إلهام اليمامة
أفريقيا برس – تونس. جبهة مقاومة ثقافية تونس.. رفض لتسطيح القطاع وتكميم أفواه المبدعين ولقرارات الوزيرة
تعمّقت الأزمة بين وزيرة الثقافة في تونس وعدد من المثقّفين الذين أعلنوا مؤخّرا عن تأسيس “جبهة المقاومة الثقافية” في خطوة احتجاجية على ما اعتبروه “تدميرا ممنهجا لقطاع الثقافي” الذي يعاني بطبعه من الكثير من الصعوبات.
وشهدت الساحة الثقافية في تونس في الفترة الماضية شدا وجذا بين وزارة الثقافة، ممثلة في شكل خاص بوزيرتها، ومجموعة من المثقفين شعراء وأدباء وفنانين، شمل وقفات احتجاجية أمام مقر الوزارة في منطقة القصبة. وكان عدد من الشعراء، أقدموا في شهر أفريل الماضي، على ما أسموه حملة ضدّ ”الفساد المالي والإداري بوزارة الثقافة“ تتمثّل في حرق كتبهم تحت شعار ”أحرق كتبي قبل أن أحرق نفسي“، ونشروا صورهم وهم يهمون بإشعال النار في كتبهم.
في المقابل، واجهت وزيرة الثقافة حملة الانتقادات هذه بعقوبات وصلت حد الإيقاف عن العمل والإحالة على مجلس تأديبي وصولا إلى رفع دعاوى قضائية، بالإضافة إلى بيانات غضب وتدوينات استنكار لعمليات إيقاف عن العمل وحتى إيداع بالسجن طال مثقفين على غرار ما حدث مع الأستاذ الجامعي والشاعر سامي الذيبي في قضية أثارت الكثير من الجدل سواء بين مؤيد لحرية الرأي وبين رافض لمنهج التعامل.
وكان الذيبي حوكم في موفى جويلية 2023 بالسجن لثلاثة أشهر إثر شكوى تقدّمت بها وزارة الثقافة، بتهمة الإساءة إلى الغير عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وقامت الدنيا ولم تقعد على مواقع التواصل الاجتماعي منددة بهذا الحكم، وتساءل الكاتب شكري المبخوت: “هل ينقص البلاد وضع شاعر وباحث في السجن؟ كم خسرنا بوضع سامي الذيبي في السجن وماذا ربحنا؟”.
وفي سبتمبر الماضي أصدرت محكمة الاستئناف بتونس قرارا بالإفراج عنه. وقال المنتقدون إن جميع التونسيين سواسية أمام القانون، ومن حق الوزيرة أو الوزارة أن تحتكم للقضاء لكن شرط أن لا يتحول هذا الأخير إلى سلطة في يد الوزارة وعصا تضرب بها كل من تجرّأ على النقد أو الرفض أو سعى لكشف حقيقة.
والأمر لا يتوقف عند قضية سامي الذيبي ليمتد إلى تاريخ من المشادات بين المثقفين ووزارة الثقافة التي يمكن القول إنها من أكثر الوزارات تعرّضا للنقد في تونس، وربما يعود ذلك إلى خصوصيتها كوزارة وما تقدمه وهي المطالبة بخلق ودعم مشاريع ثقافية مؤثرة، وأيضا وخصوصية المنتسبين إليها من فنانين ومثقفين أغلبهم يتوق إلى العمل ضمن فضاء مريح ووضعية تعطي دافعا للإبداع والمساهمة في إرساء قواعد ثقافية وحضارية متطورة ومواكبة للحاضر والمستقبل.
وانطلاقا من هذا الأمل جاءت “جبهة المقاومة الثقافي لتأسيس لفعل ثقافي حُرّ رافض للتسطيح والتهميش والإملاءات”، وفق الكاتب والصحفي المختص في الشأنين الثقافي والفني صابر بن عامر.
من مؤسسي الجبهة الكاتب والروائي لسعد بن حسين، الذي دخل في صراع كاد أن يتحول إلى مسألة شخصية بينه وبين وزيرة الثقافة، على إثر حوار له انتقد فيه سياستها، وقد كان حينها مدير لبيت الرواية، قبل أن تتم إقالته على خلفية تصريحاته.
وفي حديث مع “أفريقيا برس”، قال بن حسن، منسق العام لجبهة المقاومة الثقافية: “هذه الجبهة ليست فقط رد على الإجراءات التعسفية لوزيرة الثقافة مع طردها لبعض الزملاء، هي تسعى أن تكون جبهة تتصدى للرداءة في المهرجانات وفي تسيير الشأن الثقافي وتتصدى للفساد صلب الوزارة الذي بات معلوما وواضحا في التظاهرات والمعارض التي تقع في البلاد”.
يعتبر ملف “الفساد” في وزارة الثقافة التونسية من أخطر الملفات وأكثرها إثارة للجدل، وتكفي جولة على صفحات العديد من الفنانين والمثقفين في مواقع التواصل الاجتماعي، أو زيارة صفحة “جبهة المقاومة الثقافية” للاطلاع على تصريحات كثيرة، ومنها لنواب في مجلس نواب الشعب، تتحدث عن صفقات واستهتار بالمال العام، وغيرها من القضايا التي تتجاوز الوزيرة الحالية، وتمتدّ لعقود ماضية وتحتاج إلى متابعة واهتمام وإرادة ودفع من المعنيين من أهل القطاع.
وهنا يلفت لسعد بن حسين قائلا إن تحقيق ذلك يكون من خلال: “التأسيس لثقافة وطنية في صالح البلاد والناس وتفعيل المجلس الأعلى للثقافة الممثل والمنتخب الذي يمثل جميع الفنانين والطاقات الفنية وأن يكون منتخبا من أهل القطاع ليس كما وقع في عهد النظام السابق”.
وتظهر تسمية جبهة أنها مفتوحة لكل المبدعين والمثقفين والمعنيين بالشأن الثقافي، أما صفة المقاومة فهي تؤكد على بعدها الاحتجاجي ونيتها في خوض معركة حقيقية من أجل تغيير المشهد الثقافي.
وختم لسعد بن حسين موضحا أن “الجبهة لن تكتفي بالبيانات والبلاغات فقط بل سميناها جبهة مقاومة لأنه لدينا تظاهرات نضالية سنقوم بها بما فيها اعتصام وإضراب جوع لناس التي وقع طردها من قبل الوزيرة ولدينا عريضة مساندة دولية بإمضاء مثقفين من العالم أجمع سنكشف ملامحها شيئا فشيئا ونأمل أن يكون القادم أفضل”.
وجاء في البيان التأسيسي لـ”جبهة المقاومة الثقافية” تونس:
“انتصارا للشابي وجماعة تحت السور
انتصارا لمختار اللغماني وبلقاسم اليعقوبي وأولاد أحمد وعبد الحفيظ المختومي وكمال الزغباني …
انتصارا لحمادي العجيمي والزين الصافي وعبد الوهاب الجملي ونجيب خلف الله والحبيب شبيل وريم الحمروني ورجاء بن عمار …
انتصارا للفن والفنانين ببلادنا…. انتصارا للثقافة الوطنية المتصلة بهموم شعبنا وطموحاته ..
انتصارا للجمال ولمستقبل أفضل لأجيالنا القادمة …
رفضا للثقافة الاستهلاكية التسطيحية، ثقافة تروج لها بعض المهرجانات والمؤسسات والجمعيات وحتى بعض هياكل الدولة …
رفضا لتكميم أفواه المبدعين والتنكيل بهم وسجنهم …
رفضا لوزيرة ثقافة حولت الوزارة والقطاع الثقافي إلى مجزرة تتاجر برقاب الكتاب والفنانين والعاملين بالوزارة …
نعلن تأسيس: “جبهة المقاومة الثقافية”
ولأنها جبهة فهي مفتوحة أمام كل المثقفين والمبدعين والمواطنين، جبهة تجمع كل مريدي الجمال والحداثة فكرا وفنا …
ولأنها مقاومة، فإنها تناهض مسارا ثقافيا تتحكم فيه البيروقراطية والمتعيشون من الفعل الثقافي، وتسعى لترسيخ ثقافة وطنية بديلة تخرج بالإنتاج الثقافي من الضحالة والرداءة والتفاهة ..
ولأنها ثقافية فإنها ستخوض في كل المجالات الابداعية والفنية، لكنها لن تسقط في السجالات السياسية الضيق ، وهذا لا يمنع خوضها في الشأن العام ومشاركتها في نضالات شعبنا من أجل الحرية والكرامة وغد أفضل…”.
والمنتظر أن تعقد الجبهة مؤتمرها التأسيس في جانفي 2024، ويتوقّع أن تشهد انضمام مسرحيين وسينمائيين وفنانين تشكيليين وموسيقيين وكتاب وشعراء.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس





