إلهام اليمامة
أفريقيا برس – تونس. تختضن المكتبة السينمائية بمدينة الثقافة من يوم 17 إلى 31 جانفي 2024، فعالية ثقافية حول “ثورة 14 يناير 2011″، بعيون الوثائقيين 2024، في لقاء يكاد يكون الوحيد الذي استحضر هذا الحدث التاريخي الفاصل الذي أحيى التونسيون عامه الثالث عشر هذه السنة.
على غير العادة، مرّت ذكرى ثورة 14 جانفي في تونس بصمت لا يعكس هدوء وراحة بقدر ما يعكس امتعاضا مجتمعيا شاملا لكل ما تلا هذا التاريخ من أحداث. بين ما عرضته الأفلام الوثائقية التي عرضت في إطار فاعلية “تونس 2011: الطفرة الوثائقية” في مدينة الثقافة وبين ما رصدناه في الشارع التونسي كان واضح التغيير الحاصل في البلاد وفي حياة التونسيين وتصرفاتهم ومواقفهم.
بين صباح 14 جانفي 2011 و14 جانفي 2023 تغير التونسيون كثيرا. لم تترافق ذكرى الثورة هذه السنة بأي مظاهرات او احتجاجات تذكر خلا شارع الحبيب بورقيبة من مظاهراته المعتادة في مثل هذه المناسبة، ولم تسجل إلا بعض التجمّعات الصغيرة، هنا وهناك.
صحيح أن التاريخ الرسمي لإحياء ذكرى الثورة تغير من 14 جانفي إلى 18 ديسمبر (تاريخ اول احتجاجات شهدتها البلاد بعد حرق محمد البوعزيزي لنفسه). لكن حتى في ذلك اليوم لم يكن هناك أي تفاعل يذكر. هذه السنة كانت هناك طوابير واسئلة “حارقة” لكن لم تكن بخصوص الثورة والسياسة وما حدث وما يحدث بل كانت أسئلة عن توفر الحليب والطحين والخبز والزيت والقهوة.
التهى التونسيون بالحديث عن الثورة وانجازاتها واخفاقاتها بالبحث عن المواد الغذائية الأساسية؛ فيما غاب صوت المعارضة السياسية وسط زحام القضايا المرفوعة ضدّ عدد من قيادييها، والذين يقبع بعضهم في السجن، فيما اكتفى البعض الآخر بتنديدات باهتة بالمنظومة السياسة الحاكمة بعد 25 جويلية دون أن يكون لها الحجة القوية التي يمكن أن تجابه بها الشارع الذي ملّ كل الأطراف وأدار وجهه عن السياسة بكل أطرافها ومنظوماتها وانصرف بحثا عن قوته اليومي.
يوم 14 جانفي 2024، وقبلها يوم 18 ديسمبر 2023 خلت درجات المسرح البلدي من المحتجين، إلا من بعض الجالسين الذين كانوا إما ينتظرون أشخاصا حددوا باب المسرح البلدي مكانا للالتقاء أو بعضا ممن ينشدون إراحة اقدامهم بعد مشي، لكن لا أحد كانت تظهر عليه علامات التظاهر والاحتجاج، سألت شابا كان جالسا وينظر إلى ساعته، “أما من مظاهرات اليوم”، فرد مبتسما “يا حسرة، من لديه رغبة اليوم في التظاهر والاحتجاج، وعلى ماذا سيحتج، على الحليب المقطوع أو على الخبز، أم على غلاء المعيشة، أم على فلسطين، أم على تونس…”.
ابتسم الشاب أحمد، وهو في بداية العقد الثالث من عمره، ابتسامة عكست حزنا دفينا وخيبة أمل كبرى، “هم قالوا عملنا ثورة (قمنا بثورة)، الثورة تكلفت غاليا. كنت ممن طالب بالشغل والكرامة، وما زلت أطالب وأطالب بالشغل والكرامة، إضافة إلى القهوة والسكر والزيت…”.
لم يكن السيد عبدالحميد بذات الاحباط حين قطع علينا حديثنا ودلف يدلي برأيه دون أي استاذان، “الثورة تحب الصبر، اصبروا قليلا، ثم هم (غالبا ما يتحدث التونسيون بضمير الغائب عن أطراف لا يعرفونهم تحديدا لكن يعتقدون أنهم وراء أي فشل أو أزمة تحدث في البلاد) هم لا يرغبون في أن تتقدم تونس”، سألته: “من تقصد بـهم”، فقال كلاما كبيرا في معناه لكن دون أن يفهمه بشكل دقيق: “هم أصحاب رؤوس الأموال والفاسدون وأصحاب المليارات، يريدون أن تبقى البلاد في أزمة حتى تبقى قوّتهم، هم يحاربون في الرئيس وفي الشعب، هم السبب في أزمة الحليب والخبز والقهوة….. يحتكرون في هذه المواد ويخبئونها في المخازن لأنهم يعرفون أهميتها عند التونسي”.
مضى السيد عبدالحميد في حال سبيله بعد أن حمّل “هؤولا الـهم” مسؤولية ما تعيشه البلاد من أزمة اقتصادية ونقص في المواد الأساسية بينما انصرفنا لنبحث عن تفسير منطقي لما يعيشه الشارع التونسي في الذكرى الثالثة عشر لثورة قلبت البلاد والمنطقة وكتبت تاريخا جديدا.
توجهنا بالتساؤل إلى الباحث في علم الاجتماع الدكتور الطيب الطويلي، الذي قال: “لم يكن احتفال الجماهير بالثورة التونسية في شارع الحبيب بورقيبة لهذه السنة كبيرا ومنظما كما كان عليه في السنوات السابقة، بل كان باهتا، ويرجع ذلك إلى عزوف التونسي التدريجي عبر السنوات عن الشأن العام والشأن السياسي، حيث تناقص عدد المقترعين من عام إلى آخر حتى كانت نسبة التصويت في انتخابات المجالس المحلية 11.6 بالمائة وهي نسبة شديدة الانخفاض”.
تساؤلات عن الماضي والحاضر والمستقبل
يلتقي حديث الطيب الطويلي مع مضمون الفيلم الوثائقي “كلمة حمراء”، للمخرج إلياس بكار، وعرض يوم 23 جانفي. يوثق هذا الفيلم بشكل دقيق حالة الانتقال وهو ينقل لقطات من مدن ومناطق مختلفة في تونس تعكس وجهات نظر مختلفة وتطرح تساؤلات عن الماضي والحاضر والمستقبل.
أيضا يبدو البون شاسع بين التونسيين الذين صورّهم مراد بالشيخ في فيلمه “لا خوف بعد اليوم”، في سنة، 2011، والتونسيون اليوم ويفسر الطيب الطويلي ذلك بقوله: “لقد مرّ التونسي بحالات وتجارب سياسية مختلفة منذ بداية الثورة، وجرّب التعددية الحزبية التي فاقت المائتي حزب، كما عاش عديد الانتخابات بمناخاتها المختلفة وعاش لعبة الكواليس والحشد السياسي والتعبئة الانتخابية وزبونية الممارسة الانتخابية ومدى نزاهتها من عدمها. ولكنه اكتشف أن النتائج الاقتصادية والاجتماعية لم تكن في مستوى تطلعاته باعتبار إثقال البلاد بالديون الخارجية وعدم إحداث أي ثراء اقتصادي، وأصبح المتخيّل لدى التونسي أن السياسي يهدف فقط من خلال تقدمه إلى السياسة إلى كسب مكاسب خاصة وضيقة، وذلك لما رآه التونسي في السابق من اعتلاء السياسيين لمناصب وزارية ولدخول الموالين لعديد الأحزاب في وظائف في مختلف المؤسسات الحكومية، ولم تسلم حتّى بعض المراكز البحثيّة من إثقالها بجماعة من الموالين الذين فتحوا لهم الخطط”.
ويضيف الطويلي: “إن الإرهاق الذي أصاب المواطن التونسي خلال عقد ونصف من الحياة السياسية الثرية ومتعددة التعبيرات والأشكال جعلته يزهد منها، ويهتمّ بقضاياه الحياتية اليومية من قوت ونقل وتعليم، كما أنه يهتمّ بشكل يومي بقضية فلسطين التي يعيش التونسي معها ويعتبرها قضية من قضاياه”.
وثّق الأفلام الوثائقية التي تم عرضها، والتي سيتوالى عرضها إلى نهاية شهر جانفي بالمكتبة السينمائية التونسية بمدينة الثقافة، تاريخ الثالثة عشر سنة الماضية، وذهب بعضها إلى أبعد من ذلك، مستحضرا ذكريات المناضلين والمساجين في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، مستعلا الطفرة في حرية التعبير التي سادت بعد 2011.
هذه الأفلام مخرجون شباب ومخضرمين، ومنها: ”لا خوف بعد اليوم” لمراد بالشيخ، ”خط منكسر” لمنير بعزيز، ”الذاكرة السوداء.. شهادات ضدّ النسيان” لهشام بن عمار، ”فلاقة 2011” لرفيق عمراني، ”نحن هنا” لعبدالله يحيى، ”سكة عدد 13” لسامي نصري، ”يلعن بوالفسفاط” لسامي التليلي، ”جمل البروطة (القرط)” لحمزة العوني، و”كلمة حمراء” لإلياس بكار، وهي تختزن ذاكرة التونسيين بعد 2011 والتغيير الحاصل في شخصية التونسي وتأثيرات المتغيرات السياسية عليه.
ويخلص الطيب الطويلي في هذا السياق إلى أن “التونسي توصّل في الأخير إلى انتخاب رئيس بنسبة تصويت عالية، ويمثل بالنسبة إليه رافعا لشعاراته الكبرى مثل محاربة الفساد والقطع مع الاقتراض الخارجي والوقوف غير المشروط مع الحق الفلسطيني وغيرها، فمنحه توكيلا ضمنيا للقيام بمختلف المشاريع السياسية، وانسحب بذلك المواطن العادي من الأدوار التي كان يقوم بها إثر الثورة في المشهد السياسي، فلقد أرهقت السنوات التي تلت الثورة التونسي الذي كان يضع سقفا مرتفعا من الطموحات والانتظارات ساهمت في رفعها الخطابات التعبوية الانتخابية”.
من جانبه، يعتبر المحلل السياسي باسل ترجمان، أن “الفتور الذي ميز الشارع التونسي وكل مكونات المشهد في ذكرى احتفال ما كان يسمى بذكرى 14 يناير ليس بالأمر الجديد ولكنه يعود إلى ما قبل إقرار يوم 17 ديسمبر ذكرى لعيد الثورة وهذا أمر لم يفاجئ أحد لأن الجميع يعلم أن هنالك وعي شعبي كبير بأن القوة السياسية التي استغلت سقوط نظام بن علي من أجل الهيمنة على السلطة وافتكاكها ومن أجل تحقيق مكاسبها على حساب مصالح الشعب التونسي وكل ما جرى في العشرية الماضية جعل من رمزية هذا الاحتفال لا قيمة لها وبالتالي تجاهلها الشعب التونسي وعجزت القوى السياسية التي كانت تتحدث قبل أيام قليلة أنها ستحشد الآلاف للاحتفال عن جمع 250 شخص من أنصارها رغم غياب أي مضايقات أمنية أو محاولات لمنع التظاهر وبذلك كان الفشل هو العنوان الأساسي لهذه القوى في هذه الذكرى”.
ويضيف ترجمان: “للأسف هذه القوى التي تلقت رسالة واضحة من الشعب ما زلت عاجزة عن فهم هاته القطيعة بين بينها وبين الشارع لأنها ما زلت تريد العودة إلى نفس ممارساتها السابقة بنفس الابتزاز السياسي للشعب الذي مورس بعد الثورة ومع تقدم السنوات فقدت هذه الذكرى معناها ولم تعد لها هدف لأن من كان عليهم أن يكونوا أوفياء للتضحيات التي قدمها الشعب التونسي انقلبوا عليها وأتوقع حتى في السنوات القادمة ستمر هذه الذكرى دون أن ينتبه إليها أحد”.
قد يكون التونسيون انشغلوا هذه السنة عن احياء ذكرى الثورة بمسائل أخرى صارت أكثر أهمية وتبيّن أن الخروج في مظاهرات والاحتجاجات لن تحلّها بقدر ما ستتسبب في مشاكل أمنية وفوضى قد يستغلها البعض لتحقيق مآرب بعيدة كل البعد عن ما يطلبه الشارع التونسي، لكن ما هو مؤكّد شرارة الثورة ما زلت متقدة ويكفي وتلك الأصوات التي دوّت في قاعة العرض في المكتبة السينمائية مذكّرة بما حدث منذ 13 عاما يمكنها في لحظة ما أن تعود إلى الشارع وتعلو من جديد وتعيد كتابة التاريخ.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس





