أفريقيا برس – تونس. أعاد العفو الرئاسي الذي أصدره الرئيس التونسي قيس سعيّد بمناسبة عيد الجمهورية، وشمل آلاف السجناء وبينهم شخصيات سياسية ورياضية بارزة، الجدل حول مستقبل المشهد السياسي في تونس، وأثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت السلطة بصدد مراجعة مقاربتها للأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ سنوات، أم أن الأمر لا يتجاوز إجراءً تقليديًا ارتبط بالمناسبات الوطنية والدينية.
ورغم أن إصدار العفو الرئاسي في تونس يُعد تقليدًا راسخًا منذ تأسيس الجمهورية عام 1957، فإن العفو الأخير اكتسب أهمية استثنائية بسبب هوية بعض المشمولين به، وفي مقدمتهم العياشي الزمال، المرشح للانتخابات الرئاسية لعام 2024، ووديع الجريء، الرئيس السابق للجامعة التونسية لكرة القدم، وهو ما منح القرار أبعادًا سياسية تجاوزت إطاره القانوني والإنساني.
أسماء تحمل دلالات سياسية
العياشي الزمال كان قد أوقف خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، وخاض السباق الرئاسي من داخل السجن بعد اتهامه بتزوير التزكيات الشعبية اللازمة للترشح، وصدر بحقه حكم بالسجن لثلاثين عامًا. أما وديع الجريء، فقد واجه بدوره ملفات تتعلق بشبهات فساد في القطاع الرياضي، بينما يرى متابعون أن قربه من دوائر سياسية مرتبطة بحزب “تحيا تونس” منح قضيته بعدًا سياسيًا يتجاوز الجانب الرياضي.
اختيار هذين الاسمين تحديدًا جعل العفو يتجاوز كونه مناسبة سنوية اعتيادية، إذ بدا وكأنه يحمل رسالة سياسية، حتى وإن لم تعلن الرئاسة أي تغيير في توجهاتها أو في رؤيتها للتعامل مع المعارضة.
سياق سياسي يتسم بالاستقطاب
يأتي هذا القرار في ظل استمرار واحدة من أكثر مراحل الحياة السياسية التونسية استقطابًا منذ إجراءات 25 يوليو/تموز 2021، التي أعادت تشكيل النظام السياسي بصورة جذرية، وأدت إلى تراجع نفوذ الأحزاب التقليدية، مقابل توسع صلاحيات مؤسسة الرئاسة.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت البلاد سلسلة من الإيقافات التي طالت قيادات حزبية ووزراء سابقين ونوابًا وصحافيين ورجال أعمال، على خلفية تهم متنوعة، أبرزها “التآمر على أمن الدولة” و”الفساد”. وبينما تؤكد السلطات أن الملفات ذات طابع قضائي بحت وأن القضاء مستقل، تصر قوى المعارضة على أن أغلب هذه القضايا ذات خلفية سياسية، معتبرة أن حلها لا يمكن أن يكون إلا عبر تسوية سياسية شاملة.
ولهذا السبب، لم يُقرأ العفو الأخير باعتباره قرارًا قانونيًا فقط، بل باعتباره مؤشرًا محتملًا على توجه السلطة خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يفسر حجم التفاعل الذي رافقه داخل الأوساط السياسية والإعلامية.
دعوات لتحويل العفو إلى مبادرة سياسية
عدد من الشخصيات السياسية اعتبر أن القرار يمكن أن يكون خطوة أولى نحو تخفيف الاحتقان الداخلي إذا توسع ليشمل بقية الموقوفين في القضايا السياسية.
الناشط ضمن حراك “25 جويلية” المؤيد للرئيس، حسام بن أحمد، رأى أن المرحلة المقبلة تستوجب “لمّ الشمل” وتجميع كل من يؤمن بالدولة وإمكانية الإصلاح، في إشارة إلى ضرورة تجاوز حالة الانقسام السياسي.
أما الوزير الأسبق مبروك كورشيد، المحسوب على حزب “تحيا تونس”، فقد ذهب أبعد من ذلك، داعيًا إلى إصدار عفو شامل يطوي صفحة الاعتقالات السياسية، ويشمل السياسيين والصحافيين ورجال الأعمال، معتبرًا أن البلاد بحاجة إلى مصالحة وطنية أكثر من حاجتها إلى استمرار الصراع.
وتستند هذه الدعوات إلى قناعة متزايدة لدى بعض الفاعلين بأن استمرار الانقسام السياسي ينعكس سلبًا على قدرة الدولة على معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع تزايد الضغوط المرتبطة بالبطالة والتضخم وتراجع الاستثمار.
المعارضة: لا مؤشرات على تغيير حقيقي
في المقابل، تنظر أطراف واسعة داخل المعارضة إلى القرار بكثير من الحذر، معتبرة أنه لا يعكس تحولًا في سياسة السلطة بقدر ما يمثل خطوة رمزية محدودة.
إلياس الشواشي، نجل القيادي المعارض غازي الشواشي المسجون في قضية التآمر، اعتبر أن العفو يهدف إلى صرف اهتمام الرأي العام عن الأزمات الاقتصادية والخدماتية التي تواجهها البلاد، وعلى رأسها أزمة الكهرباء.
كما أكد عدد من ناشطي المعارضة أن السلطة لم تقدم حتى الآن أي إشارات عملية تدل على استعدادها لفتح حوار سياسي أو مراجعة الملفات القضائية المتعلقة بالمعارضين، معتبرين أن الإفراج عن شخصيتين لا يكفي للحديث عن انفراج سياسي حقيقي، في ظل استمرار عشرات القيادات الحزبية والناشطين في السجون.
وتستند هذه القراءة أيضًا إلى مواقف الرئيس قيس سعيّد خلال السنوات الماضية، إذ كان يكرر أن القضاء مستقل، وأنه لا يتدخل في مساراته، كما كان يرفض الدعوات إلى الحوار السياسي خارج المؤسسات الرسمية، معتبرًا أن الحوار يجب أن يتم داخل البرلمان والمجالس المنتخبة.
السلطة لا تبدو بصدد تغيير مقاربتها
المواقف الصادرة عن شخصيات قريبة من السلطة تعزز بدورها فرضية استمرار النهج الحالي أكثر من الإيحاء بوجود مراجعة سياسية.
فالناطق باسم حزب “التيار الشعبي”، محسن النابتي، اعتبر أن من غير المتوقع أن يعقب هذا القرار عفو آخر يشمل المتهمين في قضايا التآمر، مشددًا على أن القضاء أثبت خطورة تلك الملفات.
ويعكس هذا الموقف رؤية قطاع من القوى الداعمة للرئيس، التي تعتبر أن أي تساهل في هذه القضايا قد يوجه رسالة خاطئة بشأن جدية الدولة في التعامل مع الملفات المرتبطة بالأمن القومي، وأن الفصل بين العفو الإنساني وبين المسارات القضائية يبقى ضروريًا.
لماذا الآن؟
يثير توقيت القرار بدوره تساؤلات عديدة، خصوصًا أنه جاء في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية معقدة، تتسم بتباطؤ النمو الاقتصادي، واستمرار الضغوط على المالية العمومية، وتزايد المطالب الاجتماعية.
ويرى بعض المحللين أن السلطة قد تكون سعت من خلال هذا القرار إلى تخفيف منسوب الاحتقان وإظهار قدر من الانفتاح السياسي دون تقديم تنازلات جوهرية، بينما يرى آخرون أن الأمر لا يتعدى كونه امتدادًا للتقليد السنوي للعفو الرئاسي، مع اختيار أسماء بعينها لأسباب قانونية أو إنسانية أكثر منها سياسية.
وفي الحالتين، يبقى الحكم على دلالات القرار مرتبطًا بما قد يتبعه من خطوات عملية، سواء عبر الإفراج عن مزيد من الموقوفين، أو إطلاق حوار سياسي، أو مراجعة بعض الملفات التي أثارت جدلًا واسعًا داخل البلاد وخارجها.
بين الرمزية والتحول السياسي
حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على أن العفو الرئاسي يمثل بداية تحول في مقاربة السلطة للمشهد السياسي. فالمواقف الرسمية لم تتغير، والسلطة لا تزال تؤكد استقلال القضاء وعدم وجود معتقلين سياسيين، بينما تتمسك المعارضة بأن الأزمة ذات طبيعة سياسية وتتطلب حلًا سياسيًا شاملًا.
لذلك يبدو أن القرار يحمل قيمة رمزية أكثر من كونه إعلانًا عن مرحلة جديدة. غير أن رمزية الإفراج عن شخصيات بارزة قد تبقى ذات أهمية إذا تحولت لاحقًا إلى مدخل لإجراءات أوسع تستهدف تخفيف الاحتقان واستعادة الحد الأدنى من الثقة بين مختلف الفاعلين السياسيين.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل كان العفو الرئاسي مجرد استثناء فرضته المناسبة الوطنية، أم أنه سيكون بداية لمسار مختلف يعيد رسم العلاقة بين السلطة والمعارضة؟ الإجابة لن يحسمها القرار نفسه، وإنما ما ستتخذه مؤسسات الدولة من خطوات خلال الأشهر المقبلة.





