بعد “كتاب” سعيد المزلزل.. ماذا بقي من منظومة 2019 ؟

1
بعد
بعد "كتاب" سعيد المزلزل.. ماذا بقي من منظومة 2019 ؟

افريقيا برستونس. بقلم: شكري بن عيسى – لم يشكل الاعلان السبت عن ردّ الرئيس سعيد للبرلمان مشروع القانون المتعلق بتنقيح و اتمام القانون المتعلق بالمحكمة الدستورية الاثارة واللغط والنقاش، مثلما اثاره يوم الاحد “الكتاب” الذي انزله الرئيس على صفحة الرئاسة وفيه مضمون الرد وكان على طريقة رسائل الملوك والامراء في العصور السحيقة، من ناحية الهيكل العام عنواناً وديباجةً ومقدمةً ومتنا وختماً وقبل ذلك تحيةً وسلاماً ولكن ايضا من ناحية الكتابة الكوفية التي تطغى عليها الصبغة المغربية الاندلسية، وهو اكثر ما شد المتابعين والمعلقين وفي هذا تختلف الاراء التي ركزت اكثر على الوقت الضائع من كتابة النص باليد وبتلك الدقة، وباستعمال ورقة من الحجم الكبير التي لم يعتد عن مشاهدتها الشعب في الطريقة الادارية التقليدية التي تعتمد حجم “ستندار”.

واغلب المعلقين ارتؤوا في صيغة “الكتاب” وبنيته الشكلية أسلوبا يذكرنا بعصور انقرضت او كادت يتضّح الرئيس مصر على استعراضها واستدعائها، ولكن الحقيقة الجميع او اغلب المعلقين اهملوا ان الكتاب بشكله وبنيته الصورية استجلب المعلقين وشد اهتمامهم، وهذا عنصر بيداغوجي اتصالي متميز جعل الشأن العام الدستوري والسياسي بتعقيداته محل تداول ونقاش كثيف، واستجلاب المواطن الرازح تحت غلاء الفلفل والطماطم وحتى البصل والغارق تحت وباء الكورونا والبطالة للاهتمام بالسياسة الحقيقة امرا ليس سهلا بالمرّة، ومع ذلك فتكاد يوم الاحد شبكات السوشيال ميديا وحتى وسائل الاعلام التقليدية الداخلية والخارجية تغص بذلك “الكتاب”.

والحقيقة ان بيداغوجيا سعيد تجاوزت الجانب الاتصالي في اثارة القضية وجلب الجميع للتداول والنقاش العام، الى جمالية الوثيقة من خلال الكتابة وبنية الكتاب واقتصاد المساحة المتاحة وشكلت لوحة جميلة من المؤكد ان الاذواق استحسنتها، واستمتعت بجمالها وهندستها ومعماريتها حتى من الذين خالفوا مضمونها ومحتواها ودلالاتها ورسائلها الحادة، والجمال كما النوستالجيا الجماعية هي احد ركائز السياسة التي تستدعي المشترك الجامع الذي يمكن الاتحاد حوله، وهذا احد ابرز عناصر قوة هذا الكتاب هو الجانب الاستطيقي والمسألة الذوقية هي الوحيدة التي يمكن ان تخلق ارتباطا قد يصل حتى للكونية، اذ هي تستدعي المخيال دون الحاجة للمفهوم المعقد الدقيق وتستدعي الحرية التي يفترضها الفن..

لا بد ايضا من الاشارة ان استعمال صفحة وحيدة زاد الاهتمام بـ”الكتاب” لان الاثر الفني الجمالي في اغلبه “متفرد” واحد، هذا زيادة على ان الكثرة ترهق والاكتضاض ينفّر وهذا ما تلافاه سعيد باستعماله صفحة واحدة والكتاب يستدعي ايضا حتى ما قبل الاسلام، ليحيل على “المعلّقات” الشعرية التي تعود الى ما قبل ظهور الرسول محمد وفيها سحر الشكل فضلا عن المتن، وبديهية الرئيس وحسه المتجذّر في الماضي احاله على هذه الطريقة الفنية الاتصالية المتميزة دون ان يكون واعيا بها على الارجح، فالرئيس من عالم مضادّ لوسائل الاشهار والاتصال التكنولوجي الحديثة والاشكال المصنّعة بطرق التصور والنمذجة والانتاج المعاصرة.

الشكل الاستطيقي الجميل والهندسة المعمارية الخلاّبة التي جمعت الكل تقريبا حولها لم تمنع مضمونا هجوميا حادا ان لم يكن عنيفا، ومن المنطلق كان القاء السلام مليء بالالغام او يكاد فلا احد فهم سلاما يتوجّه به صاحبه لنفسه قبل مخاطبه وما قيمة السلام ان لم يكن واضحا مثيرا لـ”السكينة” و”السلام”، وهذا منطلق الهجوم الذي يستحضر صفحات من تبادل التحايا المسمومة بين الرسول محمد واليهود بطريقة نوعا ما ملغّم، ومامعنى اصلا ان يلقي الرئيس سلاما على نفسه ليردّه على مخاطبيه قبل ان يثير حولهم شبهات بسوء النوايا والمقاصد..

بل بالتشكيك الصريح والاتهام المباشر بان “المقصد الحقيقي من القانون لا علاقة له بعلوية القانون وضمان علوية الدستور”، واستحضار مضامين قرانية حول “خائنة الاعين” و”عمى الابصار” الحقيقة فيه وصم عنيف بمضمون ودلالة مزدوجة سياسية-دينية، قبل المرور للسرعة القصوى بالتشكيك الصريح في صدق النواب والاحزاب التي اقدمت على مشروع التحوير والتنقيح، خاصة فيما يتعلق بمن هو “مطالب امام القضاء” ومن هو “فار من العدالة” ليتعدى لتهم “الراشي والمرتشي والمعتدي”، متهما اياه بانه “سيتسلل في الخفاء” للمحكمة الدستورية في الوقت التي يرفع الصوت “مطالبا” بها.

والرد كان حادا من الطرف المقابل باتهام سعيد بتعطيل واضح لاحد مؤسسات النظام السياسي الدستورية بل احد اركان البناء السياسي، فاليوم في عدة مناسبات تستدعي التأويل والحسم الدستوري يفتقد هذا الصرح الاساسي تاركا المجال للنزاعات وحتى الفوضى والعبث، والاتهام يزداد حدة وخطورة لمن هو بموجب الفصل 72 من الدستور من يسهر على احترام الدستور ونفاذه، وتتضاعف الحدة اذا كان هو ابرز مستفيد من الفراغ وغياب المحكمة حيث يحل مكانها تأويلا وممارسة وحتى عسفا كما يتهمه خصومه.

والمتأمل في “كتاب” سعيد يجد ان الرجل لا يستهدف رأسا التعطيل الوقتي والمناورة والاحراج بالزام المجلس بمصادقة جديدة تستلزم 131 صوتا قد لا يقدر عليها، بل هو اوضح مرماه بان عدم ارساء المحكمة الدستورية في الاجل المنصوص عليه بالفصل 148 من الدستور يعتبر خرقا للاجراءات الدستورية، التي اعتبرها تهم النظام العام وبالتالي غير استنهاضية وبالتالي لا يستقيم بعد تجاوزها اي اجراء اصلاحي او تعديلي الى حد ان الامر يعتبر في مرمى العدم، والرسالة واضحة وجلية ولا تتطلب تفسيرا وفهما اذ الواضح ان سعيد سيرفض التنقيحات والتعديلات حتى ان تمت المصادقة عليها من جديد بالاغلبية المعززة المطلوبة.

وهذا هو التعليل الاساسي المستوجب في الفصل 81 من الدستور الذي استدعاه سعيد للاستناد عليه، وهو بالتالي يصدق في كل الحالات من منظور كاتبه سواء كانت المصادقة بالاغلبية المطلقة للنواب او ثلاثة اخماس (بعد الردّ)، ما يعني وهو ما اشار اليه سعيد في الكتاب بانه لن يختم مشروع القانون ولن يأذن بنشره ليكون نافذا في الجريدة الرسمية، وبالتالي فالامر شبه محسوم بان المحكمة الدستورية لن تر النور في ظل النصوص الدستورية الحالية، حتى ان اتلف تماما مشروع القانون الحالي وتم التصويت من البرلمان على الاعضاء بالاغلبية القانونية الحالية ووفق الترتيب الحالي قبل اي تحوير.

ما يحيل على ان سعيد يشير الى حتمية تعديل النص الدستوري قبل اي تحوير وتنقيح قانوني، والتعديل الدستوري يجب ان يخص بالاساس اجال ارساء المحكمة الدستورية في خصوص “السنة” من الانتخابات التشريعية، والامر الحقيقة وكما قال سعيد ذاته سيحيلنا الى استحالة دستورية لان تعديل الدستور يتطلب وجود المحكمة الدستورية، التي يستوجب ان تصدر رايها فيما يمكن تعديله مما لا يمكن تعديله وهو اختصاص حصري لها دون غيرها، والوضع يحيلنا الى حلقة مفرغة لن تنتهي دوراتها لتفضي الى استمرار الفراغ العميق.

ويبدو ان سعيد الذي اعتبر وجود نوايا غير سليمة في موضوع المحكمة الدستورية غير قابل بوجودها، بل هو ايضا يمكن ان يسحب حكمه على المجلس الاعلى للقضاء ولن يقبل بتسمية الاعضاء الذين سيختارهم للمحكمة الدستورية، اذ هو ذاته تجاوز ارساءه الاجال الدستورية التي نص عليها الدستور هذا فضلا عن وجود مشتبهين بالفساد داخله، والامر بالفعل ابعاده ودلالاته السياسية عميقة لو افترضنا بان قيس سعيد لم يكن يرتبط باي مصلحة في الصدد،وكان خارج منظومة الحكم يشتغل استاذا او خبيرا في القانون الدستوري او الاختصاصات المترابطة والشبيهة.

وفي كل الحالات فالدرس عميق وهام جدا اذ ان من تكاسل وتراخى وتهاون بل وتعمّد تعطيل هذا الركن من اركان النظام الدستوري والسياسي، لا يمكن ولا يحق له اليوم ان يعترض على من يحاججه بالدليل والحجة حتى لو كانت غاياته غير سليمة وافعاله كارثية النتائج، لانه سيرد عليه حجته ويسقطها منذ البدأ لانه لم يثبت حرصه على الامر لما كان بيده ولم يظهر ارادة صادقة وفعالية مطلوبة في وقتها، وحتى على فرض عبث سعيد بالامر فالعبث الحقيقة ليس وليد اللحظة وهو سابق على سعيد بسنوات طويلة وهنا مكمن الدرس.

فالكل ساهم في خراب “المعبد” ولا احد يحق له اتهام الاخر وادعاء النصاعة والبياض والطهورية الزائفة، هذا فضلا عن نقطة ذات اهمية قصوى لم يطرحها احد (على الاغلب) وهي جدوى المحكمة الدستورية ذاتها في ظل هكذا عبث بالدولة والدستور والقانون، وماذا ستضيف اصلا وكيف ستحلّ المشاكل اذاكانت الطبقة السياسية خاربة واذا كانت الفوضى في طبيعتها وماهيتها، وفضلا عن ذلك فالمحكمة ذاتها ستكون نتيجة او افراز هؤلاء السياسين وهذه المؤسسات المسرطنة ولن تلد سوى مسرطنة.

وفي المحصلة فجميع الطبقة السياسية ممن يوجه اتهامه في هذا الاتجاه او من يوجه اتهامه في الاتجاه المقابل جلهم ان لم يكن كلهم، يسوقون الاوهام للشعب ويقدمون له الوعود الزائفة ويغطون عجزهم وعدم اهليتهم بهكذا نزاعات زادت في غرق البلاد، والحقيقة ان المشكل الاساسي هو فيهم وفي وجودهم وفي تعاطيهم مع الشأن العام وروح المسؤولية المفقودة بداخلهم ازاء وطن سلبوه ثورته وثرواته وقيمه ولازلالوا يدعون به وصلا وحبا..!!

لكن ما يحق التساؤل بشأنه بعد زلزال “الكتاب” ما هو مصير “مبادرة الاتحاد” المتهالكة بعد انعاشها بالاكسيجين المكثف الاسبوع المنقضي ؟؟!!

واي مجال سيبقى للمشترك والالتقاء بعد هذه “الصواريخ” ؟؟!!

هل سنرى من جديد سامي الطاهري في لوحة جديدة من البكاء والعويل على “المبادرة” الميتة من منطلقها وزاد الرئيس في خنقها ؟؟!!

واي معنى اصلا لاستمرار منظومة حكم انتخابات 2019 بعد هذا الزلزال السياسي الدستوري الصاعق ؟؟!!

(*) باحث في القانون العام والفلسفة السياسية

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here