تونس إلى مبايعة لا انتخابات

14
تونس إلى مبايعة لا انتخابات
تونس إلى مبايعة لا انتخابات

رفيق عبد السلام

أفريقيا برس – تونس. أخيراً قُطع الشك باليقين، أن تونس ذاهبة إلى انتخابات رئاسية أواخر هذه السنة، وفق مقتضيات دستور 2014 الذي ألغاه قيس سعيّد بعدما اتّكأ على فصله الثمانين لتسويغ الانقلاب وحل المؤسّسات، ولا يستبعد أن تكون هناك ضغوط خارجية وأخرى داخلية من الأجهزة نفسها قد فرضت عليه فرضا إعلان الالتزام بتنظيم الانتخابات نهاية عهدته، وإنْ كان سعيّد إلى حد كتابة هذه السطور لم يفصح بعد عن تحديد تاريخها بالدقة، ليترك لنفسه هامش المناورة الزمنية. ولا يستبعد أن يقدِم على تقديم موعدها ليفاجئ الساحة السياسية، ولا يعطي القوى المنافسة فرصة تنظيم صفوفها. وفي السياق، صرّح بأن لا حاجة لتعديل المجلة الانتخابية بحكم أن دستوره الجديد قد ضبط العملية، بما يوحي، في ظاهر الأمر، أنه لن يغيّر قواعد اللعبة التي سمحت له بدخول قصر قرطاج، ولكن الأرجح أنه سيقوم بعملية التفافية عبر استخدام الهيئة المستقلة للانتخابات التي فقدت الكثير من استقلاليتها، لفرض قيود واستبعاد مرشّحين، مثلما تم استخدامها في تقديم شكاوى ضد بعض الشخصيات.

ما هو واضح في تكتيكات قيس سعيّد الانتخابية جانبان: أولا، استخدام القضاء لاستبعاد المنافسين المحتملين تقريبا، إما بسوقهم للسجون أو إثقالهم بقضايا وملفات تمنعهم من الترشّح، إذ بات يقبع اليوم عشرات من القيادات السياسية والاجتماعية وزعماء الأحزاب في المعتقلات، ويتردّد طيف آخر من السياسيين والنشطاء على قضاة التحقيق بسبب تصريح هنا أو هناك، فبمجرّد أن تعلن شخصية ما عن نيتها في الترشح حتى يأتيه الجواب مباشرة باستدعاء للتحقيق من وحدة الجرائم الإلكترونية وفق المرسوم 54.

ثانيا، البدء بحملة انتخابية مبكّرة باستخدام موارد الدولة عبر تكثيف الزيارات لبعض المدن الداخلية، يقال إنها زيارات مفاجئة، ولكنها في الحقيقة مرتبة في إخراجها وجمهورها، وغالبا ما تكون مصحوبةً بوعود انتخابية كثيرة وخطب نارية لا تتوقّف عن مقاومة الفساد والفاسدين. وبموازاة ذلك كله بدأ تحريك مشروع الشركات الأهلية الذي يعد بمثابة الرافعة الأيديولوجية لمشروع سعيّد الخاص للحكم القاعدي، بديلا عن حكم الأحزاب والهيئات الوسيطة التي يمقتها، حيث يتماهى هنا الزعيم مباشرة مع الشعب، وتتحد الشرعية مع المشروعية، وإن كان عامل الزمن لا يسعفه للمضي في مشروعه إلى النهاية، كمن يجري في الوقت الضائع.

تبدو المعادلة السياسية بتعقيداتها الداخلية والخارجية تفوق قدرة سعيّد على الاحتواء والضبط، وخصوصاً أن سلوكه السياسي يتسم بالعناد والتحدّي وردود الفعل، فيزيد ذلك من أخطائه ويُضعف جبهته الداخلية أكثر، فقد حرّك ملفّ الانتخابات وما صاحبه من جدل سياسي وإعلامي ومعارك حقوقية كثيراً من المياه الراكدة في المشهد السياسي التونسي، وزرع ألغاماً كثيرة تحت قدمي سعيّد نفسه. وهذا ما يجعل اللعبة الانتخابية، رغم ما أحاطها به قيس سعيّد من قيود وكوابح، مغامرة غير مضمونة العواقب له ولأنصاره، خصوصاً إذا ما أرغم على خوضها بغير الشروط التي يريد فرضها على الساحة. وما يزيد في إنهاك سعيّد وانكماش جمهوره أكثر، استفحال الأزمة الاقتصادية الاجتماعية بشكلٍ غير مسبوق، والتي يلخصها اليوم مشهد وقوف التونسيين في طوابير طويلة من أجل الحصول على الخبز والمواد الأساسية، وهو أمرٌ غير معهود منذ بداية استقلال تونس عن الاحتلال الفرنسي سنة 1956. ولا نتحدّث هنا عن تراجع نسبة النمو إلى ما يقرب من الصفر (0.4%)، وارتفاع نسب البطالة وحجم المديونية مقابل تراجع الإنتاج والاستثمار الداخلي والخارجي والسياحة وكل شيء.

ورغم أن أجهزة الدولة لم تتوقّف عن إسناد سعيّد، منذ أعلن إجراءاته الاستثنائية يوم 25 يونيو/ حزيران 2021، إلا أنها بدأت تضيق به، ويرجّح ألا نذهب معه بعيداً إلى حد التجييش أو التحكّم في العملية الانتخابية على طريقة الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر. وفي هذه الحالة، ربما يجد نفسه مضطرّا للتعويل على عضلاته الخاصة، أي قاعدته الشعبية المتآكلة، فقد وفر له جهاز الجيش، وبدرجة أقل، البوليس الحماية منذ ذلك الوقت، استنادا إلى ما تعتبره هذه الأجهزة سلوكا انضباطيا وتنفيذا لتعليمات “القائد الأعلى للقوات المسلحة”. كما أنه ليس سرّا كون قياداتها كانت ضجرة من المناخات التي أعقبت الثورة، وما طبعها من جدل ومهارشات السياسيين في مناخ مفتوح، كانت ترى في ذلك، وفق تكوينها العسكري وشبه العسكري، وميراث دولة الاستقلال، ضربا من الفوضى وتهديدا للمؤسّسات، وقد تعاظم هذا الشعور أكثر بعد موجة الانقلابات والارتدادات في المنطقة التي أعادت للصدارة مفاهيم الاستقرار والأمن على حساب مقولات الحرية والديمقراطية، وجعلت من تونس تغرّد خارج السرب العام.

والحقيقة أنه ما كان بمقدور قيس سعيّد أن يستمرّ في الجلوس على كرسي الحكم من دون إسناد هذه الأجهزة، وخصوصاً أنه لا يتحدر من بيروقراطية الدولة ولا خلفية عسكرية أو أمنية له، فضلا عن أنه لا يمتلك حزبا منظمّا ولا قوة شعبية وازنة، هذا إذا استثنينا مخزون الغضب الذي فجّره في وجه طبقةٍ سياسيةٍ غلبت عليها الحسابات الأيديولوجية الصغيرة. وعلى الجهة الأخرى، يلاحظ أن القوى الصلبة قد مسكت العصا من الوسط، ونأت بنفسها تدريجيا عن التورّط المباشر في الشأن السياسي، وتركت سعيّد في مواجهة اختبار الصندوق ليزن حجمه الشعبي الحقيقي أو ما يقرب منه. وقد كان يسعها في ظل نظام حكم فردي أن تتدخّل في مجريات العملية، ومن ذلك الترفيع في نسب المشاركة الهزيلة.

يبعث المشهد التونسي رسائل متناقضة ومتضاربة، بما يعكس حالة التداخل بين مؤثرات الثورة وبصمات الثورة المضادّة، فقد فرضت عشرية الثورة تقاليد حرية التعبير وانتقاد الحاكم، وقوّضت، إلى حد كبير، حاجز الخوف، كما باتت الآلية الانتخابية والتنافس بين المرشّحين مصدر شرعية الحاكم، وغابت تلك النسب السحرية لـ99% التي اعتاد عليها التونسي في عهدي بورقيبة وبن علي. ولئن لم يتمكّن سعيّد من نقض هذه الثقافة التي استقرّت بعد الثورة، ولكنه، على الجهة الأخرى، انخرط في إعادة بناء المركزة الشديدة وآليات التحكم السلطوي، من تجميع السلطات بين يديه إلى المحاكمات السياسية وتقييد الإعلام والمجتمع المدني وتطويق الحياة العامة إلى استخدام الإدارة وموارد الدولة. فقد منحت الثورة التونسية قيس سعيّد، الأستاذ المتقاعد والقادم من خارج عالم السياسة أصلا، فرصة دخول قصر قرطاج محمولا على صناديق الاقتراع، ولكنه عمل بعد ذلك على كسر السلم الديمقراطي الذي صعد عبره، وهو مصرّ اليوم على تحويل العملية الانتخابية إلى ما يشبه المبايعة لا غير، وقد صرّح قبل نحو سنة بأنه لن يسلّم الحكم لغير الوطنيين، وهل هناك من يحدّد صفة الوطني من الخائن غيره؟

وفعلا، لو ترك الأمر لقيس سعيّد لما فكّر في الذهاب للانتخابات أصلا، ولاعتبر الشعب قد أعطاه وكالة حصرية وتفويضا مفتوحا إلى غاية استكمال مهمّته الربّانية، ولكن معادلات الداخل والخارج لم تسمح له بذلك، ومن ثم هو مضطرٌّ أن يمشي مثقل الرجلين وعلى أرض ملغومة نحو مصيره الانتخابي.

ما يزيد في تعقيد وضع قيس سعيّد أكثر أنه قد فتح خطوط النار على الجميع، ولم يستبق له حليفا أو صديقا، بما في ذلك القوى التي دعمته في انقلاب 25 يونيو، وفي مقدمّها الاتحاد العام التونسي للشغل ومكوّنات سياسية أخرى، فقد بات الجميع يقفز من سفينة قيس الغارقة اليوم، إما لأنه قد استهدفهم بالاعتقال والتضييق أو لأنه لم يعطهم شيئاً يحفظ وجوههم أمام جمهورهم. بدأ ساكن قرطاج بتوجيه نيرانه الكثيفة نحو الأحزاب والشخصيات السياسية، ثم استدار في ما بعد للقضاة والمحامين والنقابيين ونشطاء المجتمع المدني، وأخيراً وليس آخراً، لرجال الأعمال وبعض الموالين له.

على الصعيد الخارجي ورغم أن الدعم لم يتوقف عنه نهائيا، إلا أنه يظلّ محدودا ومحسوبا، وبمثابة حُقن إنعاش تسمح له بتجنّب الموت، ولكن من دون التعافي الكامل.

الفرنسيون غاضبون منه، لأنه ولئن حقق مبتغاهم في تفكيك المشهد السياسي السابق واستبعاد حركة النهضة، إلا أن استهدافه بعض رجالهم وأذرعهم، ثم انخراطه في بناء مشروعه الشعبوي الخاص به، بدل أن يكون جسراً لإعادة تعزيز نفوذهم المهدّد جنوب الصحراء والمغرب العربي يجعلهم يبتعدون عنه. دعمه الأوروبيون بالحد الأدنى، بتحفيزٍ من رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني وبعض أحزاب اليمين المتطرّف، خشية انهيار الوضع وانفجار الهجرة والإرهاب في وجوههم. الأميركان ضائقون به ذرعا، لأنه فكّك كل شيء ولم يستبق حتى بعض الأطلال الديمقراطية التي تمكّنهم من تسويق دفاعهم عن الديمقراطية في الشرق الأوسط، وبعض دول الخليج قدّمت وما زالت تقدّم مساعداتٍ وقروضا مالية محدودة تجنّبا لعودة كابوس ثورة محمد البوعزيزي مجدّدا، وحتى الجزائر فهي تسايره وفق سياسة الأمر الواقع، وتجنّب ارتمائه بالكامل في محور أبوظبي، ولكن من دون الاطمئنان لتقلباته المزاجية. أما الروس والصينيون الذين ينجذب نحوهم قيس سعيد، لاعتبارات سلطوية، فليس لديهم ما يقدّمونه له سوى مجاملات دبلوماسية وتبادل الزيارات وبعض المشاريع الخدمية المحدودة لا غير.

الواضح حالياً وجود صراع مفتوح بين إرادة التكييف وإرادة التفكيك، فقيس سعيّد يريد انتخابات على المقاس تعيد شرعنة استمراره في السلطة، وتضمن له الفوز لدورة جديدة على طريقة السيسي في مصر، والمعارضة تريد تفكيك القيود عن العملية الانتخابية، أي الذهاب إلى انتخابات تتيح التداول فعليا على السلطة، وتتوفر على شروط النزاهة والحياد ضمن السقف الذي فرضته حقبة ما بعد الثورة، وما بين هذين الحدّين يستمرّ التجاذب والصراع. كما أنه بات من المرجّح ألا تقدّم “النهضة” مرشّحا من داخلها. ومن شأن هذا الحال أن يوسّع هامش المنافسة ويفرض ديناميكية جديدة في المشهد الانتخابي، إذ تظل القاعدة الانتخابية لحركة النهضة المنضوية تحت مظلة جبهة الخلاص الوطني، الأكثر امتدادا وانضباطا بما يجعلها قوة ترجيحية وازنة وأكبر الكتل المؤثرة في المشهد الانتخابي، خصوصاً مع تآكل القاعدة الانتخابية لسعيّد وانقسام الكتلة الدستورية.

بقي الحذر من أن تتحوّل الانتخابات الرئاسية المقبلة في تونس إلى فرض سياسة الأمر الواقع، وتثبيت الوضع القائم بقوة الأجهزة، أو أن تدفع الأمور نحو بدائل أكثر سوءاً على نحو ما تدبر بعض قوى داخلية وخارجية، أي المجيء بشخصية من داخل المنظومة أكثر بؤساً من سعيّد نفسه، وهذا هو مدار المعركة في الأشهر المقبلة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here