ملاحظات حول البرنامج التلفزي البروباغندي المعنون بـ «ممكن»

15
ملاحظات حول البرنامج التلفزي البروباغندي المعنون بـ «ممكن»
ملاحظات حول البرنامج التلفزي البروباغندي المعنون بـ «ممكن»

افريقيا برستونس. يوم الخميس 24 /12 /2020 وبعد حملة “إشهاريّة” بثّت القناة الوطنيّة الأولى برنامجا حواريّا مطوّلا إمتدّ من السّاعة 18 إلى ما بعد النّشرة الرّئيسيّة للأخبار وخُصّص لتشخيص الوضع الإقتصادي والحلول المقترحة.

البرنامج كان بالشّراكة مع “المعهد العربي لرؤساء المؤسّسات” ووقع بثّه على عدد من القنوات التلفزيّة الخاصّة والإذاعات وجاء في أجزاء تناوب فيها المنشطون والمنشّطات والضّيوف والضّيفات بحضور “متواصل” للمعهد المذكور مُمَثّلا بأعضاء لمكتبه التّنفيذي.

البرنامج، الذي أُرِيدَ له أن يكون حدث أواخر هذه السّنة 2020 التي لا يختلِف عاقلان على أنّها كانت في غاية الصّعوبة، جاء تحت عنوان “ممكن!” ويمكن هنا أن نسوق ملحوظة تخصّ نقطة التعجّب وكأنّ من وضع العنوان واثق تمام الوثوق من أنّ ما “سيُقترح” هو الحلّ (بـ”ال”التّعريف) وتنتفي بإعتماد هذا العنوان حياديّة الصّحفيّات والصّحفيّين الباحثات والباحثين.

أما الشكل فلم يأت بالجديد، اذ إعتمد على الدّيكور المُعتاد للبرامج الحواريّة على الوطنيّة الأولى والتّغيير الطّفيف الوحيد هو في إسناد “مقود إدارة النّقاش” لثنائي أحدهما من الوطنيّة والآخر من قناة خاصّة.

قيل لنا قبل البثّ أنّ “البرنامج يهدف إلى تشخيص الوضع الإقتصادي وأسباب الأزمة الإقتصاديّة والإجتماعيّة مع رفع درجة وعي المواطن التّونسي بأهميّة الرّهانات الحاليّة وأهميّة الإصلاحات الممكنة في المستقبل القريب ووضع رؤية إقتصاديّة تشاركيّة لسنة 2021 وأنّ إصلاح المؤسّسات العموميّة والإستثمار في الرّأسمال البشري ستكون من أهمّ المحاور، إضافة لدفع التّصدير وتفعيل الشّراكة بين القطاعين الخاصّ والعام”… هذا ما قيل ونُشِر، لكن من المهمّ أيضا التّذكير بما سبق يوم “البرنامج-الحدث”بعدّة أسابيع وسويعات.

فقد تمّ “التّمهيد” لهذه الطّروحات بفقرة قارّة ببرنامج “ميدي شو” على موجات إذاعة موزاييك حيث يطرح المعهد العربي لرؤساء المؤسّسات (على لسان المُنشّط بوبكر بن عكاشة) طرح سؤالا على الضّيف ويوم الخميس 24 ديسمبر (يوم بثّ البرنامج).

كان الضّيف هو رئيس المعهد المذكور الذي تحدّث في العلاقة بين السّياسي والإقتصادي ووضع قواعد التّعامل، حسب رأيه طبعا، بكثير من الصّراحة (حقيقة) لكن وبكثير من تبخيس السّياسي خاصّة.

فقد طالب السيّد الطيب البياحي على موزاييك بـ”الفصل بين الإقتصادي والسّياسي” في ركوب واضح على المقولات الشّعبويّة الطّاغية حاليّا على السّاحة الوطنيّة كـ”سبب مشاكلنا هي الأحزاب و/أو السّياسة والسياسيّين”ويبدو أنّ هذا التوجّه قد ضُمِّن في إتّفاق الشراكة بين “المعهد” و”مؤسّسة التّلفزة الوطنيّة” إذ ركّزت الصّحفيّة زينة الخميري في نهاية البرنامج على “خلوّ الحوار والمُتحاورين من السّياسة والسّياسيّين” وكرّرت بثقة “ممكن!” أكثر من مرّة (رغم تدخّل مُحتشم لزميلها شاكر بسباس: بالحوار، بالحوار) ولكنّها أصرّت “ممكن!”.

الأهمّ بمعنى الأخطر في هذا “البرنامج-الحدث” أنّه يأتي في توقيت غريب إذ لا يُمكن فصله عن تعدّد النّداءات لحوارات وطنيّة تتناول الوضع العام بالبلاد بمختلف أبعاده وفي مقدّمتها السّياسي والمؤسّساتي، وإن سلّمنا بأنّ أهمّ طرف دعا للحوار هو الإتّحاد العام التّونسي للشّغل ودوره الوازن في أيّ ظرف وخاصّة زمن الأزمات وإستحالة تمرير أيّة “إصلاحات” دون التّفاوض مع المنظّمة الشغّيلة، نفهم أنّ الإتحاد وتصدّيه لدعوات التّفريط في المؤسّسات العموميّة (تحت أيّة مسمّيات:شراكة إستراتيجيّة،بيع…) يصبح واضحا أنّ مسألة فصل السّياسي عن الإقتصادي والتّعويل على دور الإتّحاد وحرصه على إنقاذ البلاد (أي مُسايرة التوجّه اللّيبرالي المُتوحّش) والإيحاء في وسائل الإعلام أنّ القيادات النّقابيّة مُقتنعة بالطّرح اللّيبرالي لكنّها تتحاشى التّصريح بذلك في العلن وتُجاري قواعدها في مطالبها… كلّها مؤشّرات تصبّ في سعي هذه “الجمعيّة غير الحكوميّة” للإعلان عن نفسها قيادة حقيقيّة للبلاد وما على السّياسيّين إلا التّنفيذ.

المؤسف أن يقع التّسويق لمقولة فصل الإقتصادي عن السّياسي (والحال أنّ الإقتصاد ينبع من مشروع سياسي) واللّعب على وتر يأس شرائح واسعة من الحكّام في قناة تلفزيّة وطنيّة وفي غياب أيّ رأي مخالف لكيفيّة الخروج من الأزمة والتّركيز على التّشخيص (الذي بات معلوما لدى كلّ النّاس فضلا عن المشتغلين بالشأن العام)، مؤسف أيضا أن يقع “إستغلال”بعض الصحفيّين والصّحفيّات لتمرير خطاب يتلخّص في لا صوت يعلو على صوت رأس المال وعلى الجميع السّمع والطّاعة!

نُشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” في عددها الصادر بتاريخ الثلاثاء 29 ديسمبر 2020

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here