أفريقيا برس – تونس. اشتدت أزمة فقدان المواد الأساسية كالغذاء والدواء في تونس منذ يوليو/ تموز المنقضي، مع انقطاعات متكررة في الماء والكهرباء وفي ظل أزمة سياسية حادة وملاحقات قضائية للمعارضين والنشطاء، ما أثر سلبا على الوضع العام بالبلاد وسط تحذيرات متتالية من حدوث أزمة اجتماعية “عنيفة”.
وتعرف البلاد تحركات احتجاجية عديدة بأغلب المناطق، على خلفية الانقطاعات المتكررة للكهرباء والتي أحدث أضرارا بالمواطنين والتجار، وزاد الوضع تعقيدا المأساة الأخيرة منذ أيام والمتمثلة في غرق مركب هجرة غير نظامية على متنه 15 شابا من مدينة بن قردان (جنوبا)، حيث تشهد الجهة احتجاجات ليلية غاضبة لليوم الثالث على التولي، استوجبت تعزيزات أمنية واستخدام الغاز المسيل للدموع.
قراءة اقتصادية
وقال الدكتور والخبير في الاقتصاد رضا الشكندالي، إن: “تونس تعيش اليوم أزمة اقتصادية متعددة الأبعاد، لم تعد تقتصر على ضعف النمو وارتفاع المديونية واختلال التوازنات الداخلية والخارجية، بل أصبحت تمس القدرة على توفير حاجيات المواطن الأساسية، فضعف الاستثمار والنمو، وتزايد الاعتماد على التمويل الداخلي، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تجعل الخروج من الأزمة أكثر صعوبة”.
وفسر الخبير ” أن “تفاقم الأزمة مع اضطراب التزويد ونقص عدد من المواد الأساسية وخاصة الخضار والغلال واللحوم والأدوية وارتفاع أسعارها، بما جعل المواطن يواجه صعوبة متزايدة في توفير حاجياته اليومية، كما أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء خلفت تداعيات اقتصادية سلبية على الإنتاج والتجارة والخدمات، في حين أصبحت انقطاعات الماء، خاصة خلال فترات الحر، تمثل مشكلة اجتماعية واقتصادية متكررة، ووصل الأمر إلى صعوبة توفر المياه المعدنية وارتفاع أسعارها في الأسواق الموازية”.
ولفت “أما أزمة الدواء، فهي الأخطر لأنها تمس الأمن الصحي مباشرة، فالنقص في بعض الأدوية، إلى جانب ارتفاع أسعار بعضها والصعوبات المالية التي تواجه منظومة التزويد، يهدد انتظام العلاج ويضع ضغطاً إضافياً على المواطن وعلى الصيدليات والمؤسسات الصحية”.
وأشار “وبذلك لم تعد الأزمة التونسية مجرد أزمة مالية أو مديونية، وإنما أصبحت أزمة قدرة على ضمان النمو، والتشغيل والقدرة الشرائية والتزويد المنتظم بالغذاء والماء والكهرباء والدواء، وهذا ما يجعلها أقرب إلى أزمة اقتصادية واجتماعية شاملة، تتطلب الانتقال من مجرد إدارة الأزمات المتتالية إلى إصلاح عميق يعيد الاستثمار والإنتاج والثقة إلى قلب السياسة الاقتصادية”.
وخلص الخبير إلى أن “تجاوز الأزمة ممكن، لأن تونس تمتلك إمكانات وقطاعات قادرة على استعادة النمو “مستدركا” لكن استمرار الوضع الحالي دون إصلاحات حقيقية قد يحول الأزمة إلى أزمة مزمنة، تكون كلفة الخروج منها أعلى اقتصادياً واجتماعياً”.
“عجز السلطة” و”تحذير”
وأكد المحلل السياسي نور الدين الغيلوفي أن “تجاوز الأزمات يكون بتشخيصها ودراستها دراسة علمية دقيقة من قِبل المختصّين ووصف معالجاتها على المستوى القريب والبعيد، فكلّ المجتمعات تعيش أزمات في سياقات معينة، ومسؤولية الدولة أن تُعمل عقلها في تجاوزها”.
واعتبر الغيلوفي أن، “القائمين على الدولة لا يبدو أنهم يفقهون من إدارة الشأن العام شيئا، كلّ همهم كيف يستمسكون بالسلطة، بدل النظر في المشاكل والعمل على حلها يفتعلون معارك مع خصوم وهميين يتّهمونهم بأنّهم وراء الأزمات”.
وأضاف منتقدا “الأمور على أحسن حال ولا وجود لقصور ولا لتقصير ولا لأخطاء، الإنجاز ينسبونه إلى أنفسهم والعجز يتنصّلون منه، وهذا سلوك دكتاتوريات تقليدي”.
وشدد “المشكل أنّه ما من إنجاز واحد يمكن أن يُذكر لسلطة 25 تموز/ يوليو، عجز مطبق لا يمكنه أن يتخيّله العقل”.
بدوره قال الناطق الرسمي السابق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر: “الأزمة الحالية كانت لها مؤشرات واضحة منذ مدة وحتى وفق الأرقام الرسمية للدولة التونسية، وبالتالي كان هناك علم عند السلطة أنها قادمة على أزمة في علاقة بالكهرباء والماء والوضع الصحي والبنية التحتية”.
وفسر بن عمر في تصريح خاص، “اليوم لم يعد هناك إنفاق على السياسات العمومية، وهو ما ينذر بأن الأزمة ستأخذ أشكالا أخرى خاصة في ظل حالة الإنكار الرسمية والتي ترجع الأزمات للمؤامرات”.
وأوضح أن “السلطة تحاول إنكار الأزمة، ولا أحد يتوقع السيناريوهات القادمة ولكن مع تمترس النظام في نفس الخطاب والممارسات فإنه من الممكن الوصول إلى حلقات أخرى من الاحتجاج العنيف كما هو حاصل ببن قردان”.
وختم قائلا إن “الكرة عند السلطة بإطلاق حالة من الانفراج السياسي مع حلول عاجلة اقتصاديا واجتماعيا من أجل إعادة الأمل، وإلا فإننا نتجه نحو أزمة أكثر حدة وربما تتخذ أشكالا عنيفة”.





