أفريقيا برس – تونس. تحيا المعارضة التونسية على أمل توحيد الجهود للعودة إلى السلطة، من أجل إعادة المسار الديمقراطي في تونس، ولكنها عاجزة عن الدفع نحو مزيد من التقارب وتوحيد الجهود، رغم نجاحها في تحقيق بعض الخطوات لجهة التنسيق الميداني والخروج إلى الشارع ضمن مسيرات مشتركة، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من العمل أمامها لتحقيق نتائج ملموسة. ويرى البعض أن المعارضة التونسية تعيش على حلم العودة، رغم أن جزءاً من التونسيين يرفضونها ويرفضون مَن تصدّر المشهد السياسي بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011، في حين يرى آخرون أن الهدف ليس السلطة في حد ذاتها، بل استعادة الديمقراطية والحقوق والحريات ومكتسبات ما بعد الثورة.
يأتي ذلك في ظل تزايد الاحتقان الشعبي ضد الرئيس قيس سعيّد، وبرز قبل أيام إعلان التحرك الشبابي “جيل زاد” عن إطلاق عريضة وطنية مفتوحة، تطالب باستقالة سعيّد والدعوة إلى تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، وذلك بعد أيام من تنظيم مسيرة احتجاجية حاشدة في 25 يوليو/تموز الماضي احتجاجاً على السلطة والأوضاع التي آلت إليها تونس والأزمة الخانقة التي تمر بها البلاد خصوصاً على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وفي ظل تراجع الحقوق والحريات.
توحيد المعارضة التونسية
في السياق، رأت القيادية في جبهة الخلاص الوطني، عنايات مسلم في حديث لـ”العربي الجديد” أن المعارضة التونسية نجحت في الخروج في مسيرات مشتركة، والهدف إسقاط الانقلاب (الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021)، مبينة أنه لم يتم على الأقل في الوقت الراهن بحث مسألة العودة إلى السلطة، بل أن هدف المعارضة هو إسقاط الانقلاب والعودة إلى الديمقراطية. ولفتت مسلم إلى أن كل معارض يأمل استعادة الحكم من خلال إسقاط الانقلاب والعودة إلى الديمقراطية عبر الانتخابات والعمل بدستور 2014، مرجحة تغيّر السلطة عبر أسس قانونية وسلمية. وأشارت إلى أن أغلب قيادات المعارضة التونسية هم حالياً في السجن ويواجهون أحكاماً ثقيلة، مؤكدة أن مقاومة الانقلاب وحّدت جزءاً هاماً من المعارضة وجمعتهم على نفس المسار رغم أنهم قد لا يتفقون في عديد النقاط. وأضافت مسلم أن دور المعارضة والنخبة هو تغيير الرأي العام وتوعيته حتى لو كان الشارع رافضا، فمع مرور الوقت والوعي بضرورة التغيير سيصطف الشارع معهم للمضي في الطريق الصحيح.
أما المتحدث الرسمي باسم حركة النهضة، عماد الخميري، فاعتبر في حديث لـ”العربي الجديد”، أن تقييم دور المعارضة التونسية بعد 25 يوليو 2021، يحتاج إلى الكثير من الموضوعية والإنصاف، فالمعارضة تختلف، إذ إن هناك من اتخذ موقفاً وذهب في توصيف ما حدث بـ”المسار الإصلاحي”، في حين أنه منذ اللحظة الأولى هناك من قال إنه انقلاب ضد المؤسسات الشرعية وضد الدستور، ومكاسب الثورة، وأن الانقلاب لا يمكن أن يقدم إنجازاً كبيراً اجتماعياً واقتصادياً. وأكد الخميري أن المعارضة التي رفضت الانقلاب كانت معارضة مبدئية، ثم تشكل لاحقاً حراك مواطنون ضد الانقلاب وجبهة الخلاص الوطني، ثم التحقت عدة مكونات بهم، واليوم تتحد المعارضة أكثر. وأوضح أن المعارضة تتفق على أن هذا المسار فاشل وبلا أفق ورؤية، بل أصبح يمثل تهديداً للمسار السياسي، ولمصالح التونسيين في ظل غياب أبسط الخدمات وفقدان العديد من المواد التي أصبحت غير متوفرة.
وأضاف الخميري أن هذا التشخيص هو نقطة التقاء بين مجمل الفاعلين السياسيين المعارضين لمسار 25 يوليو، مبيناً أنهم يلتقون في المسيرات من دون النظر إلى الاختلافات الموجودة بينهم. ولفت إلى أن المعارضة التونسية تعي أكثر من أي وقت مضى، أنها بحاجة للتقييم والتوقف على الأخطاء التي وقعت قبل 25 يوليو، مؤكداً أن هناك عدة مساع لمد اليد نحو مصالحة مع الناس الذين من حقهم الاعتراض على ممارسات سابقة، وأن تكون لهم مواقف نقدية من الطبقة التي حكمت، وضد الأخطاء التي أدت إلى فشل الانتقال الديمقراطي، مضيفا أنه يتم القيام بتقييمات كي تتصالح المعارضة مع أغلب التونسيين. ولفت الخميري إلى أن المشهد العام يشير إلى أن أغلب التونسيين سئموا أيضاً فشل السلطة، ولم تعد الخطابات حول المتآمرين والخونة تستهويهم، أو أن ما يصيب الدولة من عجز، هو نتاج عشرية الانتقال الديمقراطي (مرحلة ما بعد الثورة الممتدة بين عامي 2011 و2021)، بل أن الشارع أصبح يقر بعجز السلطة ويتفق في التشخيص والتقييم مع المعارضة التونسية. بالتالي يلتقي الشارع السياسي مع الشارع الاجتماعي في التقييم، وهو ما يزيد الضغط على السلطة من أجل دفعها إلى الوعي بضرورة إحداث نقلة نوعية والكف عن اتهام خصومها وإنكار الواقع. وأكد الخميري أن المعارضة التونسية تقوم بالدور المطلوب منها سياسياً، والهدف هو نشر الوعي وتقديم توقعات صحيحة من دون تجميل، مشيراً إلى أن مسؤولية الخروج من الأزمة هو في الحقيقة مسؤولية الجميع، من معارضة وحتى مسؤولي الدولة والمنظمات والمجتمع المدني والسياسي.
أما المتحدث الرسمي باسم الحزب الجمهوري، وسام الصغير، فقال في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، إن دور المعارضة التونسية يكمن في المشاركة في الشأن العام، والتفاعل مع التطورات السياسية ومتابعة الأحداث السياسية ومعاينة عمل السلطة. وأضاف أن الوصول إلى السلطة أمر مشروع ولكن جوهر الاهتمام يجب أن يكون وقف حالة العبث والفشل الذي وصلت إليه البلاد. ولفت الصغير إلى أن هذا الهدف يدفعها إلى خلق جبهات نضال لوقف الأزمة، خصوصاً أن مجمل المؤشرات توحي بالانحدار، مؤكداً أن ملف الحقوق والحريات في تراجع وكذلك الجانبان الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن الصحة والبنية التحتية. وتابع أن هذا الوضع يدفع المعارضة التونسية إلى التحرك والبحث عن آليات ووسائل لإيقاف العبث، في ظل رفض سعيّد لأي حوار أو قبول البحث عن حلول مشتركة للأزمة، فإنه لم يعد من حل سوى المسيرات والساحات والتحركات الميدانية لإعلاء الصوت، وطرح القضايا الخلافية للخروج من الأزمة.
ورأى الصغير أن هناك تقارباً ميدانياً بين العديد من القوى السياسية والمدنية، ضمن حراك “نفس”، الذي يجمع القوى السياسية والشخصيات الوطنية المشتركة في توصيف الوضع والتقارب ضمن هذا العنوان للقيام بمهمة موحدة. وأكد أن الغاية من كل هذا ليس إعادة الوجوه القديمة لصدارة المشهد، بل إيقاف العبث ووضع قوس لتفكك الدولة وإنهاء هذه المرحلة. من غير المعقول إعادة رموز أو تنظيمات قديمة إلى الصدارة، ولا توجد أي نية لذلك، وهذا الحراك فرصة لوجوه وكفاءات جديدة وحثها على المشاركة في الشأن العام.
بدوره، كتب مؤسس ائتلاف صمود، وهو أحد المشاركين في حراك “نفس”، حسام الحامي على منصة إكس، الأربعاء الماضي: “كفانا حساباتٍ سياسوية، ولنلتقِ في ساحات النضال. عملت بعد 25 يوليو 2021 على التشبيك بين مختلف الفاعلين، وتقريب وجهات النظر، ورأب الصدوع التي أنهكت المشهد السياسي، وأفقدت النخب السياسية، والنخب بصفة عامة مصداقيتها وثقة جزء مهم من التونسيات والتونسيين. ورغم أنني لم أشارك في منظومات الحكم في أي من الفترات السابقة، فقد انخرطت في اتصالات ولقاءات مع مختلف الفاعلين السياسيين من أجل النضال ضد الاستبداد واستعادة المسار الديمقراطي، مع تلافي أخطاء الماضي”. وأضاف: “في المقابل، آثر عدد من الوجوه التي لم تُستهلك سياسياً وإعلامياً الابتعاد عن الاختلاط بالمشهد، حفاظاً على رصيد النقاوة، واستعداداً للعب أدوار في الفترات القادمة. والحقيقة أن لا أدوار قادمة لأي طرف معارض لسلطة الإستبداد، ما لم نسترجع أولا مواطنتنا وحقوقنا المنتهكة، والاستبداد لا يفرّق بين هذا وذاك، وأنه لن يكون هناك أي تغيير حقيقي ما لم يقم الجميع بتقييم أدائهم وإجراء مراجعات حقيقية، مع تأجيل خلافاتهم وتحويلها إلى تنافس سياسي مشروع في إطار نظام ديمقراطي”.
أما الناشط السياسي، زبير الشهودي، فكتب عبر “إكس”: “المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج الاستقطاب القديم، ولا البحث عن منتصر في معركة التعريف، وإنما تحويل المعارضة التونسية إلى قوة تغيير ضمن مسار تغيير الأوضاع القائمة، والرهان على عودة الديمقراطية بصورة أكثر رسوخاً، وعلى مشاركة وطنية أوسع”. وأضاف أن “النخب التونسية تحتاج اليوم إلى الانتقال من منطق الاعتراض والاصطفاف إلى منطق التغيير والمسؤولية، ومن تمثيل المجتمع في الخطاب إلى الإصغاء الحقيقي إليه، فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات ومؤسسات، وإنما ثقافة مشاركة وإدارة للاختلاف واحترام للقانون، وهي في الوقت نفسه وسيلة لحماية التعدد وصيانة الدولة”. ولفت إلى أن تونس أثبتت أن الشارع يستطيع أن يصنع لحظة تاريخية، لكنه ليس صوتاً واحداً، وأن النخب تستطيع التأثير فيه لكنها ليست مالكة له، فالتاريخ لا تصنعه النخب وحدها، ولا الشارع وحده، وإنما تصنعه قدرة المجتمع والدولة والنخب على تحويل لحظات الأزمة إلى فرص لبناء أكثر استقراراً.
يأس داعمي الانقلاب
من جانبه، اعتبر المحلل أحمد الغيلوفي أن هناك جهوداً ملموسة من طرف المعارضة التونسية للاتحاد، وقد تجلى ذلك من خلال التظاهرات والمسيرات المشتركة التي شاركت فيها أغلب القوى والأحزاب والمكونات من جبهة الخلاص وحركة النهضة والجمهوري والتيار الديمقراطي وحراك “نفس” والعديد من النشطاء والمستقلين. وأكد في حديث لـ”العربي الجديد”، أن هناك الكثير ممن ذهبوا في البداية في اتجاه دعم الانقلاب ثم يئسوا منه والتحقوا بالشارع، مشيراً إلى أن هناك عدة ندوات مشتركة تعقد للتقييم وتبادل وجهات النظر، وهناك أخرى ستُنظّم قريباً لاستشراف مرحلة ما بعد الانقلاب. وأضاف أن هناك جهوداً تُبذل، وصحيح أنه لا يمكن أن ننتظر أن تُسقط الانقلاب لعدة أسباب، منها أن هناك شرخاً واضحاً بين الطبقة السياسية والشارع، ولكن ربما في صورة تكرار أخطاء فادحة من قبل سلطة قيس سعيّد، سواء على الصعيد البيئي أو الغلاء الفادح في الأسعار والتضخم أو بسبب نقص الماء وانقطاع الكهرباء الذي لم يعتده التونسيون.
وأضاف الغيلوفي أن المخلوع زين العابدبن بن علي لم تسقطه الطبقة السياسية بل الشارع التونسي، ثم انضمت إليه الطبقة السياسية، لكنها للأسف أفسدت أحلام الناس. ولفت إلى أن الطبقة السياسية ساعدت قيس سعيّد في الوصول إلى السلطة، وذلك بفضل صراعاتها وتناحرها. وقال الغيلوفي إنه في صورة تفكك الجبهة الداخلية وإذا ضعفت القوى السياسية والمدنية مع ضعف واضح في السلطة، فإنّ تونس ستكون ملفاً بارزاً بيد قوى إقليمية ودولية هي التي سترتب وضعها وسلطتها، وبرنامجها وحتى القوى المشاركة لاحقاً. واعتبر أن إسقاط سعيّد، إن لم يكن بيد الشارع، فسيكون بيد قوى إقليمية وحلفائها، مؤكداً أن هناك عدة بوادر لتلك الترتيبات، مؤكداً أن المعارضة التونسية إن لم تصل إلى اتفاق فإن مصيرها ومصير البلاد سيكون بيد غيرها.





