أيمن إبراهيم
أفريقيا برس – السودان. بعد أكثر من ثلاث سنوات من المعارك بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع، تغيرت خريطة السيطرة العسكرية في السودان أكثر من مرة، حتى باتت اليوم تتوسع لمصلحة الجيش السوداني وحلفائه من القوات المساندة، وسط تراجع الدعم السريع وحلفائها، خصوصاً في إقليمي كردفان وسط البلاد ودارفور غربيها. ودفع التقدم البري للجيش خلال الأيام الماضية “الدعم”، إلى تكثيف الهجمات الجوية عبر المسيّرات التي استهدفت من خلالها عدداً من الولايات، على رأسها ولاية الخرطوم وولايات شمال كردفان ونهر النيل شمالي البلاد. وتتسارع هذه التطورات وسط حشود عسكرية للطرفين وتهديدات مستمرة بعد فشل المبادرات الإقليمية والدولية في احتواء الصراع عبر الحلول السياسية.
وفي 15 إبريل/ نيسان الماضي، دخل السودان عاماً رابعاً من الحرب، وسط تقاسم الجيش والدعم السريع السيطرة على ولايات البلاد الـ18، بانتشار أوسع وتقدم ميداني متواصل للجيش الذي يحكم قبضته على الولايات الشرقية المتمثلة بولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف وسنار، إلى جانب ولاية نهر النيل والشمالية شمالي البلاد، بالإضافة إلى ولايات الوسط على رأسها الخرطوم والنيل الأبيض والجزيرة، وأجزاء واسعة في ولايتي شمال وجنوب كردفان، جنوب وسط البلاد، في ظل سيطرة أقل في غرب كردفان، والسيطرة على معظم مناطق إقليم النيل الأزرق جنوباً.
في المقابل، تسيطر مليشيات الدعم السريع على ولايات إقليم دارفور الخمس غرباً، ما عدا أجزاء من ولايتي شمال وغرب دارفور حيث يسيطر الجيش والقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح (حركات موقعة على سلام مع الحكومة عام 2020) والقوات المساندة له على عدد من المناطق بعضها قريب من الحدود التشادية. كذلك تسيطر “الدعم” على أجزاء من جنوب كردفان، ومعظم ولاية غرب كردفان ومناطق محدودة في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان. وفي ولاية جنوب كردفان تسيطر الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو المتحالفة مع الدعم السريع، على مدينة كاودا وعدد من القرى، فيما تخضع منطقة جبل مرة بإقليم دارفور لسيطرة حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، التي تتخذ موقف الحياد من الحرب. وجبل مرة سلسلة جبلية وعرة تمتد بين ولايات شمال ووسط وجنوب دارفور.
وخلال محاولات توسيع المناطق الخاضعة لسيطرتها تمكنت مليشيات الدعم السريع من الوصول الى منطقة المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا في 11 يونيو/ حزيران 2025، لكنها ظلت حبيسة هناك من دون تأثير ميداني في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش والقوات المساندة له في الولاية الشمالية التي تتبع لها منطقة المثلث الحدودي. فقد ظلت تحركاتها في المنطقة مكشوفة أمام طيران الجيش الذي شن في الخامس من أغسطس/ آب الحالي هجمات جوية عنيفة استهدفت عشرات المركبات العسكرية للدعم السريع في منطقة الصحراء في أثناء قدومها من ليبيا في طريقها للأراضي السودانية.
السيطرة على مدن استراتيجية
وخلال شهر يوليو/ تموز الماضي حقق الجيش تقدماً ميدانياً كبيراً في جبهة شمال كردفان عقب عمليات عسكرية بدأها في يونيو الماضي ضد تجمعات الدعم السريع عقب محاولتها محاصرة مدينة الأُبيّض عاصمة الولاية، ومهاجمة عدد من المناطق حولها. وقد تمكن الجيش والقوات المساندة له من السيطرة على مدينة بارا الاستراتيجية القريبة من الخرطوم، وبلدات أم سيالة وجبرة الشيخ وأم قرفة في شمال كردفان. وتمكن خلال هذه الهجمات من السيطرة على كامل طريق “الصادرات”، وهو الطريق الأكثر أهمية الذي يربط ولاية شمال كردفان بالعاصمة السودانية من الاتجاه الغربي، وفقدت الدعم السريع بذلك أهم المناطق الخاضعة لسيطرتها في وسط البلاد.
مدن استراتيجية استعادها الجيش
وتصاعدت المعارك في إقليم النيل الأزرق، في الأيام الماضية، حيث سيطرت الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان جناح عبد العزيز الحلو على مدينة قيسان، الثلاثاء الماضي، ثم استعادت مدينة الكرمك بعد يومين، بعد أن كان الجيش قد استعادها في الثامن من يوليو/ تموز الماضي. تبدلت بذلك خريطة السيطرة في رقعة واحدة داخل الإقليم، لكن هذه التطورات لم تؤثر بتقدم الجيش في الجبهات الأخرى، إذ يرى مراقبون أن الجيش وحلفاءه يركزون على مناطق أكثر أهمية ويخططون للوصول إلى عمق معاقل الدعم السريع في ما تبقى من كردفان وصولاً إلى دارفور.
تقدم الجيش في كردفان ودارفور
في هذا الصدد، قال محمد آدم كش، القائد بالقوة المشتركة، ورئيس حركة تحرير السودان – قيادة مني أركو مناوي (حاكم إقليم دارفور) بولاية شمال دارفور، إن مليشيات الدعم السريع بعد تراجعها من الخرطوم، سيطرت على مناطق بدارفور وكردفان. وأوضح أن “نتيجة التنسيق الجيد بين القوات المسلحة والقوات المشتركة حدث تقدم كبير في عدة مناطق بكردفان مثل مدينة بارا ومناطق أم قرفة وأم سيالة، وكذلك في مناطق ولاية شمال دارفور القريبة من مدينة الفاشر متمثلة بالمحليات (البلديات) الشمالية مثل كتم وأم برو وكرنوي والطينة، إلى جانب محليات صليعة وكلبس وبئر سليبة في ولاية غرب دارفور”. وفي رأيه “يمكن القول الآن إن المليشيا بدأت بالفعل في الانكماش والتراجع الكبير، نتيجة قطع خطوط الإمداد في الصحراء وفي مناطق شمال دارفور الحدودية مع تشاد”، لافتاً إلى أن هذه المنطقة “أحد المعابر الرئيسية التي تُدخل عبرها المليشيا الكثير من السلاح والذخائر”.
واعتبر محمد آدم كش، أن هجوم الدعم السريع يوم الجمعة الماضي على مناطق جنوب غرب مدينة الأُبيّض “كان هجوماً انتحارياً وفاشلاً، تصدت له قواتنا بنجاح”. وأكد القائد بالقوة المشتركة أن “الأيام المقبلة ستشهد تحرك القوات في الاتجاه الشرقي والشمالي وكل الاتجاهات صوب دارفور بأعداد كبيرة جداً من المتحركات العسكرية”. أما الهدف فهو “لانتزاع المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا، والتضييق عليها أكثر فأكثر الى أن نصل إلى منطقة أم دافوق في حدودنا (السودان) مع أفريقيا الوسطى”.
وأشار إلى أن هناك المئات من مقاتلي “الدعم” يصلون باستمرار إلى الخرطوم والى مدينة الدبة في الولاية الشمالية وإلى الأُبيّض “مستسلمين ويطلبون الضمانات”، موضحاً أن “هناك قرار رئيس مجلس السيادة (عبد الفتاح البرهان) بالعفو عمّن يضع السلاح، أما الحق الخاص فالدولة لا تستطيع حماية من لديه جرائم وسيحاسب أمام القانون”. ووفق قول كش، فإن الذين أُسِروا أخيراً أفادوا بأن هناك “انقسامات واعتقالات وحتى تصفيات داخلية” في صفوف الدعم السريع، مشيراً إلى أن “هذا الانهيار والضغط العسكري” سيؤدي إلى استسلامها.
عجز الدعم السريع عن التقدم شمالي السودان
وفي هذا السياق، رأى الصحافي السوداني ماجد علي، أن المساحات التي تسيطر عليها الدعم السريع تستمر في التقلص. وأضاف، أن الدعم السريع طوال فترة وجودها في المناطق التي استعادها الجيش أخيراً في ولاية شمال كردفان، لم تستطع التقدم أكثر أو أن تشكل تهديداً لولاية الخرطوم أو ولاية النيل الأبيض، أو حتى التقدم نحو الولايات الشمالية “كما ظلت تهدد”. وأشار إلى أن تحركات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية في إقليم النيل الأزرق ليست ذات جدوى، عازياً ذلك إلى أن “القوات المتحركة هناك شبه محاصرة وتتحرك فقط من خلال الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان وهي غير قادرة على الوصول إلى مدينة الدمازين عاصمة النيل الأزرق”.
واعتبر أن إصرار “الدعم” والحركة الشعبية على الوجود في هذه المنطقة، محاولة لتشتيت المواجهات وشغل الجيش عن التقدم في ولاية جنوب كردفان المجاورة التي تعتبر بعض المناطق فيها معقلاً رئيسياً للحركة الشعبية. ووفق علي، فالحركة نفسها باتت تواجه هناك تمرداً داخلياً في صفوفها بسبب نزاعات قبلية، خصوصاً في مدينة كاودا. واعتبر ماجد أن ضعف موسم الأمطار هذا العام ساعد قوات الجيش والقوات المساندة على بسط السيطرة في مناطق واسعة شمال كردفان، وأصبحت هذه القوات قريبة جداً من ولاية غرب كردفان التي تسيطر عليها الدعم السريع. أما في يخص إقليم دارفور، فقد تقدم الجيش والقوة المشتركة، وفق علي، وهي “الخبيرة في طرق الإقليم وتضاريسه والأكثر معرفة بأساليب حرب العصابات التي تستخدمها الدعم السريع والمليشيات الموالية لها”.
بدوره، قال ضابط سابق في الجيش فضل عدم كشف اسمه، إن “خريطة السيطرة ظلت ثابتة في عدد كبير من المناطق مثل تلك التي يسيطر عليها الجيش في الشمال والجنوب والشرق والوسط”. وأشار إلى أن وجود الدعم السريع في النيل الأزرق “تسنده حرية تحركها عبر الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان وما تتلقاه من دعم هناك بالمقاتلين والمرتزقة”. وفي رأيه، فإن سيطرة الدعم السريع على ولايات إقليم دارفور باتت مهددة، إذ “عمل الجيش والقوات المساندة على قطع طرق الدعم السريع والسيطرة على الصحراء ومناطق عديدة صارت تمثل تهديداً لمدينة الجُنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، وكذلك مدينة الفاشر في شمال دارفور”. واعتبر أن “هذه التهديدات دفعت الدعم السريع أخيراً للجوء الى استراتيجية إشعال الجبهات لتخفيف الضغط على قواتها في المناطق التي تستخدمها كدفاعات أمامية”.





