أشهر 5 سدم كوكبية تخطف الأنظار

2
أشهر 5 سدم كوكبية تخطف الأنظار
أشهر 5 سدم كوكبية تخطف الأنظار

أفريقيا برس – السودان. حين نرفع أعيننا إلى السماء عبر التلسكوب، لا نرى النجوم والكواكب فقط، بل نلمح أيضا سحبا ضبابية باهتة تبدو كأنها آثار نفسٍ كوني قديم. هذه السحب تعرف باسم السّدم، وهي من أجمل وأهم الظواهر في علم الفلك.

وكلمة “نيبيولا” (Nebula) نفسها تعود إلى اللاتينية، وتعني “سحابة” أو “ضبابا”، وهو وصف دقيق لما رآه الفلكيون الأوائل حين لم تكن أدواتهم قادرة على كشف التفاصيل الدقيقة.

وقد سبق العرب غيرهم في وصف مثل هذه السدم فأطلقوا عليها اسم “اللطخات السحابية”، وأولها وأشهرها كانت مجرة المرأة المسلسلة (الأندروميدا)، التي كان أول من وصفها هو عبد الرحمن الصوفي الرازي في كتابه الشهير “صور الكواكب الثمانية والأربعين”، والذي كان أحد اهم مصادر أسماء النجوم العربية التي بقيت مخطوطة في خرائط النجوم العالمية حتى يومنا هذا.

والسديم، ببساطة، هو تجمّع هائل من الغاز والغبار في الفضاء، وقد يكون مهدا لولادة نجوم جديدة، أو شاهدا على نهايات نجوم هرمة.

وعلى مدى قرون كان أي جسم سماوي يبدو ضبابيا يصنّف على أنه سديم، قبل أن تكشف التطورات الحديثة أن الكون أكثر تنوعا وتعقيدا مما ظنّ الناس سابقا.

أنواع السدم.. من التوهج إلى الظلام

يقسّم العلماء السدم إلى أربعة أنواع رئيسية، لكل منها طبيعته وقصته. فهناك السدم الانبعاثية التي تتوهج ذاتيا بفعل إشعاع نجوم فتية حارة، فتشبه لافتات النيون العملاقة في الفضاء، وهناك السدم الانعكاسية التي لا تصدر ضوءها الخاص، بل تعكس ضوء النجوم المجاورة لها، فتبدو ناعمة ومضيئة بلون باهت، أما السدم المظلمة فهي الأكثر غموضا، إذ تحجب الضوء خلفها، وتظهر كبقع سوداء تقطع دروب النجوم في مجرتنا.

وهناك نوع فريد من السدم يُعرف باسم سدم بقايا السوبرنوفا، مثل سديم السرطان (Crab Nebula) هذه السدم تتشكل نتيجة انفجار نجوم ضخمة في نهاية حياتها، إذ تُطرح الطبقات الخارجية للنجم بسرعة هائلة في الفضاء، مكوّنة شبكة متوهجة من الغازات والجسيمات الدقيقة. في مركز هذه السدم غالبًا يوجد نجم نيوتروني أو بقايا نجمية كثيفة، يصدر نبضات طاقة قوية تضيف حركة وحيوية للمشهد الكوني.

لكن النوع الذي يستحق وقفة خاصة هو السديم الكوكبي، وعلى الرغم من اسمه المضلل، فلا علاقة له بالكواكب، وهو المرحلة الأخيرة في حياة نجم يشبه شمسنا، بعد أن يفقد طبقاته الخارجية، تاركا وراءه نواة ساخنة تعرف بالقزم الأبيض.

هذه النواة تطلق أشعة فوق بنفسجية قوية تجبر الغازات المطرودة على التوهج، فتتشكل كرة أو حلقة أو بنية مدهشة من الضوء واللون، غالبا ما تكون صغيرة نسبيا لكنها شديدة الجمال.

تكمن روعة السدم الكوكبية في أنها تجمع بين القصة الكونية والمشهد البصري، فهي تخبرنا عن مصير النجوم، وفي الوقت نفسه تمنح هواة الفلك أهدافا مثالية للرصد، حتى من سماء ليست مثالية تماما. ألوانها وأشكالها المتنوعة وسهولة تمييزها تجعلها من أكثر الأجسام السماوية قربا إلى قلب الراصد.

السدم الكوكبية.. أهداف تلسكوبات الهواة

ومن هذا الفهم، ننطلق في المقال التالي لاكتشاف خمس من أروع السدم الكوكبية في السماء، كل واحدة منها تحفة فنية بحد ذاتها، تحكي فصلا مختلفا من قصة موت النجوم.. وجمال الكون.

حين ينظر شخص غير معتاد عبر التلسكوب إلى سديم كوكبي، قد يقول ببرود “مجرد سحابة”، لكن الحقيقة أن هذه السحب ليست عادية أبدا؛ إنها اللحظات الأخيرة لنجم يشبه شمسنا، تحوّلت إلى لوحة كونية متوهجة. معرفة القصة تجعل المشهد مدهشا، وربما لهذا السبب يصبح الرصد أكثر متعة كلما فهمنا ما نراه.

السدم الكوكبية ليست كواكب، بل هي أغلفة غازية لفظها نجم يحتضر، بعد أن أنهى رحلته النووية، والضوء الذي نراه هو أثر الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من نجم قزم أبيض ساخن في القلب، يضيء الغازات المحيطة ويمنحها ألوانا خضراء وزرقاء آسرة.

وفي ما يلي خمس من أشهر وأجمل هذه السدم، كل واحد منها له شخصية وقصة مختلفة، وهي جميعا مستقبل شمسنا، نراه أمام أعيننا قبل أن نراها يوما ما على الحقيقة قزما أبيض محاطا بسماء وردية وأرجوانية تمور فوق رؤوسنا مورا.

سديم الأثقال.. منارة خضراء في الفضاء

في كوكبة الثعلب (Vulpecula) يلمع أحد ألمع السدم الكوكبية في السماء وهو سديم الأثقال (Dumbbell Nebula)، أو (M27) اكتشفه شارل مسييه عام 1764، ولا يزال حتى اليوم من أفضل الأهداف للمبتدئين والهواة.

عند النظر إليه بالتلسكوب، يظهر شكله المميز كأثقال أو ساعة رملية، بلون أخضر ناعم سببه انبعاث الأكسجين المتأين. لكن الصور العميقة تكشف مفاجأة إضافية وهي هالة دائرية خافتة تحيط بالجزء المركزي اللامع الذي يبلغ قطره نحو ثلاث سنوات ضوئية، وعمره يقارب 9000 سنة، أي أنه “حديث الموت” فلكيا، ويكمن جماله في وضوحه وسهولة رصده، حتى بتلسكوبات صغيرة.

السديم الحلقي.. خاتم الدخان الرقيق

في قلب كوكبة القيثارة (Lyra)، وبين نجمَيها اللامعين (الشلياق والسلحفاة)، يتربع السديم الحلقي (Ring Nebula)، والذي يحمل الرمز (M57)، أحد أشهر رموز السماء الصيفية، وكان اكتشف في القرن الثامن عشر، وظن في البداية أنه تجمع نجمي، قبل أن تنكشف طبيعته الحقيقية.

يبدو السديم كحلقة دخان معلّقة في الفراغ، قطرها نحو سنة ضوئية، وتبتعد عنا 2300 سنة ضوئية، ويتمدد غلافه الغازي بسرعة مذهلة تبلغ 50 كيلومترا في الثانية.

بالتلسكوب المتوسط، تظهر الحلقة بوضوح، ومع تدقيق النظر يمكن تمييز تفاوتات دقيقة في سطوعها، وكأنها نفس يتلاشى ببطء في الفضاء.

سديم كرة الثلج الزرقاء

يعرف هذا السديم باسم كرة الثلج الزرقاء (Blue Snowball Nebula)، ويرمز له بالرمز (NGC 7662) وهو جوهرة خريفية في السماء، يلمع بلون أزرق جذاب في كوكبة المرأة المسلسلة (Andromeda) لونه المميز ناتج عن انبعاثات الأكسجين المتأين، وهو ما يجعله يبدو ككوكب صغير عند الرصد الأول.

في مركزه قزم أبيض شديد السخونة تصل حرارته إلى 75 ألف درجة مئوية، لكنه يظل خفيا خلف السديم. وعند تكبير الصورة يتحول “النجم” إلى قرص ضبابي واضح، وتظهر بنيته الطبقية، مع حافة أكثر إشراقا وقلب أكثر خفوتا. فهو مثال رائع على كيف يمكن لسديم صغير أن يكون غنيا بالتفاصيل.

السديم الومّاض

في كوكبة الدجاجة (Cygnus) يختبئ واحد من أغرب السدم، هو السديم الومّاض (Blinking Nebula) الذي يرمز له بالرمز (NGC 6826).

الغرابة هنا ليست فيزيائية، بل بصرية، فعند النظر مباشرة إلى النجم المركزي يختفي السديم، وعندما تحيد نظرك قليلا يظهر فجأة ثم يختفي مجددا.

هذا “الوميض” سببه طريقة عمل شبكية العين البشرية، ويجعل تجربة رصده فريدة، خاصة عبر التلسكوبات الصغيرة. وهي طريقة معروفة بالرؤية الجانبية (Passive Vision) للدلالة على النظر إلى الجسم السماوي بزاوية خفيفة دون التحديق المباشر فيه، لأن أطراف شبكية العين أكثر حساسية للضوء الخافت من مركزها.

وهذا السديم دائري ومضغوط، والنجم المركزي فيه ساطع نسبيا، ما يزيد من خدعة الاختفاء والظهور، ويمنح الراصد لحظة دهشة لا تنسى.

سديم الأثقال الصغير.. جمال خافت يحتاج صبرا

آخر محطات الرحلة هو سديم الأثقال الصغير (Little Dumbbell Nebula) ذي الرمز (M76)، ويقع بين كوكبتي برشاوس والمرأة المسلسلة، وهو الأضعف سطوعا بين السدم الكوكبية في فهرس مسييه، لكنه يكافئ الصابرين بجمال دقيق.

وعند التكبير المنخفض يبدو كنقطة أو قرص صغير، لكن مع زيادة التكبير ينكشف شكله المتطاول، وكأنه فلّينة أو قطعة صغيرة من القطع المستخدمة في رياضة حمل الأثقال.

في التلسكوبات المتوسطة، تظهر بنيته الثنائية، مع شريط مظلم يفصل بين جزأيه. إنه سديم يتطلب بعض الخبرة، لكنه يقدّم واحدة من أكثر التجارب رهافة ومتعة.

السدم الكوكبية ليست مجرد أهداف للرصد فحسب، بل هي شواهد على مصير النجوم، ومرايا لمستقبل شمسنا البعيد. ففي كل مرة تنظر إليها، قد تكتشف تفصيلا جديدا، أو تشعر بأنك تشارك فلكيي القرون الماضية دهشتهم الأولى، وفي سماء هادئة، قد تتحول “سحب الموت” هذه إلى أجمل ما تراه عيناك.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here