قيس والغنّوشي 2021.. التسوية المستحيلة!

3
قيس والغنّوشي 2021.. التسوية المستحيلة!
قيس والغنّوشي 2021.. التسوية المستحيلة!

افريقيا برستونس. نصرالدين السويلمي رغم الضجيج المرتفع لبعض الأحزاب ومراكز القوى الثقافيّة الإعلاميّة النقابيّة، إلّا أنّ تصريف المشهد في تونس يبقى لقطبين اثنين، قيس سعيّد بصفته رئيسا للجمهوريّة وراشد الغنّوشي بصفته رئيسا للبرلمان وقبل ذلك رئيسا للحزب الحاكم صاحب الكلمة الأولى تحت القبّة السياديّة.

من هنا وجب البحث في العلاقة المستقبليّة بين الرجلين، وهل نحن بصدد 2021 سلسلة مرنة يمرّ فيها التيّار بين هذا وذاك؟ أم ترانا بصدد موسم سياسي متوتّر بل لعلّنا سنكون بصدد غياب أحد القطبين عن المشهد لصالح الآخر، أكان ذلك الغياب الدستوري أم غيره من الغيابات والتغيّبات التي تمّ اقتراحها مثل العسكرة أو تسمين القوّات الحاملة للسلاح لتبتلع الأجهزة الأمنيّة وربّما الديوانة وحتى مختلف الأطراف الحاملة للسلاح من نادي الصيّادين إلى شركات الحراسة الخاصّة.

لكن قبل ذلك هلا عرفنا لماذا ينصّب قيس سعيّد راشد الغنّوشي على رأس أجندة خصومه؟! للجواب عن هكذا سؤال، يجب أن نعود إلى الهدف الذي ينشده سعيّد وأهمّ العراقيل التي تواجهه، ذاك هو المفتاح الذي سيقودنا إلى دوافع حساسيّة قيس المفرطة من الغنّوشي. وهي حساسيّة وجيهة موضوعيّة فطنة إذا تعلّق الأمر بمصلحة مشروع الرئيس وطموحه. ورغم أنّ قيس ليس من القوى المناكفة للهويّة بل لعلّه أقرب ما يكون من الغنّوشي في احترام الثوابت، ولا يشبه في شيء الطبقة الفرنكفونيّة التونسيّة التي تعتنق إلى حدّ التخمة الثقافة الفرنسيّة في لعابها ومخاطها وتجنح إلى ثمرتها الخبيثة دون تلك الطيبة على قلّتها، رغم ذلك يصرّ سعيّد على تثبيت الغنّوشي كهدف شهي لنيرانه، فلماذا؟.

لأنّ سعيّد يحسن يزن الأجسام التي تعطّل مروره إلى فكرة اللجان، ويدرك أنّ بقيّة المكوّن من اليسار إلى القوميّين إلى القوى المتجوّلة على الموائد إلى الجمعيّات والنقابات.. يدرك أنّ بعضهم شكّل له حزاما يساعده في تجربته والبعض الآخر لا يمكن أن يقف بتلك الصرامة في وجه مشروع اللجان، كما يدرك أنّ الغنّوشي يعتبر أحد أكثر السياسيّين مرونة في تونس ولديه قدرة كبيرة على تقديم التنازلات وتمكين خصومه من شهواتهم السياسية على حساب الكثير من المضامين، لكن شرط زعيم النّهضة الوحيد الذي يقدم من أجله سلسلة من التنازلات أن يبقى قطار الانتقال على السكّة، لا يهمّ من يقوده ومن يتقدّم ويتأخّر المهمّ أن لا ينحرف القطار عن مساره ، لذلك نجح في جلّ شراكاته وتنازلاته، ولعلّ أبرزها مع السبسي حين أدرك أنّ الرجل المخضرم يبحث عن مجد واسم ونهاية برّاقة وأنّه على استعداد لتحقيق كلّ ذلك من داخل تجربة الانتقال، لكن الغنّوشي يدرك أنّ الأمر اختلف مع قيس وأنّ الرئيس بصدد حلم يهدّد بقاء القطار على السكّة، يدرك الغنّوشي أنّه أمام رجل مندفع تجاه فكرة نظريّة ضيّقة يصادق من أجلها قوى الثورة المضادّة ويعادي من أجلها قوى الثورة، ويطوف بها على الثكنات يستدرج العسكر ثمّ يعود فيدرج قوى الأمن تحت لحاف القوّات الحاملة للسلاح ليشرع في استدراجها، يدرك الغنوشي أن سعيّدانتقل من مرحلة استعمال أنصاره لبناء منظومةلجانيّة إلى مرحلة استعمال الوزراء والمؤسّسات السياديّة الحسّاسة لزرع نطفة قذافيّة مشوّهة في رحم تجربة العرب الصامدة المستعصية على الضبع وخيوطه المحليّة التي تتدلى من ذيل أطماره، تجرّ القاذورات تمتصّها ارتشافا تماما كالإسفنجة في الحانات.

إذًا يعلم الغنّوشي أنّه ليس بصدد شخصيّة سياسيّة تكفيها بعض التنازلات وتشبع إذا تمكّنت من الواجهة ويرتوي نهمها إذا استأثرت بالمزيد من الصلاحيّات، يدرك أنّه بصدد شخصيّة ترغب في نسف كلّ ما سبق من بناء وتسفيه كلّ من أسهم في ذاك البناء ومن ثمّ الشروع في تنزيل فكرة هلاميّة تمّ تنتيفها من مجموعة أفكار فاشلة وأخرى آفلة، يدرك أنّه أمام شخصيّة فرعونيّة بطلاء دستوري وطبقة أخلاقيّة رهيفة وشفافة وسريعة الانقشاع. فيما يدرك سعيّد أنّ الرجل الغنّوشي الذي رافق التجربة طوال 10 سنوات يمكن أن يقدّم الكثير من التنازلات ويمنح ويستميل ويرضى ويراضي.. لكن ليس على حساب القطار والسكّة وليس أبدا على حساب نسف نضال وعذابات الأجيال واختزالها في روبوت نرجسي، ثمّ ليس على حساب عشر سنوات من الصراع المرّ مع ثورة مضادة إقليميّة دفعت دم نفطها لتجتثّ نبتة الربيع العربي من منشئها فكان أن جوبهت بوابل من الصمود أسقط مساعيها الإجراميّة، فانكفأت حائرة! أتندب خيبتها أم تشقّ الجيوب كمدا عن مصير الأشقر الخبيث سليل بني كاوبوي.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here