بَعدما هَدَأت عواصف الربيع العربي والتي حسب نتائج تلك الثورات، كانت الشعوب هي الخاسر الأبرز، فلا هي حقّقت أهدافها العملية، ولا استطاعت توجيه مسارها بما يضمن تغييراً مأمولاً، وعلى إثره تحوّلت الشعوب إلى فريسة للأنظمة الطارئة والانتقالية.
فما بين موت الشباب، وإزهاق الأرواح، وصوت المكلومين والمحرومين، وأكوام الجثث، يطل الأرزقية وسماسرة السُّلطة وأبواق الأنظمة في كُلِّ عَهدٍ يُحاولون قطف ثمرة الشعوب وسرقة ثوراتهم ونضالاتهم بتاريخهم النتن وشخصياتهم الهلامية وسُلُوكهم الاستغلالي، ظَنّاً منهم بأنهم أذكى من أولئك الثائرين.. هذ المشهد ربما بدأت ملامحه تظهر وتتّضح حول ثورة الشباب السوداني بعد ظهور المُنتفعين والمُصطادين في المياه العكرة….
تنبيهات للصوص
ما لم يفهمه لصوص وسارقو الثورات في العالم العربي والإسلامي، هو أنّ الناس لم ينتفضوا لكي يغيِّروا حاكماً بآخر، ولا لكي يُقدِّموا حزباً على آخر، بل قاموا بذلك بعد أن تعبوا من الاستبداد لأجل الانتقال الجذري نحو الديمقراطية التي تسمح لكل واحدٍ بأن يتقدّم لتحمُّل المسؤولية عبر صوت الشعب وقراره، ولكن ليس لكي يفرض نفسه على الناس مَدَى الحياة، أو لكي ينصب نسقه ومرجعيته واختياراته لوحدها إلى أبد الآبدين، أو لكي يُغيِّر القوانين الديمقراطية بعد أن يكون قد استفاد منها للوصول إلى الحكم.
ثورة شباب السودان
ليست هي المرة الأولى التي يثور فيها الشارع السوداني، ولكن حتماً هذه المرة اختلفت الثورة، من ناحية الأهداف والأشكال والتكوين، تلك الثورة التي انطلقت منذ 19 ديسمبر من العام الماضي، ولكنها سُرعان ما كونت رأياً لدى الشارع والمواطن السوداني، بأنّ وقت التغيير قد حَانَ، حتى جاء السادس من أبريل موعد اللقاء والتجمُّع والاعتصام أمام القيادة العامة والمُطالبة برحيل البشير، لم تَمضِ أيّامٌ حتى أعلن نائب الرئيس ووزير الدفاع ابن عوف أن الجيش قد خلع البشير وابتلع الإنقاذ، ولكن سُرعان ما ثَارَ الشارع مرةً أخرى مُطالباً برحيل ابن عوف نفسه باعتباره أحد امتدادات النظام السَّابق، فرحل هو أيضاً بإعلانه تنحِّيه وآلت سلطة المجلس العسكري للفريق أول عبد الفتاح البرهان، ولكن الثُّوّار الذين ما زالوا أمام القيادة العامة يُطالبون بأن يتم حل المجلس العسكري وتكوين حكومة مدنية بتمثيل عسكري، هو المَطلب والهَدف.. ولكن بين كل ذلك، بدأت أوجه الخلاف تدب في قوى إعلان الحرية وبعض الأحزاب التي ظهرت في حين غفلةٍ، منصِّبةً نفسها جُزءاً من حراك الشارع الذي لم يتّخذ بعد لونية حزبية أو سياسية، وإنّما ثورة خالصة الدسم في الطعم واللون، شعبية الملامح، عفوية التكوين، سودانية الأصل، ولكن الثُّوّار عرفوا سلوكيات الأحزاب الهلامية والتقليدية، فرفضوا أن تُسرق ثورتهم من أولئك الطامعين وأصحاب المؤتمرات الصحفية.!
كيف تسرق الثورة؟
جُملة من التفاصيل والخطوات التي يُمكن من خلالها سرقة الثورات واغتيالها عن طريق استبدال نُموذج من الاستبداد بآخر أسوأ منه، وتغيير الحُكّام بمَن هُم أشرس منهم وأكثر دمويةً وقسوةً، وإفراغ السجون من المُعتقلين السياسيين لهذا التيار من أجل ملئه بأتباع تيارات أُخرى، وإتاحة الحُرية لمنابر إعلامية مُعيّنة بعد إغلاق غيرها وتكميم أفواه الناس من جديد.. فكيف تُسرق الثورات، وكيف يتم تحويل أحلام الشعوب إلى كوابيس تَتَجسّد في عددٍ من الثورات التي انبثقت من أعماق الشعب، ثُمّ انتهت إلى خلاف مَا أراده منها الثّائرون.
أحياناً تتم سرقة الثورات بدءاً بتخدير الثورة عبر إنامة الثّائرين وإيهامهم بأنّ الهدف قد تَحَقّقَ بِوُصُول هذا الشّخص أو هذا التيار إلى الحكم والعمل عبر الإيديولوجيا على إشاعة الاعتقاد بأنّ الثورة قد حَقّقَت أهدافها بمُجَرّد التخلُّص من الديكتاتور الذي يصبح رمزاً لـ(الشر المطلق)، حيث تبدأ حركة تحريض كبيرة ضد العهد البائد وتصويره في شكل المرحلة المُظلمة بشكلٍ مُطلقٍ، بل يتم أحياناً وضع مرجعية وحيدة، شمولية، جامعة، مانعة، واعتبار ما سواها محظوراً ومُضاداً لروح الثورة مِمّا يؤدي بالدولة إلى العُزلة عن العالم وتحوُّلاته، وهذا ما نخشاه أن يتم هنا في السودان.
تعدّدت تنميط المُجتمع في نماذج شكلية مُوحّدة بشكلٍ قسري في اللبس والسلوكيات والقيم والفكر الأوحد، شخصية الشيوعي أو الاشتراكي الجيد لدى المؤمن الصالح وصناعة رموز للثورة وتحويلها بالتدريج إلى مقدسات عقدية، بل وملهمة مثل صور وتماثيل ستالين وصور الإمام الخميني ومجسم الثورة بطهران، بل وفي السودان تصوير الرئيس المخلوع البشير، باعتباره المُنقذ للشعب وللأمة، واعتبار الأمة بدونه مُهدّدة بأن تتعرّض لضياعٍ خطيرٍ وتوهانٍ وانزلاقٍ عن درب الثورة.
في أحايين كَثيرة يُحاول سَارقو الثورات بتحويل مدرسة الثورة والنظام التربوي إلى فضاءٍ عسكري لغسل الأدمغة وتكوين الأجيال على فكر الثورة عبر تعليبهم وتنميط شخصياتهم، وجعلهم يشعرون بأنّهم أبناء الثورة وصناعها، وأنّهم بدونها ضائعون بلا مُستقبلٍ، لأنّهم لا يستطيعون لوحدهم الاستمرار بدون هديها وترشيدها ومبادئها الخالدة، وهو ما وَجَبَ على الشارع السوداني أن يعي كل تلك الأساليب من شيوخ السياسة وسماسرة الثورة، الذين خرجوا من سباتهم العميق بعد أن تأكّد لهم بأنّ الثورة السودانية قد عبرت بأبنائها وشعبها إلى بَرّ الأمان، وبذلك يحاولون بروح الدّناءة وعدم الاستحياء، التّسلُّق فوق أكتاف الشباب ليصنعوا مجدهم الزائف وكبرياءهم الخبيث.
الصدمة النفسية
أستاذ علم النفس السياسي بجامعة أفريقيا العالمية الدكتور نصر الدين الدومة، قال لـ(الصيحة)، إنّ الثورة السودانية نتيجة لتفاعلٍ مُتنوِّع الكيانات والأحزاب السِّياسيَّة والتّخطيط المُسبق، ويجب القول إنّ هنالك عوامل اقتصادية وغيرها سَاعَدت على قيامها، ولكن يجب التّوقُّف بأن الثورة في يومها الأول بعد البيان العسكري والتفاعل الكبير، كلها مشاهد يجب التوقُّف عندها ويصعب تجاوزها، والحقيقة أنّ العَمل السِّياسي لديه أدواتٌ وهي الأحزاب السِّياسيَّة، وأن جميع الأحزاب لديها ما يُسمى الهدف السِّياسي وهو حقٌ مشروعٌ ويصعب القول إن كل ما حدث كان عَفوياً.
وأكّد نصر الدين، أنّ من ينوي سرقة الثورة يجب أن ينظر إلى مَآلات التّحَوُّل الذي حَدَثَ في دُول الربيع العربي وفي هذه المَرحلة، مِمّا يحتم على النّاس التّوصُّل الى توافقٍ سياسي، كما حدث وسبق الثورة وولد الانسجام بين تجمُّع المهنيين والتّجمُّعات الأخرى، وكان يُمكن لذلك التوافق أن يستمر للوصول إلى رؤية يُمكن أن تخرج البلاد إلى بر الأمان، مُضيفاً أنّ الأحزاب السِّياسيَّة أصبحت بعيدة عن الملاعب السِّياسيَّة الحقيقيَّة، مُشيراً إلى أنّ تسارُع التّغيير السِّياسي الذي حَدَثَ هو ما يُسمى بالصدمة النفسية، وهو ما لم تكن تتوقّعه الأحزاب السِّياسيَّة، ولم تكن مُهيأة للتعامل معه، مِمّا ما خلق نوعاً من الربكة التي ظهرت الأيام الماضية في بياناتٍ مُتبادلةٍ من هنا وهناك، وقال الدومة إنه من الصعوبة المُقارنة بين ثورة السودان والربيع العربي لاختلاف المُكوِّن السوداني، لا سيما الوعي السياسي والاختلاف بين النظم العسكرية في السودان والدول العربية الأخرى، سيما وأن المجلس العسكري لم تكن لديه النية لاستلام السلطة، بل دفع إليها دفعاً، وأن الإشكالية في السودان مربوطة بالديمقراطية حتى داخل الأحزاب، وشدد نصر الدين بأنّ الثورة لن تتم سرقتها، ولكن ما نخشاه هو التدخل الخارجي الذي لا يأتي إلا بأجندة تخدم مصالحه وليس الشعب السوداني، وما يجب على المجلس العسكري هو تكوين حكومة تكنوقراط وكفاءات غير حزبية، وأن تكون الحكومة غير مُقيّدة برؤى حزبية ضيِّقة، والاستفادة من الخبرات الخارجية، ولكن البحث عن حكومةٍ انتقاليةٍ حزبيةٍ يخلق مزيداً من التشاكُس، مِمّا يعطي مزيداً من الفترة الزمنية التي تكون على حساب المجلس العسكري الذي يجب أن ينصرف للجوانب العسكرية والأمنية، سيما وأنّ البلد ما زالت تُعاني من بعض الخلافات والحُرُوب.
