سنوات من العنف والانتهاكات.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here