مسيرة نصرة الشريعة .. بين الرفض والقبول

68

(ليس هناك مجال لدولة دينية الآن)، عبارة ألقت بها قوى الحرية والتغيير لقطع الطريق أمام النظام السابق واستبعاد إعادة الإسلام السياسي والذي ألقى بظلاله السالبة على البلاد، ولكن العبارة أثارت غضب رجال دين كانوا موالين لنظام البشير، الذين شرعوا في شيطنة قوى التغيير والتنبؤ بمستقبل البلاد من تطبيق العلمانية التى ينادي بها اليسار، ما دفع إمام وخطيب مسجد خاتم المرسلين بالخرطوم، عبد الحي يوسف للإعلان عن مسيرة جماهيرية لنصرة الشريعة الإسلامية غداً الإثنين، داعياً جميع السودانيين للمشاركة فيها، وتعالت هتافات المصلين بترديد شهادة التوحيد بصوت واحد مؤيدين له، في وقت وجدت المسيرة الرفض من قطاع واسع في المجتمع بحجة أنها (فتنة).

اتهام عبد الحي
الدعوة للمسيرة أثارت جدلاً واسعاً في الشارع السوداني ما بين مؤيد ومعارض للفكرة وما بين فرص نجاحها أو فشلها، في وقت سابق كان من السهل التنبؤ بنجاح مثل هكذا دعاوى، خاصة إذا خرجت من داعية مشهور مثل عبد الحي بالرغم من تصنيفه اليميني المتشدد نسبة لشعبية الرجل الكبيرة، أما الآن فالمؤشرات تشير إلى أن الداعية تراجعت شعبيته خاصة بعد تناقض مواقفه من الثورة، حيث دعا الرجل قبل سقوط نظام البشير، المواطنين لعدم الاستجابة للدعوات التي تنادي بها (بعض الجهات) للتظاهر ضد نظام الحكم، وقال عبد الحي وقتها في خطبة الجمعة، بحسب ما أوردت صحيفة (الانتباهة): (ما ينبغي الخروج في المظاهرات وما تعبدنا الله بالمظاهرات)، وقال إن الدعوة لمظاهرات في مثل هذه الظروف (لا معنى أو هدف لها، إلا إثارة الفتن والدعوة إلى القلاقل)، أما الآن و بعد إعلانه لمسيرة نصرة الشريعة، دافع عن المتظاهرين، مشيراً إلى أنهم خرجوا محتجين على وضع اقتصادي بائس، وسياسة عرجاء وعيشٍ بائس وتسلطٍ مقيت، وأوضح عبد الحي أن الشعارات التي رفعها المتظاهرون (حرية سلام وعدالة تمثل مقاصد الدين الإسلامي، فضلاً عن اتهامه بأنه من أفتى للرئيس المخلوع إبان اندلاع الثورة، بقتل ثلث الشعب والإبقاء على الثلثين، باعتبار أن ذلك ما جاء في المذهب المالكي، إلا أن الرجل نفى تلك الاتهامات، وسبق أن اتهم عبد الحي في يوليو الماضي، من قبل المتحدث باسم قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، العقيد أحمد المسماري، بالانتماء لتنظيم القاعدة وتمويل وتدريب عناصر تنظيم الدولة بليبيا، إلا أنه نفى علاقته بتنظيم القاعدة، وأكد أنه لم يزر ليبيا لتقديم محاضرات للمتشددين هناك، كما اتهمه بمبايعة أسامة بن لادن داخل ليبيا والدعوة للجهاد، وكان رد عبد الحي وقتها بعد اعترافه بالصلاة على بن لادن، صلاة الغائب: (تلك الصلاة لم تكن في سرداب خفي، ولا كانت تلك الكلمة سراً مكنوناً، بل قيلت جهاراً نهاراً على ملأ من الناس وفي حضور إعلامي لنبيِّن للناس الموقف الشرعي الصحيح تجاهه).
دواعي المسيرة
وبالعودة إلى المسيرة، علل الداعية مناداته لقيامها بأن قلة من جموع الشعب السوداني تريد أن تفرض إزالة الشريعة الإسلامية على الأغلبية المسلمة، الذي اعتبره باطلاً ولا يحق لأحد تبديل دين الله، كما حذر من المساس بهذه القوانين التي وضعت منذ العام ١٩٨٣ لم تستطع جميع الحكومات التي حكمت بعدها، إلغاءها، وشدد على الدفاع عن شرع الله ولو قتلنا في الشوارع وجاهزون للذود عنه، بعد أن أشار إلى أن هناك من أراد أن يجعل من ثورة الشباب مطية لنيل الحكم والتسلط على الناس لأربع سنوات، متسائلاً: عن من فوضهم بذلك وعن دواعي استعجال الخطوات، وأضاف: أعرضوا برامجكم وخاطبوا جماهيركم وعليكم أن ترتضوا بالنتائج التي يأتي بها الصندوق، ووجه عبد الحي أسئلة للمعتصمين أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، هل خرجتم تطالبون بتنحية الدين عن الحياة، هل خرجتم تطالبون بتحرير الدولة من الدين؟.. وانتقد الرجل نقاطاً من وثيقة تجمع المهنيين، هياكل الحكم وصناعة الدستور التي تُقر بحسب حديثه، إلى فصل الدين عن الدولة وتعدد مصادر التشريع دون ذكر الإسلام كمصدر.
رفض مهران
تباينت مواقف رجال دين حول دعوة عبد الحي، فيما أعلنت أحزاب سياسية محسوبة على اليمين، تأييدها للمسيرة، وأول رجال الدين المعارضين للمسيرة د.مهران ماهر عثمان إمام وخطيب مسجد السلام، أمام المعتصمين بالقيادة، والذي اعتقل أيام الرئيس المخلوع بسبب تأييده للثورة، كاتباً على صفحته الرسمية على موقع التواصل فيسبوك، (ساءني الآن أني سمعت بمسيرة ستخرج يوم الإثنين القادم، وساءني أن اسمي مع من سيخرج، وعليه فأعلن أني لم أوافق على الخروج في هذه المسيرة ولن أخرج فيها، لأن هذا ليس وقتاً مناسباً لها، لأنها توصل رسالة مفادها أن المعتصمين الآن ضد الشريعة وهذا باطل، أرجو ألا تخرج هذه المسيرة، أرجو أن نخمد نار الفتنة، أرجو ألا نشق صف وحدتنا، أرجو أن نعي أن من حولنا يمكر بنا).
استعجال الهوية
يرى الداعية الإسلامي والأستاذ بكلية القانون بجامعة الخرطوم، بروفيسور علاء الدين الزاكي أن دواعي المسيرة تعود للضعف السياسي لقوى الحرية والتغيير، ما دفع التيارات الإسلامية للدعوة لها، واعتبر أن طرح قضايا خلافية تتعلق بأصول الإسلام، تعني الفرقة للتيارات الإسلامية والتيارات العلمانية، وكان من الحكمة السياسية أن تُرجأ هذه الخلافات إلى ما بعد ترتيب أمر الحكم في السودان، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة الهوية ، واعتبر استعجال قوى التغيير في حسم قضية فصل الدين عن الدولة الآن، والمطالبة بدستور يقصي الإسلام، أمراً يستفز التيارات الإسلامية ويدفعها للانتفاض للدينها، وأن القضية أصبحت قضية مفاصلة، وأكد أن سكوت التيارات الإسلامية في هذه الحالة سيفسر على أنها موافقة على هذا الطرح، وقال كان من الأفضل تأجيل قضية الهوية بسبب الثورة التي اشترك فيها الجميع بما فيها تيارات إسلامية موجودة الآن بميدان الاعتصام، وقال من المفترض أن يجمع حوار بين التيارات الإسلامية والعلمانية .
اشتباكات متوقعة
لم يبدِ الإسلامي والسياسي أسامة توفيق تأييداً للمسيرة، وقال لسنا في حاجة إلى مجاراة اليسار (الشيوعيين)، في هذا الأمر، مع اعترافه بأن المسيرة ذات مغزى، يعني أن الميدان ليس حكراً لليسار، متوقعاً أن تشارك فيها عدد من الأحزاب سيحددها حجم المسيرة وقتها، ولفت إلى أنها تلفت انتباه المجلس العسكري للمخاطر التي من الممكن أن يجره إليها اليسار، توفيق تخوف من حدوث اشتباكات بين المسيرة والمعتصمين، واتهم اليسار لقيادتهم ما أسماه بحملات الضد، والتي من المؤكد ستدفع المجلس العسكري للتعامل في نهاية الأمر، وقال إنه من وجهة نظره يرى أن الوقت لا زال مبكراً لذلك، خاصة وأن الغالبية في السودان مسلمون، مطالباً بإعطاء المجلس العسكري فرصة للقيام بعمله بدلاً من وضعه بين قطبي الرحا .
محاكمات ميدانية
توفيق حذر من ما تقوم به أحزاب اليسار والذي أطلق عليه (المحاكمات الميدانية)، مستشهداً بمهاجمتهم لخيمة الإخوان المسلمين داخل الاعتصام، والهجوم الذي تم شنه على (ذا النون)، فضلاً عن اشتباكهم مع حزب المؤتمر الشعبي إبان ندوته بإحدى القاعات البعيدة عن مقر الاعتصام، واعتبره توفيق أمراً أخطر من الإقصاء، والذي بدوره سيجر البلاد إلى فتنة لا يعلم مداها إلا الله، ونصح بإفساح المجال لهم ليقعوا في الخطأ ومن ثم محاكمتهم في دولة القانون، والحساب ولد بحسب تعبيره.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here