أفريقيا برس – تونس. تواجه تونس، اليوم، ”ملفًا شائكًا“ يتعلق بمصير نحو 2500 متشدد واحتمال عودتهم من بؤر التوتر، فضلًا عن 120 طفلًا عالقين هناك.
وقد تثير القضية، جدلًا سياسيًا وقانونيًا لا سيما أن الدستور الجديد لم يحسم الأمر، ولم يمنع عودة هؤلاء الذين يعتبرهم كثيرون خطرًا على المجتمع التونسي.
وعاد مؤخرًا الملف إلى الساحة السياسية والاجتماعية إثر البيان الذي صدر مؤخرًا عن جمعية إنقاذ التونسيين العالقين في الخارج، التي دعت فيه إلى تكوين لجنة للبحث والتقصي حول المفقودين والعالقين في الخارج وفي بؤر التوتر.
وتأتي هذه الدعوات تزامنًا مع المصادقة على الدستور الجديد من قبل رئيس الجمهورية ودخوله حيز التنفيذ، خاصة أن الباب الثاني من الدستور وتحديدًا الفصل 31 ينص على أنه ”يحجر سحب الجنسية التونسية من أي مواطن أو تغريبه أو تسليمه أو منعه من العودة إلى الوطن“.
وسبق أن أعلنت جمعيات حقوق الإنسان وناشطون في هذا الملف أنه ”من ضمن العالقين أطفال لا ذنب لهم، وحياتهم مهددة بالخطر، كما أنهم عرضة لأن يكونوا جيشًا لتنظيمات متشددة في حال واصلت الدولة سياسة التجاهل تجاه هؤلاء الأطفال“.
واعتبرت هذه الجمعيات الحقوقية أن موقف الدولة التونسية يتناقض حتى مع ما ذكر في الدستور الجديد من حقوق للطفل.
وجاء في نص الدستور الجديد وفق الفصل 52 أن ”حقوق الطفل مضمونة، وعلى أبويه وعلى الدولة أن يضمنوا له الكرامة، والصحة، والرعاية، والتربية والتعليم، وعلى الدولة أيضًا توفير جميع أنواع الحماية لكل الأطفال دون تميز وفق مصالح الطفل الفضلى، وتتكفل الدولة بالأطفال المتخلّى عنهم أو مجهولي النسب“.
وكشف رئيس جمعية إنقاذ التونسيين العالقين في الخارج محمد إقبال بن رجب في تصريح لـ ”إرم نيوز“، أن ”الجمعية أصدرت دعوتها لرئيس الجمهورية لإنقاذ العالقين تزامنًا مع التغيرات السياسية التي عرفتها البلاد وختم الدستور الذي ينص على احترام حقوق الإنسان والطفل خاصة“.
2500 إرهابي
وكشفت رئيسة المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية بدرة قعلول، أن ”الأعداد الرسمية للمتشددين التونسيين الموجودين ببؤر التوتر غير متوافرة رسميًا لأن الدولة ليس لديها تواصل مباشر مع الدول التي تعد مناطق توتر، مثل: سوريا، والعراق، وليبيا“.
وأشارت قعلول لـ“إرم نيوز“، إلى أنها ”ضد عودة هذه العناصر إلى الوطن لأنهم يمثلون خطرًا على الدولة التي تفتقد الآليات اللازمة لتأهليهم ومقاومتهم“.
وأضافت أنّ ”هذا الملف لا يمكن طرحه في الوقت الحالي، لأن هناك مشاكل داخلية، وطرح ملف ثقيل في هذا الوقت سيربك الوضع“.
ورجحت قعلول، أن ”عدد التونسيين الموجودين في بؤر التواتر حاليًا يبلغ 2500 شخص“.
واعتبرت أن ”أعدادهم الكبيرة تعسّر مسألة المطالبة بترحيلهم لأنه يصعب على الدولة مراقبتهم، داعية الحكومة للمطالبة بملفاتهم ومعرفة أسمائهم على الأقل“.
ودعت قعلول إلى ”سحب الجنسية التونسية من المتشددين“.
خريطة طريق
وتسعى بعض العناصر الإرهابية الموجودة خارج التراب التونسي، إلى التسلل والعودة إلى تونس عبر وسائل غير مشروعة.
وبحسب معطيات حصلت عليها ”إرم نيوز“، فقد أفادت تقارير أمنية أن ”العنصر المتشدد شوقي بن مراد هرب إلى ليبيا وتسلل إلى تونس عن طريق البحر، العام 2015، والتحق بإحدى المجموعات المتشددة بالمرتفعات ثم خطط للقيام بعملية إرهابية لكن الوحدات الأمنية تفطنت له“.
كما أكدت مصادر أمنية لـ ”إرم نيوز“، أن ”بعض العناصر المتشددة العائدة من بؤر التوتر تسعى للالتحاق بالعناصر المتحصنة بالجبال لإسنادها ودعمها، خاصة أن الوحدات المختصة في مكافحة الإرهاب نجحت في القضاء على أغلب قياداتها الإرهابية“.
وفي هذا الصدد، أفاد الناطق الرسمي باسم النقابة العامة للمصالح المختصة حسام جنحاني، أن ”المتشددين الذين سافروا إلى بؤر التوتر يحاولون العودة إلى تونس بطرق أخرى غير قانونية“.
وأوضح جنحاني لـ ”إرم نيوز، أن ”عودة هذه العناصر عبر جوزات سفر مزورة أمر مستعبد لأن جواز السفر التونسي على درجة سلامة عالية جدًا، إضافة إلى وجود وسائل تقنية حديثة ومتطورة في مطار تونس قرطاج تساعد على كشف هوية العائدين دون وثائق رسمية وتثبت هوياتهم عبر بصمتهم“.
وأضاف أن ”بعض العناصر المتشددة التي تحاول العودة إلى تونس صنعت حيلة جديدة تتمثل في حصولهم على عقود عمل، منذ العام 2013، في تركيا ويطلبون من خلالها الحصول على إقامة من السلطات التركية ثم بعد ذلك يعدون إلى تونس على أساس أنهم كانوا يعملون في تركيا، منذ العام 2013، لكن الأجهزة الأمنية تفطنت لهذه الحيلة“.
وأشار جنحاني، إلى أن الحيلة الثانية التي تعتمدها هذه العناصر أيضًا، هي العودة إلى تونس عبر دول أوروبا الشرقية في إطار الهجرة غير الشرعية التي قام بها السوريون نحو اليونان وبعد ذلك انتقلوا إلى ألمانيا ودول أوروبا الشرقية، وقد تسللت معهم بعض العناصر التونسية المتشددة التي تدّعي أنها مقيمة منذ فترة في الفضاء الأوروبي، وأنها فقدت وثائقها الرسمية مطالبة بجواز سفر جديد وحين ذلك تقوم السلطات الأمنية التونسية بفتح تحقيق في الغرض، وتتثبت في هوية المعني قبل منحه جواز السفر“.
وبخصوص بعض العناصر المتشددة التي تتسلل عبر الحدود البرية، قال جنحاني إن ”تونس لديها إدارات مختصة في قضايا الإرهاب وتقصي العناصر الإرهابية الموجودة في ليبيا وتحاول التسلل عبر الحدود البرية“، مشيرًا إلى أن ”أغلب العناصر التي تسللت وقع القبض عليها“.
وأكد أن ”تونس تسلمت عديد العناصر الإرهابية ويتم التعامل معهم وفق القانون والاتفاقيات والمعاهدات الدولية“.
وأشار جنحاني، إلى أن ”القيادات الخطيرة وصادرة في شأنها أحكام بالسجن يجري سجنه، أما العناصر التى تبقى محل شبهة تخضع للمراقبة الأمنية و الإدارية“.
يشار إلى أن تونس تسلمت عديد العناصر المتشددة من بينهم هيكل السعيداني من ألمانيا بناءً على بطاقة جلب دولية لتورطه في الهجوم على متحف باردو، العام 2015، والذي أسفر عن مقتل عديد الأجانب.
وسبق أن تسلمت تونس من السودان، العنصر المتشدد معز الفزاني الذي يعد من أخطر العناصر وذلك لتورطه في استقطاب وتجنيد وتسفير الشباب إما إلى سوريا أو لتلقي تدريبات عسكرية في ليبيا ثم العودة إلى تونس للقيام بعمليات اغتيال وهجمات إرهابية تستهدف أمن البلاد.
أزمة دولية
وأكد الرئيس السابق للجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب العميد مختار بن نصر، أن عدد العالقين في بؤر التوتر كبير جدًا، حيث يحتضن مخيم الهول مثلًا أكثر من 60 ألف امرأة وطفل من ضمنهم من يحملون الجنسية التونسية“.
وأشار بن نصر لـ ”إرم نيوز“، إلى أن ”موضوع العالقين يشكل عبئًا كبيرًا على المجتمع الدولي، وتوجهت السياسيات الدولية في وقت ما إلى ترحيل كل طرف إرهابي إلى بلاده، لكن هناك إشكالية تمثلت في حصول هذه العناصر على جوزات سفر“.
وتابع العميد المتقاعد أن ”السياسة التونسية كانت واضحة وهي أن أي عنصر يعود أو يتم استلامه ينظر في شأنه القضاء“، مؤكدًا أن ”ضغوطًا على تونس لإعادة العناصر الإرهابية بدأت منذ 2018 لكن موقفها بقي ثابتًا“.
وأوضح بن نصر، أن وزارات: الشؤون الاجتماعية، والداخلية، والخارجية، والعدل، تتكفل بإعادة تأهيل وإدماج العناصر التي ثبت عدم تورطها في قتل ضحايا وحمل السلاح.
وبخصوص الأطفال العالقين مع أمهاتهم في مراكز الترحيل والمخيمات في بؤر التوتر، أكد بن نصر أن ”تونس تسلمت عددًا من الأطفال، لكن بعد ذلك قررت انتظار ما سيبته الشأن الدولي في مصيرهم، إضافة الى تخوف الدولة من نظرة المجتمع لهم، وصعوبة اندماجهم مع غياب منظومة تأهيل كاملة في البلاد“.
وقال إن ”60 ألف امرأة وطفل قابعون في المخيمات في ظروف صعبة ويمثلون جيشًا احتياطيًا لداعش، والمجتمع الدولي عاجز عن إيجاد حل“.
120 طفلًا
ولطالما أثار موضوع الأطفال العالقين في المخيمات السورية، وفي مراكز الترحيل، الجدل في تونس، حيث انقسمت الآراء ومواقف المجتمع المدني وآراء السياسيين في موضوع إنقاذهم من براثن ”داعش“، ومن المعاملة اللاإنسانية خاصة أنه لا ذنب لهم.
وقال رئيس مرصد الحقوق والحريات المحامي أنور أولاد علي، إن ”موضوع الأطفال العالقين شائك جدًا، وهو من الموضوعات التي قصّرت فيها الدولة التونسية، وارتكبت جريمة في حق الأطفال وهي جريمة عدم الاستنجاد القانوني لصرخات الأطفال العالقين الذين يريدون العودة إلى أوطانهم“.
وتابع أولاد علي لـ ”إرم نيوز“، أنه ”بحسب آخر الإحصائيات فإن عددهم يبلغ 120 وفق الأسماء الموثقة“، معتبرًا أن الدولة التونسية تتبع ”سياسة النعامة“ في ملف الأطفال.
وأشار أولاد علي، إلى أن الأطفال معرضون إلى مخاطر، منها: التحرش الجنسي، والإتجار بالبشر، وسوء التغذية، والحرمان من التعليم.
وأكد أنه من واجب الدولة التونسية حمايتهم، وإيقاف ما وصفها بـ“المهزلة“، خاصة أن أغلب الأطفال تحت سيطرة قوات ”قسد“ التي تعد حليفة للولايات المتحدة الأمريكية، وبإمكان السلطات التونسية التواصل معهم، واستغلال علاقتها الديبلوماسية لإعادة الأطفال.
وقال إنه ”على رئيسة الحكومة أن تطبق ما جاء في الدستور من حقوق ذُكرت للإنسان وللأطفال“.
وأشار أولاد علي، إلى أن الإشكاليات التي تواجه العائلات العائدة من سوريا هروبًا عن طريق بعض المهربين إلى تركيا ثم سلموا أنفسهم للسلطات الأمنية التونسية، تتمثل في إثبات النسب للحصول على الوثائق وبعد صدور الحكم لا تزال هناك تعطيلات.
ودعا الدولة التونسية، الى النظر في هذا الملف بعيدًا عن ”المزايدات السياسية“ لأن الطفل لاجئ لا ذنب له، ومن واجب الدولة التونسية التثبت من أنه تونسي وجلبه إلى بلاده.
وأشار أولاد علي، إلى أن ”الأطفال الستة الذين تم ترحيلهم من ليبيا إلى تونس لم تبذل الدولة التونسية أي جهد في شأنهم، فقد تم ترحيلهم من قبل الهلال الأحمر الليبي وعندما استقبلهم رئيس الجمهورية اعتبرنا ذلك رسالة طيبة، وبارقة أمل للأطفال العالقين في سوريا والعراق“.
وتابع: ”لكن تم الهجوم على رئيس الجمهورية الذي اتهم بأنه استقبل أطفال الإرهابيين في حين أن وسم أطفال بهذا النعت هو جريمة لأنهم أبرياء ولا ذنب لهم في اختيار آبائهم وبيئتهم“.
وأوضح أولاد علي، أنّ ”إعادة تأهيل الأطفال تتم عن طريق النواة الأولى وهي العائلة التي ستحتضنهم بعد عودتهم“.
واعتبر أن ”التخويف من ملف عودة العالقين في بؤر التوتر أصبح سياسة ممنهجة“.
وأضاف ”في نهاية الأمر، إن كان مجرمًا أو غير مجرم يجب أن يعود إلى وطنه ويحاسب، حيث يتوافر قضاء مختص في قضايا الإرهاب، وقطب قضائي مختص للنظر في هذه القضايا“.
وبحسب أولاد علي فإنّ ”الحقائق المثبتة تؤكد أن هؤلاء المقاتلين خرجوا عن طريق المطار نحو تركيا أو الجزائر أو المغرب، وأن أغلبهم خرجوا من ليبيا، وهناك تونسيون التحقوا من أوروبا“.
العالقون في ليبيا
وأكد رئيس جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج إقبال بن رجب، أن الإحصائيات التي حصلت عليها الجمعية تؤكد أنّ هناك 100 امرأة عالقة في الخارج، و150 طفلًا في شمال شرق سوريا، أمّا في ليبيا فهم 22 طفلًا و14 امرأة.
ودعا بن رجب، إلى إعادة الأطفال وإنقاذهم من الخطر الذي يحدق بهم، خاصة أن أمهاتهم وجّهن نداءات استغاثة وأعلنّ استعدادهن للمحاسبة قضائيًا.
وتابع أنّ ”الجمعية وجهت دعوتها لرئيس الجمهورية بناءً على تصريح سابق له أكد فيه أن أي تونسي عالق بالخارج من واجب الدولة إعادته“.
وأشار بن رجب، إلى أن الدولة مجبرة على إعادة مواطنيها العالقين في الخارج مهما كانت التهم المواجهة لهم، داعيًا إلى ترحيلهم ومحاسبتهم قضائيًا.
ودعا إلى تكوين لجنة تعنى بملف العالقين بالخارج وبؤر التوتر تتكون من وزارات: الدفاع، والخارجية، والداخلية، والمرأة والطفولة والشؤون الاجتماعية، مع تشريك المجتمع المدني، نظرًا لأن أغلب هذه الملفات ”مبعثرة بين الوزارات“، وفق وصفه.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس





