لماذا نأى الأفارقة عن انقلابات عرب أفريقيا؟

6
لماذا نأى الأفارقة عن انقلابات عرب أفريقيا؟
لماذا نأى الأفارقة عن انقلابات عرب أفريقيا؟

مالك ونوس

أفريقيا برس – تونس. كان لافتاً موقف المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) من انقلاب جنرالات النيجر، وقرارها التدخّل العسكري لإعادة الرئيس المعزول، محمد بازوم، إلى السطلة، بهدف “استعادة النظام الدستوري”. وتأتي هذه الخطوة لتساند قرارات الاتحاد الأفريقي تعليق عضوية الدول التي تشهد انقلاباتٍ وتفرض عليها عقوبات، من أجل الحدّ من هذه الظاهرة المرضية التي كادت أن تصبح سمة أساسية من سمات قارّة أفريقيا. لكن السؤال الذي يمكن أن يطرحه المتابع خلال مراقبته رد فعل أفريقيا هذا: لماذا لم تتعامل بقية المؤسّسات الأفريقية، خصوصاً الاتحاد الأفريقي بالمثل مع الدول العربية الواقعة في أفريقيا، مصر والسودان وتونس، والتي شهدت انقلاباتٍ عسكرية، ومدنية لها مفعول الانقلاب العسكري ذاته الذي يؤدّي عادة إلى حصر السلطات بيد الحاكم الفرد وحده، وأنشأت قوّة جامعة على شاكلة “القوة الاحتياطية” التي أنشأتها “إيكواس”؟

يبدو أن المؤسّسات الاتحادية الأفريقية وجدت أن إجراءات تعليق عضوية كل دولة تشهد انقلاباً عسكرياً غير كافية لوقف سلسلة الانقلابات التي باتت تؤرّق قادة الاتحاد وزعماء دوله، وتصبح رادعاً لقادة عسكريين يطمحون إلى الحكم الديكتاتوري، وكذلك غير كافية لاستعادة النظام الدستوري في الدول المنكوبة بآفة الانقلابات. لذلك سارع قادة جيوش دول مجموعة إيكواس إلى الاجتماع في غانا، قبل أيام، بهدف البحث في تفعيل عمل “القوة الاحتياطية” الخاصة بالتدخّل خلال الأزمات، والتي أسّستها المجموعة التي تضم 15 دولة، للتدخّل من أجل استعادة النظام الدستوري في النيجر، كونها عضواً في المجموعة. ويزيد من رمزية انقلاب النيجر الذي وقع في 26 الشهر الماضي (يوليو/ تموز) أنه عزل الرئيس المنتخب، محمد بازوم، وهو الرئيس الأول الذي يصل إلى الحكم في هذه الدولة بانتخابات ديمقراطية. وفي نهاية الاجتماع الذي امتد يومين، أُعلِن أنه تم اتخاذ القرار بشأن التدخل، وجرى تحديد موعده.

ويهدف زعماء دول مجموعة إيكواس من تحرّكهم هذا إلى تحقيق عدة أهداف في وقتٍ واحد، أهمها تأكيد أن أي انقلاب سيحصل في إحدى دول القارّة سيترتب عليه ردّ، لا يتوقف عند تجميد عضوية الدولة في الاتحاد الأفريقي، وفرض عقوبات تجارية ومالية عليها فحسب، بل سيستوجب تدخّلاً عسكرياً يعيد النظام إليها، وذلك لمنع الفوضى من الانتشار في القارّة. وتعاني النيجر، التي تعد من أفقر الدول الأفريقية وأقلها تحقيقاً لمشاريع التنمية، من أعمال عنفٍ يمكن لها أن تتسع وتنفجر، فتؤدّي بالبلاد إلى الوقوع في أتون حربٍ أهلية، إذا ما استمر الحكم العسكري، وهو الذي كان من الأسباب التي أدّت إلى ظهور أعمال العنف في هذه البلاد.

لا يعني الكلام هنا عن نأي هذه المؤسسات الاتحادية الأفريقية عن انقلابات عرب أفريقيا تشجيعاً على التدخل الخارجي في شؤون الدول، ولا لتدخّل الدول الأفريقية عسكرياً ضد الدول العربية المذكورة، بل التساؤل بشأن عدم جعلهم عصا التهديد بالتدخل العسكري لاستعادة النظام الدستوري مرفوعة بعد الانقلابات التي شهدتها هذه الدول، علّها تكون دافعاً لحكامها من أجل إجبارهم على العودة إلى الحياة الدستورية. وفي مصر، كان للاتحاد الأفريقي تجربة فاشلة مع انقلاب الجيش، سنة 2013، على الرئيس المصري الأول المنتخب ديمقراطياً، الراحل محمد مرسي، حين جمَّد الاتحاد عضوية مصر فيه، لكنه أعاد تفعيلها عبر عمليةٍ شهدت فساداً، كان ثمنها منح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، موافقته لإثيوبيا لبناء سدّ النهضة الذي يهدّد أمن مصر المائي، مقابل إلغاء قرار التجميد، وبالتالي، تكريس السيسي رئيساً شرعياً.

وينطبق هذا الأمر أيضاً على السودان، إذ نأى الاتحاد الأفريقي بنفسه عن انقلابات الفريق عبد الفتاح البرهان العديدة، وعلى مجازره ومجازر قوات الدعم السريع، والتي كانت مجزرة القيادة العامة، في 3 يونيو/ حزيران 2019، بحقّ الثوار المعتصمين، والمطالبين بتسليم السلطة للمدنيين، أكثر ألماً ودلالة على دموية المجلس العسكري الذي يترأسه البرهان. ولم يتوقّف الأمر هنا، إذ عاد البرهان، بمساعدة الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى تنفيذ انقلاب جديد على المكوّن المدني، في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، مانعاً نقل السلطة للمدنيين، وناقضاً بنود الوثيقة الدستورية التي تنصّ على هذا الإجراء. وإذ لم تَكْفِه هذه الإجراءات، قاد البرهان، ومساعده حميدتي، حرباً دموية بينهما، قبل أيام من توقيع الاتفاق النهائي الذي ينصّ على نقل السلطة إلى المدنيين وعودة العسكر إلى ثكناتهم. ويدعو إلى العجب أن هذه الانقلابات، وما نجم عنها من حوادث دموية وفظائع وإمكانات من تعاظم الكارثة لتطاول دول الجوار، لم تستوجب من الاتحاد الأفريقي الوقوف عندها واستنباط إجراءات خاصة، على شاكلة مبادرة “إيكواس”، لمنع توسيع دائرة الحرب ووقفها. بل رأينا كيف كانت الوفود التي تزور السودان، ومنها الوفود الأفريقية، تعمل على تكريس البرهان زعيماً على البلاد، كائناً ما كانت الألقاب التي كان يسبغها على نفسه.

أما بالنسبة لتونس، فهل، يا تُرى، عجز الاتحاد الأفريقي عن النظر في تدابير الرئيس التونسي، قيس سعيِّد، الاستثنائية، ولم يتمكّن من تصنيفها انقلاباً بسبب قصور الرؤية لديه، وهي التدابير التي مكّنته من حصر جميع السلطات بيده؟ أليس حلّ البرلمان وتغيير الحكومة وتجميد العمل بالدستور انقلاباً موصوفاً؟ أم أن الاتحاد الأفريقي لا يصنّف خطوات مثل هذه انقلاباً إلا إذا ارتدى سعيِّد بزّة عسكرية وتمنطق بمسدسه الحربي؟ وإذا لم تكن تدابير سعيِّد الاستثنائية كافية لكي تقنع الاتحاد الأفريقي ودوله بأنه انقلب على الدستور، فقد قدّم لهم مبرّراً إضافياً يساعدهم على فهم خطوته وتصنيفها، عندما عدّل الدستور على مقاسه ليعينه في تنصيب نفسه حاكماً فرداً.

من المحتمل أن تبقى الدول الأفريقية تعاني من آفة الانقلابات إذا بقيت مؤسّساتها الاتحادية تتعامل بانتقائيةٍ مع هذه الدولة أو تلك التي تشهد انقلاباً، وبكيفية مختلفة. أما الدول العربية في أفريقيا، فيبدو أن هنالك توجُّها لدى الأفارقة إلى تصنيف انقلاباتها شأناً عربياً، أحرى بجامعة الدول العربية أن تتعامل معه التعامل الصحيح، من أجل إجبار المنقلبين على تسليم السلطة لرؤساء منتخبين، لا أن يجري تعويم الجنرالات، والمدنيين الذين فاقت شهيتهم للاستفراد بالحكم شهية العسكر.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here