حراك القبائل السودانية… هموم ومصالح

2
حراك القبائل السودانية… هموم ومصالح
حراك القبائل السودانية… هموم ومصالح

أفريقيا برسالسودان. الخرطوم – عبد الحميد عوض – شهدت الفترة الأخيرة تبني قبائل في السودان مطالب وجهها محتجون من أفرادها بتطوير مجتمعاتهم وإخراجها من واقع التهميش الذي تعيش فيه، وأخرى ترفض قرارات سياسية خاصة بمناطقهم أصدرتها الحكومة المركزية. لكن هذه التحركات القبلية وجدت تحفظات كثيرة أيضاً.

ونظم المجلس الأعلى لنظارات البِجا الذي يضم عدداً من زعماء قبائل شرق البلاد، الاحتجاج الأكبر في 17 أغسطس/ آب الماضي، وترافق مع إغلاق موانئ على ساحل البحر الأحمر والطرق التي تربطها مع باقي المدن وخط السكة الحديد، من أجل الضغط على الحكومة لإلغاء اتفاق وقعته مع فصائل سياسية في الشرق يرى المجلس أنه “لا يلبي طموحات أهل الإقليم في تحقيق العدالة والتنمية وتفعيل المشاركة السياسية”. وما زال الإغلاق مستمراً، ما تسبب بحسب الحكومة “في تداعيات إنسانية سلبية منها إعاقة وصول أدوية ضرورية لإنقاذ حياة أشخاص كُثر، وعدد كبير من السلع الأساسية مثل الوقود والقمح”.

وفي الشمال، أعلن مجلس شورى قبيلة الجعليين عزمه إغلاق طريق التحدي الذي يربط أيضاً ما بين العاصمة الخرطوم وبورتسودان ومدن أخرى، وتنظيم تظاهرات “من أجل ممارسة ضغوط لمنح الشمال حكماً ذاتياً، ومعالجة قضايا التعدين، ومنع الاستهداف العنصري لأبناء الشمال”.

كذلك ترافقت احتجاجات نظمت في مناطق دار حمر بولاية شمال كردفان (غرب) مع إغلاق الطريق الذي يربط بين الخرطوم ومدينة النهود وطرق أخرى، وكل الإدارات الحكومية، فيما تحرك منبر منطقة البطانة الحر الذي يضم قبائل وشبانا من وسط السودان، للضغط على الحكومة من أجل تنفيذ عدد من المطالب.

لكن الشارع السوداني انقسم حول أهداف الحراك القبلي وتأثيراته الاجتماعية. ويقول الباحث الاجتماعي أحمد محمد آدم لـ”العربي الجديد”: “ما تقوم به الزعامات القبلية لا يشبه الأدوار التاريخية والمجتمعية التي قامت بها الإدارات الأهلية في حلّ المشاكل والتوسط في النزاعات، وتعزيز التواصل داخل القبيلة الواحدة، وتحسين علاقاتها وتعاونها مع الباقين، علماً أن زعماء القبائل لم يعتادوا التورط بالاستقطاب السياسي الحاد في البلاد”. يضيف آدم: “يسهم النشاط القبلي الحالي في زعزعة النسيج الاجتماعي وترابطه، ويجعل الولاء القبلي أهم من الولاء الوطني، علماً أن القبائل ظلت دائماً ركيزة التمسك بالوحدة الوطنية، وليس عاملاً أو أداة للهدم، في وقت تشير إلى وجود طموحات أخرى للقادة القبليين تتجاوز مهماتهم الأساسية”. ويقترح “وضع إطار تشريعي لأدوار زعماء القبائل وحصره في مهمات اجتماعية، وتحديد خوض بعضهم المعترك السياسي بعيداً عن راية القبيلة”.

أما الصحافي محمد علي أنور، فيربط في حديثه لـ”العربي الجديد” احتجاجات القبائل وزعمائها بالفراغ السياسي الناتج من عدم تغلغل الأحزاب السياسية في المجتمع، “بسبب ضعفها وجهلها طبيعة مجتمعات كثيرة”. ويرى أن “الأحزاب الحالية خصوصاً تلك التي في قوى الحرية والتغيير الحاكمة، لم تستطع، بسبب خبرتها وصغر حجمها، ملء الفراغ الكبير بعد سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير الذي أدار الدولة بعقلية أمنية ورشاو سياسية وأساليب فاسدة”.

ويشير أنور إلى أن “الحراك القبلي خصوصاً في شرق السودان ليس سياسياً بالكامل، ويعكس الأبعاد الاجتماعية للوضع السائد في الإقليم الذي يعيش حال تهميش مزمنة أثرّت على تعليم أبنائه وصحتهم، والتي زادها أيضاً لجوء مجموعات من دول الجوار إلى مناطقهم، ومحاولتها فرض نفوذها فيها بعد تجنيس النظام السابق عدداً كبيراً منهم لأغراض انتخابية. من هنا ليس مستغرباً حصول زعماء القبائل على دعم ومساندة شعبية كبيرة، كونهم يعبرون عن هموم ومخاوف قواعدهم”. يضيف أنور: “لا ترتبط مطالبة المجلس الأعلى لنظارات البِجا بإلغاء اتفاق مسار الشرق بدافع سياسي بل مجتمعي، لأنه ينص على توطين لاجئين سيغيًر التركيب السكانية في الإقليم، علماً أن هذه القضية مهمة جداً بالنسبة إلى زعماء قبائل شرق السودان. ويبقى الأهم أن تبقى كل تحركات القبائل سلمية وتحافظ على الأمن وتراعي النسيج الاجتماعي”.

من جهته يرى الخبير في دراسات السلام عبد الله آدم خاطر، في حديثه لـ”العربي الجديد” أن “الولاء القبلي ظل رهن محاولات الأنظمة الشمولية تجييره لصالحها، مع تقليص دور المثقفين ومنح زعماء القبائل المال والمناصب لضمان نيل تأييد قواعدهم ودعمها. وظهر ذلك خلال حكم الرئيس السابق إبراهيم عبود، ونظام جعفر نميري الذي اعتمد حكمه على المجالس الشعبية، في حين كرّس حكم الرئيس السابق عمر البشير النظام القبلي واستخدم ميزاته السلبية لزعزعة الاستقرار المجتمعي”. ويوضح خاطر أن “المجتمع السوداني يعاني مما خلّفه العهد البائد وإرثه المثقل بالجروح التي تنعكس على أوضاعه. لكنه من الممكن تصحيح ذيول هذا الإرث عبر المبادرة إلى بناء الدستور، وتكريس حكم القانون وسيادته، وإنشاء قيادات جديدة تستوعب التعدد الإثني والعرقي والثقافي في البلاد. أما الوجه المضيء للحراك القبلي الحالي فيتمثل في إدراك السودانيين المشاكل الاجتماعية وأهمية حلها لخلق الوحدة المجتمعية والسياسية”.

في سياق متصل، يقول الخبير الاستراتيجي عصام بطران لـ”العربي الجديد” إن “التحركات القبلية الأخيرة تهدف إلى اعتماد التفاوض السياسي على أسس الجغرافيا وانعدام الأمن، ودفع الناس إلى اللجوء إلى قبائلهم من أجل حماية أنفسهم، علماً أن الإقصاء الاجتماعي وكذلك السياسي يلعبان دورهما في تصاعد النزعة القبيلة ويخلقان واجهات بديلة ومؤقتة خصوصاً أن تكوين الدولة السودانية مبني على أساس قبلي”. ويحدد بطران أبرز مخاطر الحراك القبلي الحالي “بإفقاد الدولة هيبتها، والمساهمة في انعدام سيادة القانون والدستور في مقابل سيطرة الأعراف والتقاليد المحلية. لذا نطالب بحل يتمثل في بسط الحريات السياسية والاجتماعية، ووضع استراتجية بعيدة وقصيرة المدى لتقديم خدمات في مناطق القبائل، وإزالة كل أشكال التهميش فيها”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here