إلهام اليمامة
أفريقيا برس – تونس. مرّ خبر الحكم بالسجن على رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وعدد من الشخصيات السياسية، في ما يُعرف بـ”قضية التآمر 2″، دون أن تُسجَّل تحركات كبيرة أو ردود فعل شعبية بارزة في الشارع التونسي؛ لكن العارف بطبائع هذا الشارع وتاريخه، يُدرك أن هذا الصمت الظاهري لا يعني القبول، بل قد يكون مرآة لحالة غضب مكتوم واحتقان عميق.
يقلّل المحلل السياسي التونسي خالد كرونة، في تصريحات لـ”أفريقيا برس”، من التوجه المتشائم لافتا إلى أن “ما يمكن ملاحظته أن الشارع التونسي إذ يتابع المحاكمات التي تطال عددا من الرموز السياسية في قضايا مختلفة منها التآمر وتبييض الأموال، والتخابر وغيرها فإنه يبدي عدم اكتراث يمكن ترجمته سياسيا بأن هؤلاء فقدوا حاضنتهم الشعبية وعمقهم الجماهيري، بل إن جانبا من المجتمع يحمّل عددا منهم غير قليل مسؤولية تدهور الأوضاع خلال سنوات حكمهم سواء كانوا من النهضة أو من الأحزاب التي كانت حليفة لها وما تزال شعارات “المحاسبة” و”التطهير” التي ترفعها السلطة تجد هوى في أوساط اجتماعية كثيرة”.
ويضيف أنه “خلافا لما يعتقد البعض، فإن “عدم الاكتراث” ليس إمارة “غليان قادم” أو بركان يتهيأ أن يثور، بل لعله الدليل الأكبر على عزلة النخب عن الناس وعلامة لا تخطئها العين على أن مشاغل الناس الذين أرهقهم الغلاء وتدني الخدمات العمومية عامة، تختلف تماما عن شواغل “النخب” التي تتصارع على الحكم ومغانمه منذ سنوات طويلة دون مباشرة أيّ من الإصلاحات الضرورية التي يتطلبها إسعاف الاقتصاد ودون سعي إلى التخفف من هيمنة الأجنبي وبخاصة مع تعميق سياسة التداين”.
في المقابل، يرى خبراء آخرون عكس ذلك، ويعتبرون أن حالة اللامبالاة التي تسيطر على الشارع التونسي ليست مجرد توصيف، بل يمكن اعتبارها “صمت ما قبل العاصفة” و”مؤشرا” على شيء أعمق (احتقان، ضغط، فقدان ثقة)، فالشارع التونسي إذا صمت بهذا الشكل فذلك لا يعني رضاء بالوضع بل غضب يترجمه تواتر التحركات الاحتجاجية على غير السنوات السابقة.
وكان المرصد الاجتماعي والاقتصادي كشف في تقريره للنصف الأول من سنة 2025 (يناير – يونيو) عن تصاعد في نسق الحراك الاجتماعي في تونس خلال شهر 2025، مسجلا زيارة بأكثر من 105 بالمئة.
ويعكس ذلك وفق تصريحات رمضان بن عمر، الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لـ”أفريقيا برس”، التطور الذي شهدته الحركات الاحتجاجية، منذ شهر يناير الماضي مع احتجاج الأستاذة والمعلّمين النواب والضغط الذي مارسه هؤلاء على السلطات التي استجابت لهذه المطالب.
ويضف بن عمر لـ”أفريقيا برس”: أن “هذا الاحتجاج وما تحقق، شجّع بقية الفاعلين الاجتماعيين على الخروج والمطالبة بحقوقهم”.
وتأكدت أكثر عودة الفاعل الاجتماعي للتحرك والمطالبة والاحتجاج خلال الثلاثي الثاني من السنة. واتسمت الأشهر الثلاث الأخيرة (أشهر ابريل ومايو ويونيو) بمنسوب مرتفع في نسق التحركات الاجتماعية (1254 تحركا خلال الثلاثة أشهر الثانية، مقابل 1132 تحركا خلال الثلاثة أشهر الأولى، لتكون حصيلة السداسية الأولى من سنة 2025 2387 تحركا احتجاجيا، وفق تقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ويكشف بن عمر أن “المطالبة بتطبيق ما ورد من تعديلات في مجلة الشغل والاتفاقيات العالقة وتحسين ظروف العمل وتسوية الوضعيات المهنية وصرف المستحقات المالية من أجور وحوافز كان قادحا رئيسيا للاحتجاجات العمالية والنقابية المنظمة”، مضيفا أن الموضوع الثاني الأبرز للاحتجاجات كان “استمرار تردّي الخدمات الإدارية العمومية وتدهور الوضع البيئي، فيما شهد شارع باب بنات بتونس العاصمة (مقر قصر العدالة) احتجاجات ذات طابع حقوقي بعد المحاكمات في قضية التآمر وغيرها”.
ومثّلت الوقفات الاحتجاجية الشكل الاحتجاجي الأكثر اعتمادا من قبل الفاعلين الاجتماعيين، حيث التجأ له في 611 تحركا خلال النصف الأول للسنة يأتي بعده الإضراب الذي نُفّذ في 383 مناسبة. وغاض المحتجون 351 يوم اعتصاما و140 يوم إضراب جوع وتم تعطيل الأنشطة في 119 تحركا ونفذوا 86 مسيرة منها 16 نحو العاصمة وتوزعت بقية التحركات بين حمل الشارة الحمراء ومنع من الإلحاق بالعمل واحتجاجات فنية ورشق بالحجارة وغلق مواقع العمل..
بالأرقام، احتل الموظفون والعمال والمعلمين والأساتذة، المرتبة الأولى فيما يهم الفاعلون الذين نظموا تحركات خلال السداسي الأول للسنة بنصف التحركات المسجلة. يليهم في ذلك النشطاء والحقوقيين والطلبة والمساجين والصحفيين والعاطلين عن العمل، الذين شكلوا ربع التحركات التي شهدتها الساحات والميادين منذ بداية السنة.
وكانت التحركات المرصودة في أكثر من 80% ميدانية، تم خلالها أساسا اعتماد الوقفات الاحتجاجية الاعتصامات والإضراب عن العمل فضلا عن تعطيل النشاط وإضرابات الجوع وغلق الطرقات وحمل الشارة الحمراء وأيام الغضب وحرق العجلات ومقاطعة الامتحانات ومسيرات نحو العاصمة.. في حين جاءت بقية التعبيرات الغاضبة في الإطار الرقمي، على شكل نداءات وعرائض وبيانات تنديد عبر وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. كما لم تخضع التحركات المسجلة خلال السداسي الأول للسنة، إلى نوع من التوزيع الجندري، أين انتظم انتظمت غالبية التحركات في شكل مختلط ومشتركة بين الرجال والنساء.
واتجه الفاعل الاحتجاجي في أكثر من 90% من التحركات التي خاضها نحو السلط الرسمية بمختلف تمثلاتها من رئاسة جمهورية ورئاسة حكومة وسلط جهوية ووزارات وبلديات وولاة، أما البقية فكانت موزعة بين السلط القضائية والأمنية وصاحب العمل.
وانتقد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية خطاب الرئيس قيس سعيّد واعتبره “في الكثير من الأحيان يتسم د بالازدواجية ففي حين يشدد على ضرورة توزيع الثروة بشكل عادل والقضاء على الفقر وكل مظاهر الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين التونسيين والتونسيات، تغيب السياسات العمومية القادرة على تجسيد ذلك على أرض الواقع بشكل حقيقي ويتم الاكتفاء بمقاربة قانونية، ونجد أن جميع المؤشرات التي تتصل بخدمات عمومية كالصحة والنقل والبنية التحتية والتعليم.. تؤكد أنها مجالات تشكو من ضعف وتدهور في وضعها العام وغياب للعدل والإنصاف في مسارات الولوج لها سواء على مستوى الفئات أو الجهات”.
يتّجه المشهد في تونس اليوم نحو مزيد من التضييق على المعارضة والإعلام وحرية التعبير، بينما تعددت الانتهاكات لتشمل حتى السجون والمجتمع المدني. واقتصاديا، تواجه البلاد تحديات واضحة بتفاقم العجز التجاري. فيما تتواصل أزمة الهجرة بلا حل جذري.
ومن وجهة نظر سياسية، يواصل الجانب الرسمي، اعتماد نفس الخطاب المبني على مفاهيم السيادة للشعب، والمؤامرة، ومهاجمة ما يسميه بمنظومة الفساد عبر الدعوة إلى تطهير البلاد والقضاء والإدارة والتشكيك في الاحتجاج ودوافعه.
ومع استمرار هذا الوضع، يعتقد برمضان بن عمر أن ” الحراك الاحتجاجي سيتواصل. وبعد أن شهدنا دورة تراجع كبيرة من 2021 إلى نهاية 2024 الآن سنشهد دورة تصاعدية، ستكون في الصدارة نتيجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
ويضيف أن “وتيرة الاحتجاجات ستكون رهينة بتعامل السلطات معها: فإما أن تختار احتواءها والتفاعل الإيجابي مع مطالب المحتجين، أو أن تلجأ إلى خطاب التشكيك واتهامهم بالتآمر. وهي خيارات سيكون لها تأثير كبير على طبيعة المرحلة المقبلة”.
تؤكد نتيجة تقرير المنتدى الاقتصادي والاجتماعي أن طبيعة الاحتجاجات بدأت تتغير، إذ لم تعد مرتبطة فقط بالنقابات أو الأحزاب، بل باتت تعبر عن قلق شعبي أوسع، وتشهد مشاركة فئات مهمشة وشباب عاطل عن العمل، ما يزيد من تعقيد المشهد ويضاعف من تحديات الحلول، فهل ستنجح السلطات في إدارة الأزمة بحكمة وتفادي “عاصفة الغضب”، أم ستستمر في سياسة الإنكار والمواجهة التي قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد والتوتر في الشارع.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس





