زيارة إلى تونس تُخرج حكومة طرابلس من عزلة إقليمية، لكن مقابل ماذا؟

11
زيارة إلى تونس تُخرج حكومة طرابلس من عزلة إقليمية، لكن مقابل ماذا؟
زيارة إلى تونس تُخرج حكومة طرابلس من عزلة إقليمية، لكن مقابل ماذا؟

أفريقيا برس – تونس. أخرجت الزيارة التي قام بها وفد من حكومة الوحدة الوطنية الليبية المنتهية ولايتها برئاسة عبدالحميد الدبيبة إلى تونس، ولقاؤه برئيسة الحكومة التونسية نجلاء بودن، الحكومة التي تشهد ضغوطا داخلية وخارجية (تستهدف إزاحتها من السلطة) من العزلة التي تعيشها منذ نحو سنة. وتكمن أهمية هذه الزيارة بالنسبة إلى الدبيبة في كونها تأتي تزامنا مع تحركات إقليمية هذه الأيام، تقودها مصر، لاستبدالها بحكومة جديدة تشرف على المسار الانتخابي المعطل. والتزمت تونس، مثل أغلب الدول، طيلة الفترة الماضية بموقف محايد من الانقسام السياسي الذي تشهده البلاد منذ تعيين البرلمان فتحي باشاغا رئيسا لحكومة موازية تعمل من سرت.

ويتساءل مراقبون ماذا يمكن للدبيبة، المقيد بضغوط من البرلمان وأطراف دولية (في مقدمتها الولايات المتحدة) تلزمه بأن يكتفي بمهمة تسيير الأعمال، أن يقدم لتونس حتى وإن جاء مصطَحبا بوفد من الوزراء ومحافظ المصرف المركزي الصديق الكبير؟. ويقول هؤلاء المراقبون إن الدبيبة لن يكون بإمكانه تقديم أكثر مما قدمه خلال الأيام الماضية، حيث أرسلت ليبيا شحنة من النفط إلى تونس التي تعيش وضعا اقتصاديا صعبا.

وبدورها خفّضت أوساط سياسية تونسية سقف التفاؤل الذي يبديه البعض تجاه هذه الزيارة، مشيرة إلى أن الدبيبة لا يتحرك ضمن رؤية ليبية خالصة، وأن زيارته إلى تونس تأتي ضمن مقاربة جزائرية – تركية للوضع في تونس، وهو ما قد يجعل أي دعم يمكن أن يصدر عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية مشروطا بمواقف تونسية خاصة تجاه تركيا التي فتحت قنوات التهدئة مع دول المنطقة عدا تونس بسبب رفض الرئيس سعيد القاطع دخول لعبة المحاور.

وقالت هذه الأوساط إن الرئيس سعيد يريد دعما اقتصاديا وماليا من جيرانه دون حسابات أو مساع لجر تونس إلى مربعات إقليمية، لافتة إلى أن التلكؤ الجزائري في تقديم الدعم لتونس هدفه جر قيس سعيد إلى القبول باللعبة الإقليمية التي مازال يرفض دخولها إلى حد الآن، خاصة أن تونس لم تتلق الدعم الذي كانت تأمل الحصول عليه بعد إجراءات 25 يوليو 2021.

وترى الأوساط ذاتها أن ما يهم تونس الآن هو الحصول على الدعم السريع من جيرانها، خاصة من ليبيا، مشيرة إلى أن تونس ظلت على مدى سنوات بوابة ليبيا نحو العالم، سواء في عهد العقيد الراحل معمر القذافي أو بعد ثورة فبراير، حيث وجد الليبيون في تونس ملاذا لهم في خضم الفوضى الأمنية والسياسية التي عاشتها بلادهم. والآن هي تطالب برد الجميل، خاصة أن وضع تونس سينعكس سلبا أو إيجابا على الوضع في ليبيا.

والتقى الدبيبة مساء الاربعاء بالرئيس قيس سعيد، الذي حث على “ضرورة تسريع وتيرة التعاون لتسيير إجراءات المواطنين بين البلدين”، ومن دون الإعلان عن اتفاقيات واضحة.

وعقب لقائها الدبيبة قالت رئيسة الحكومة التونسية نجلاء بودن إن “اللقاء مثل مناسبة متجددة من أجل المزيد من تعزيز علاقات التضامن والتعاون بين تونس وليبيا”، مؤكدة على “الدور المحوري للقطاع الخاصّ في البلدين للمزيد من تنشيط العلاقات الثنائية واستثمار الإمكانيات الهامة لبناء الشراكات وجلب الاستثمارات وبعث الشركات، على المستوى الثنائيّ وكذلك تجاه السوق الأفريقية الواعدة”.

ودعا الدبيبة من جانبه إلى “العمل على تشكيل فرق عمل مشتركة تضم خبراء من البلدين في كل القطاعات لتحديد الأهداف السياسية والأمنية والاقتصادية المشترَكة”.

وحث على “وضع الآليات اللازمة خاصة ما يتعلق بأولويات التعاون بين ليبيا وتونس وعلى رأسها التنسيق الأمني وتبادل المعلومات ومحاربة التنظيمات الإرهابية وعصابات الإجرام المنظم”.

ويقول مراقبون تونسيون إن صياغة البيانات وتصريحات المسؤولين لا تعني حدوث اتفاق على خطوات عملية، وإن التونسيين سيحتاجون إلى الوقت لاختبار الوعود الليبية خاصة من مسؤول صدرت عنه تصريحات مثيرة للقلق.

وحافظت تونس منذ 25 يوليو 2021 على الحياد في الملف الليبي، وذلك في ظل الصراع على الشرعية بين الشرق والغرب في مرحلة أولى ثم بين الدبيبة ورئيس حكومة البرلمان فتحي باشاغا في مرحلة ثانية. وقوبل هذا الحياد بردة فعل غاضبة خاصة من الدبيبة الذي صدرت عنه في السابق تصريحات مسيئة لتونس قبل أن يتراجع عنها في تصريحات لاحقة.

وفي أكتوبر من العام الماضي وصف الدبيبة تهريب الليبيين لأموالهم عبر تونس بـ”الغباء”، قائلا إن “تونس من بين الدول التي تحيّلت على الليبيين”، وإن “بلجيكا ومالطا وكذلك دولة جارة وهي تونس، تحيّلت على الليبيين”.

وفي تصريحات خلال أغسطس 2021 اتهم الدبيبة تونس بالإرهاب. وقال “لن نقبل باتهامنا بالإرهاب، أنتم من جلب لنا (في إشارة إلى التونسيين) الإرهابيين وحاسبوا أنفسكم قبل الاتهام، نحن شعب حر ولا يمكن أن نقبل اتهامنا بالإرهاب وأنتم حاسبوا أنفسكم يا من تتهموننا بالإرهاب”. وأعربت تونس عن استغرابها من تصريحات الدبيبة حول “تصدير الإرهاب إلى بلاده انطلاقا من تونس”.

وذكّر الجرندي وفق بيان لوزارة الخارجية بأن أمن واستقرار ليبيا من أمن واستقرار تونس، وأن “بلادنا مستهدفة بدورها بالإرهاب ولا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال قاعدة لتصديره أو مصدرا لتسلل الجماعات الإرهابية إلى ليبيا”.

ولم تترتب على زيارة رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية السابقة إلى تونس أي نتائج ذات قيمة عدا التصريحات العامة التي تتحدث عن التقارب بين البلدين والشعبين، ما يجعل مراقبين تونسيين يرون في زيارة الدبيبة الحالية حلقة أخرى من حلقات الوعود التي لا تتحقق. وجرى جدل خلال الفترة الماضية حول جدوى الزيارة الحالية للدبيبة وخلفياتها، ومدى استفادة تونس منها.

ورغم الحذر من الدبيبة كشخص بعد تصريحاته السابقة التي تستهدف تونس، حث مراقبون تونسيون حكومة بودن على توطيد علاقتها مع نظيرتها الليبية والبحث عن شراكات طويلة المدى، خاصة أن ليبيا بدأت تستقرّ أمنيّا وأصبحت ساحة للتنافس الاقتصادي الإقليمي، ومن واجب تونس أن تتحرك كي تضمن لشركاتها ولليد العاملة التونسية حضورا قويّا هناك، فضلا عن المشاريع الحكومية المشتركة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here