الحِدَادُ على «دَوْلَة طارق الحدّاد» / بقلم: لطفي النجار

3
الحِدَادُ على «دَوْلَة طارق الحدّاد» / بقلم: لطفي النجار
الحِدَادُ على «دَوْلَة طارق الحدّاد» / بقلم: لطفي النجار

افريقيا برستونس. مِن متّهم في قضايا حقّ عام صادرة فيه خمسة مناشير تفتيش منذ 2017 إلى «زعيم» جهوي سنة 2020 يُفاوض ندّا للندّ مع الدولة، فيضغط عليها ويرذّلها حينا ويُمهلها أحيانا ويهدّدها في الغالب بقطع إمداداتها من الطاقة ويرمي جيشها ببذيء القول وفُحْشِ الكَلامِ. هي سنوات قليلة وخيبات عديدة لحكومتين متتاليتين صنعت من طارق الحدّاد «المفتّش عنه» wanted «زعيما ثوريا» يُثْخِنُ كلّ مرّة في جِراحات دولة مُرْهَقة أصلا ليَزيدَها رهَقا على رَهَق.

تفترض السيرة الملتبسة لقائد تنسيقية اعتصام الكامور سؤالين اثنين يُمْكِنُ أن تكون محاولة الإجابة عليهما مدخلا لفهم وتفكيك الدلالات السياسية لهذا الصعود المريب لنجم طارق الحدّاد، وتداعياته الممكنة وطنيا وإقليميا في محيط متقلّب وغير مستقر: سؤال أوّل يتعلّق بتحديد هويّة «الجهة السياسية» أو «القُوَى النّافِذة» التي «صنعت» من وراء السِّتار نجومية «الحدّاد» ورمت به في قلب حراك مطلبي اجتماعي مُلْتَهِب. بمعنى من صنع من ذلك المتّهم في قضايا حقّ عام «ثائرا مُلْهِما» لحماسة الآلاف من شبّان تطاوين ؟. وسؤال ثَانٍ مبَاشِر يُحاوِلُ أن يَرْصُدَ حدود المسؤولية السياسية والأخلاقية للحُكّام الذين كانوا سببا رئيسيا في ميلاد «ثائر جنوبي» على الدولة.

ثائر «حقّ عام» !

لسائل أن يسأل، كيف لمتّهم في قضايا اعتداء بالعنف صادرة ضدّه 5 مناشير تفتيش منذ 2017 يتمّ «استذكاره» فجأة من قِبَلِ قاضي تحقيق ثمّ يُسرّعُ بجلبه عبر استنفار المئات من قوّات الأمن والعشرات من سيّارات الشرطة في ليلة ظلماء، لِيتمّ إطلاق سراحه بعد 24 ساعة فقط، ليُصنَع منه في النهاية «زعيما» وثائرا لا يُشقّ له غُبار !. الأمر يدعو إلى الريبة والتساؤل فعلا، مثلما صرّح حينها جوهر بن مبارك بصفته مباشرا لكواليس التفاوض والحوار بين الحكومة وبعض ممثّلي الحركات الاحتجاجية كالمظيلة والمكناسي. لقد صُنِع من طارق الحدّاد قائدا ثائرا يُحرّك الجموع متى اشتد الخناق على رِقاب ذوي القُرْبى السياسية الذين لم يُجاهر الحدّاد ولو مرّة واحدة بمسؤوليتهم الوطنية في تردّي وتدهور مناحي التنمية في تونس عامّة وفي تطاوين تحديدا أو لِنقُل في انعدامها الكامل منذ عَقْد على حكمهم في الولاية المذكورة. للحدّاد فيديوهات مصوّرة وخطابات مباشرة في الناس، وحوارات إذاعية وتلفزية لمْ يتعرّض ولو مرّة لمسؤولية نوّاب ولايته (سواء في المجلس التأسيسي أو في مجلس نوّاب الشعب في نسخة 2014 أو 2019 وهم جلّهم من حركة النهضة وبعضهم من ائتلاف الكرامة) في الذود والدفاع عن مطالب اعتصام الكامور. لقد كانت لطارق الحدّاد سفرات ورحلات إلى اسطنبول يُمْكن أن تُفسّر هذه الانعطافة المفاجئة في سيرة الحدّاد، من «باندي» تبحث عنه الشرطة إلى «ثائر» يتوعّد الجيش ويُهَدّد «التوانسة» بمصادرة ثرواتهم تحت الأرض. أي من نَسْيٍ منسي إلى نَجْمٍ شاشة «الجزيرة» وما شابهها في الداخل والخارج من شاشات ومنصّات «الإسلام السياسي».

لا يحتاج المحلّل أو المتابع لهرج «الحدّاد» ومرجه عناء كبيرا حتى يفهم أنّه مُوالٍ إلى حدّ النخاع لتيّار سياسي يُخْرِجُه كبُعْبُعٍ متى يشاء. يَخْرُج ليُشوّه الاحتجاجات الشبابية اللّيلية الأخيرة فيتّهمها بخدمة أجندات أجنبية ويتّهمها بالعنف والتخريب ويَصْمُت عن مسيرات 6 فيفري النهارية. يَشدو «الحدّاد» في كلّ خرجاته على إيقاع متوازٍ ومتناسق وبالصدفة العجيبة مع «شَدْو» حركة النهضة وائتلاف الكرامة وأنصارهما المبثوثين في صفحات فايسبوكية صارت معروفة بالإسم عند جلّ «التوانسة».

نُقِرُّ طبْعا، ودون تحفّظ بحقوق أهلنا في تطاوين كما في غيرها من جهات الوطن في تنمية عادلة، تُحقِّقُ مواطنة كاملة وكريمة دون نُقْصان وهذا لُبّ الثورة ومرماها. ونحن لسنا في مقام نقد أو قراءة أو تقييم أو تشكيك في شرعية مطالب «التطاونية» في تنمية فعلية مستحقّة تشمل كل مناشط الحياة. ولكنّنا نعِيب ما يأتيه «زعيم» الكامور من عربدة و«تَفْيِيشْ» ورعونة لا تليق برصانة وهدوء أهلنا في الجنوب الأبِيّ. إذ تجاوزت هذه الرعونة حدّا خطيرا انقلب إلى تمرّد على الدولة وتعدّ غير مقبول على الجيش حامي الحِمى والحدود.

للحكومات المتعاقبة منذ 3 سنوات المسؤولية السياسية والتاريخية الكاملة في صناعة «زعيم» يُمْكِن أن يتحوّل إلى معضلة حقيقية وخطيرة على استقرار الأوضاع الأمنية في الجنوب التونسي، وذلك بسبب تزايد شعبيته نتيجة تردّد وانتهازية وضعف حكومي من جهة، ونتيجة التهميش الخطير الذي تعانيه الولاية من جهة أخرى. إنّ صعود نجم هذا «الثائر» شعبيا (وهذا تشخيص موضوعي) على حدودنا الجنوبية، وداخل محيط إقليمي متحرّك ودقيق جيوسياسيا يُمكن أن يكون مدخلا إلى الاختراق الأجنبي وإلى البلبلة وإحداث الفوضى…ندُقّ ناقوس الخطر الآن وقبل فوات الآوان، خاصّة بعد أن شاهدنا ما شاهدنا من اعتداء وجُرْمٍ «لفظي» على جيشنا الوطني، وبعد أن تابعنا السيرة الملتبسة للحدّاد في حِلّه العجيب وترحاله الغريب من «فانة» الكامور إلى غُرَف اسطنبول !

نشر باسبوعية “الشارع المغاربي” بعددها الصادر بتاريخ الثلاثاء 16 فيفري 2021

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here