“اكتشاف بوابة لبعد خامس والمادة المظلمة”

3
"اكتشاف بوابة لبعد خامس والمادة المظلمة"

أفريقيا برس – السودان. طالما وصفت المادة المظلمة بأنها “الشبح الكوني” الذي نعرف تأثيره ولا نراه، لكن دراسة حديثة تقلب الفكرة رأسا على عقب، فربما لا تكون غير مرئية فحسب، بل توجد في بعد خامس منحنٍ يشارك كوننا بطريقة تجعل تأثيره محسوسا لكن رؤيته مباشرة مستحيلة.

مادة مظلمة في بعد خامس قريب

يفترض فريق من علماء الفيزياء -بقيادة ماريا غارسيا من جامعة برشلونة ويوهان شولتز من جامعة هايدلبرغ- أن المادة المظلمة قد تتكوّن من جسيمات تعرف بالفرميونات (وهي ببساطة جسيمات أساسية تشكل المادة، مثل الإلكترونات والكواركات، وهي اللبنات الأساسية لكل شيء نراه حولنا)، لكنها لا تلتزم بالأبعاد الأربعة المعروفة (ثلاثة أبعاد مكانية وبعد الزمن)، بل تمتد إلى البعد الخامس.

لتقريب الفكرة، يمكن تخيل البعد الخامس مثل سلك طويل جدا: من بعيد يبدو وكأنه خط واحد (أبعادنا الثلاثة)، لكن عند الاقتراب تكتشف أنه أسطوانة صغيرة لها محيط دائري، أي بعد إضافي مخفي لا تراه العين مباشرة.

وبالطريقة نفسها، هذا البعد موجود في كل نقطة من الكون، لكنه مضغوط أو منحنٍ لدرجة تجعل الجسيمات العادية محصورة في أبعادنا الأربعة، بينما قد تمتد بعض الفرميونات إلى هذا البعد، مؤثرة على كوننا فقط بالجاذبية.

النظرية مبنية على نموذج “الأبعاد الإضافية المنحنية” (Warped Extra Dimensions) الذي طرح عام 1999، لكن هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها مباشرة لمحاولة تفسير لغز المادة المظلمة.

ووفق هذا التصور، قد يكون الزمكان ملتويا بطريقة تسمح للجسيمات بالانزلاق إلى البعد الخامس، لتختفي عن أدواتنا دون أن تختفي آثارها الثقالية على الكون.

لغز التجارب الفاشلة

على مدار عقود، أجرى العلماء تجارب ضخمة تحت الأرض بحثا عن جسيمات المادة المظلمة، لكنها لم تكشف أبدا. ويرى الباحثون أن السبب قد لا يكون في ضعف الأجهزة، بل في الافتراض بأن المادة المظلمة موجودة فقط في أبعادنا الأربعة.

بحسب الدراسة، عندما تنتقل الفرميونات إلى البعد الخامس، تكتسب خصائص وكتلة مختلفة، لتتحول إلى ما يسميه الفريق “المادة المظلمة الفرميونية”، وهي غير مرئية لكن تأثيرها الجاذبي واضح.

وهذا قد يفسر أيضا لماذا يفشل النموذج المعياري للفيزياء في تفسير المادة المظلمة أو سلوك بعض الجسيمات الأساسية، مثل بوزون هيغز، في سياق المشكلة المعروفة باسم “مشكلة التسلسل الهرمي”.

ما يضيف بعدا غريبا للقصة هو أن هذه الجسيمات ليست “خارج الكون”، بل هي موجودة في نسيج الزمكان نفسه الذي نعيش فيه، لكن في اتجاه إضافي مخفي لا نصل إليه مباشرة، وهذا يجعل المادة المظلمة جزءا من الواقع نفسه، لكنها تختبئ في بعد لا تتعامل معه أدواتنا الحالية.

رصد العالم الخفي

رصد جسيمات في بعد خامس يبدو خياليا، لكن الباحثين يرون بصيص أمل. فالجاذبية، بخلاف الضوء والقوى الأخرى، قد تكون الجسر الوحيد بين الأبعاد، لذلك يُعوَّل على مراصد موجات الجاذبية مثل “ليغو” (LIGO) في الولايات المتحدة و”فيرغو” (Virgo) في إيطاليا، التي قد تلتقط مستقبلا إشارات غير مباشرة عن تفاعلات المادة المظلمة الفرميونية مع عالمنا.

هذه الأجهزة سبق أن رصدت تموجات ناتجة عن اندماج ثقوب سوداء، ويأمل العلماء أن النسخ المحسّنة قد تكشف عن دلائل أضعف، ربما حتى من المادة المظلمة الموجودة في البعد الخامس.

وإذا ثبتت هذه الفكرة، فلن تغيّر فقط طريقة البحث عن المادة المظلمة، بل ستعيد تعريف تصورنا للكون ذاته، وتفتح الباب لفهم أوسع بكثير للواقع من حولنا، بطريقة تجعل ما نراه مجرد جزء من حقيقة أكبر بكثير.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here