السودان الذي غدا بلا ملامح!

4
السودان الذي غدا بلا ملامح!
السودان الذي غدا بلا ملامح!

أفريقيا برس – السودان. لكل أزمة عميقة طبقتان؛ طبقة مرئية تملأ النشرات وتستهلك في التعليقات السريعة، وطبقة أخرى لا تظهر إلا لمن يمتلك صبر السؤال الطويل.

والسودان بكل ما فيه ينتمي إلى النوع الذي يأبى القراءة السطحية، لا لأن وقائعه معقدة فحسب، بل أيضا -وبقدر أعلى- لأن جذوره تمتد إلى ما قبل الأحداث بزمن طويل، ولأن ما جرى فيه تجاوز حدود ما تستطيع الأطر التحليلية المعتادة استيعابه.

والقراءة الصادقة لهذه الأزمة تبدأ بفهم أن ما اندلع في أبريل/نيسان 2023 لم يكن مفاجئا لمن كان يراقب؛ كانت ثمة بنية هشة تتراكم فيها تناقضات لم تعالج، وملفات آثر أصحاب القرار تأجيلها على مواجهتها. وحين بلغت هذه التناقضات نقطتها الحرجة، كان الانفجار ذا منطق داخلي محكوم. أما توقيته وشكله وحجم ما أنتجه من معاناة إنسانية، فهو ما يستحق التأمل الحقيقي.

موقع السودان متغير حي، يدخل في حسابات كل طرف خارجي يتعامل مع أزمته؛ فهو يقع على تقاطع حوض النيل بأبعاده المائية الحساسة، وممر البحر الأحمر متصاعد الأهمية، والعمق الإفريقي حيث تتشكل معادلات القرن الحادي والعشرين

حين تتجاوز الحرب حدود التساؤل الأخلاقي والسياسي

ثمة خط فاصل في القانون الإنساني الدولي وفي الأخلاق السياسية معا، يفصل بين صراع مسلح مهما بلغت فداحته، وبين ما يتجاوز هذا الصراع ليطول المدني في بيته وكرامته وأمانه اليومي.

وما وثقته جهات دولية مستقلة في أكثر من منطقة سودانية يشير بوضوح إلى أن هذا الخط قد اخترق، لا كتداع عرضي للمعارك، وإنما بصورة تطرح أسئلة جدية حول طبيعة بعض الأطراف، وما تنطوي عليه من منطق في التعامل مع المدنيين.

وهنا تحديدا يبرز ما يرى فيه كثير من المراقبين أكثر من مجرد انتهاك عابر؛ إذ إن السكان الذين أجبروا على مغادرة مناطقهم، وهم يعدون بالملايين، لم يغادروا بمحض إرادتهم، ولم يغادروا إلى غير رجعة. إنهم يحملون في ذاكرتهم عنوانا وبيتا وجذرا.

وتعلق الناس بأرضهم في السودان يعد مؤشرا على أن ما جرى لم ينتج قناعة بالرحيل الدائم بقدر ما كان اضطرارا مؤقتا يستمر ما دام سببه قائما.

والسؤال الذي يطرحه هذا الواقع في صميم أي مسار تفاوضي: كيف تبنى تسوية لا تأخذ في حسبانها أن الجغرافيا السودانية لا تزال في قلوب من غادروها؟

جغرافيا تفرض معادلتها على أي حل

موقع السودان متغير حي، يدخل في حسابات كل طرف خارجي يتعامل مع أزمته؛ فهو يقع على تقاطع حوض النيل بأبعاده المائية الحساسة، وممر البحر الأحمر متصاعد الأهمية، والعمق الإفريقي حيث تتشكل معادلات القرن الحادي والعشرين.

والنتيجة المباشرة لهذا الثقل الاستراتيجي أن مصالح الأطراف الخارجية في السودان لا تتقاطع بالضرورة مع ما يخدم استقراره الداخلي. وهذا توصيف موضوعي لمنطق المصالح في السياسة الدولية، منطق يفرض نفسه على حسابات الفاعلين بصرف النظر عن نواياهم المعلنة.

وفهم هذا المنطق شرط لازم لكل تسوية تطمح إلى الصمود. والسودانيون الذين يعيشون هذا المنطق على أرضهم يدركون، ربما أكثر من أي طرف آخر، أن بلادهم لا تدار من فراغ، وأن الاستقرار الحقيقي لن يأتيهم هدية من الخارج.

الوساطة الدولية: بين تهيئة الشروط واستبدالها

الوساطة الدولية، مهما بلغت جديتها، تستطيع أن تهيئ شروط التسوية، لا أن تنتجها بمعزل عن إرادة الأطراف وعن معادلات الواقع الداخلي. والمشكلة الحقيقية أن بعض مسارات الوساطة تقع في فخ معاملة الأزمة السودانية كنزاع قابل للإدارة التقنية: جداول أعمال، وتوافقات بروتوكولية، وضمانات رسمية. في حين أن ما تفكك في السودان يتجاوز ما تستطيع الإدارة التقنية ترميمه.

التسوية الصامدة تحتاج، قبل أي شيء آخر، إلى معادلة تجعل الالتزام بها أقل كلفة على جميع الأطراف من الاستمرار في بدائلها. وتصميم هذه المعادلة هو التحدي الحقيقي الذي لم تجب عنه المبادرات المتعاقبة حتى الآن، لا لنقص في الإرادة الدولية بالضرورة، وإنما لأن شروطها الداخلية لا تزال تقاوم الإغلاق المبكر.

الأرض في السودان ليست مجرد عقار أو موطن، إنها في كثير من مناطقه هوية ونسب وذاكرة جماعية متجذرة. وما غادر كثير من السودانيين إلا لأن البقاء أصبح مستحيلا، لا لأن الرحيل أصبح مرغوبا

كتابة التاريخ أثناء العاصفة

السودان لا يملك رفاهية الانتظار حتى تنتهي الحرب كي يبدأ بكتابة روايته؛ فالروايات في تجارب الأمم المشابهة لا تكتب بعد الأزمات، بل تكتب خلالها. وما يكتب خلالها هو الذي يحدد كيف تفسر التسويات، ومن يحق له تأويلها.

وما يرى على أنه حق طبيعي للشعب السوداني ليس فقط حق العيش في سلام، وإن كان هذا أول الحقوق وأولاها، وإنما أيضا حق كتابة روايته بصوته هو، لا بالصوت الذي يختاره له من يملك ميزان القوى في اللحظة الراهنة.

والشهادة على ما جرى هي أولى صفحات هذه الرواية، التي ستقرؤها الأجيال القادمة قبل أن تصدر حكمها على هذه المرحلة بأسرها.

ما لا تقوله الأرقام عن أرض تنتظر أهلها

التشريد الجماعي الذي أنتجته الأزمة السودانية يستحق قراءة تتجاوز الأرقام المأساوية، وإن كانت الأرقام وحدها كافية لاستنفار الضمير الإنساني.

وما يلفت الانتباه في هذا التشريد بالذات أنه، خلافا لتجارب أخرى، لم ينتج قطيعة نهائية بين الناس وأرضهم؛ فالأرض في السودان ليست مجرد عقار أو موطن، إنها في كثير من مناطقه هوية ونسب وذاكرة جماعية متجذرة. وما غادر كثير من السودانيين إلا لأن البقاء أصبح مستحيلا، لا لأن الرحيل أصبح مرغوبا.

وهذا التمييز الدقيق بين من يغادر لأنه لا يريد البقاء، ومن يغادر لأنه لا يستطيعه، هو ما يجعل حسابات أي تسوية منقوصة إن أغفلته. فالأرض التي تنتظر أهلها متغير سياسي حي، يشكل مشروعية أي ترتيب مستقبلي، ويختبر مدى صدقيته.

مفترق يستدعي الوضوح لا المراوغة

الأمم التي عبرت أزماتها الكبرى، ولاسيما تلك التي طالت فيها يد الصراع المدني في بيته وذاكرته وجغرافيته، لم تفعل ذلك بنسيان ما جرى، وإنما بتحويله إلى وعي جماعي يشكل اختياراتها في المرحلة التالية.

وهذا التحويل مشروع إرادة، يسهم فيه التوثيق والتحليل والذاكرة قبل أن يسهم فيه التفاوض.

وما يرى فيه كثيرون حقا سياديا للسودانيين هو حق كتابة شهادتهم بأيديهم، وصون روايتهم من الاستيلاء عليها في لحظة ضعف. فالشعوب التي فقدت سردية أزمتها لصالح من يملك ميزان القوى في اللحظة الراهنة دفعت ثمن ذلك في الأجيال التالية، حين اكتشفت أن التسويات التي أبرمت بدون صوتها تحمل في بنيتها هشاشة متأصلة.

السودان في تاريخه الحديث أكبر من أزمته الراهنة، وأعمق من صورته في نشرات الأخبار. وهذا وحده سبب كاف لمواصلة الكتابة عنه بما يستحقه من جدية؛ لأن ما يكتب اليوم جزء مما ستقرؤه الأجيال غدا حين تبحث عن إجابة لسؤال لم يطرح بعد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here