زيادة أسعار الدواء 550%… هل أصبحت تونس بلا دعم صحي؟

زيادة أسعار الدواء 550%... هل أصبحت تونس بلا دعم صحي؟
زيادة أسعار الدواء 550%... هل أصبحت تونس بلا دعم صحي؟

هدى الطرابلسي

أفريقيا برس – تونس. في الوقت الذي كانت فيه الأسر التونسية تنتظر انفراجاً في أزمة التزويد بالأدوية، فوجئ الرأي العام بصدور المنشور الرسمي عدد 30 لسنة 2026 عن الصيدلية المركزية التونسية، والمتعلق برفع أسعار أكثر من 300 دواء، بلغ في بعض الأصناف نحو 550 في المئة، مما أعاد الجدال حول مستقبل سياسة دعم الدواء في البلاد.

ودخلت هذه الزيادات حيز التنفيذ بداية أغسطس (آب) الجاري، لتشمل قائمة واسعة من الأدوية التي يعتمد عليها آلاف المرضى يومياً، من بينها علاجات أمراض القلب والسكري والغدة الدرقية وأمراض الدم، إضافة إلى أدوية الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي وبعض الفيتامينات والمكملات العلاجية.

انعكاسات اجتماعية

تؤكد الصيدلية المركزية في بيان لها أن هذه المراجعة تندرج في إطار التحيين الدوري لأسعار الأدوية الموردة، بهدف التحكم في نفقات التوزيع وضمان استمرارية التزويد بالسوق. غير أن حجم هذه الزيادات وطبيعة الأدوية المعنية بها يطرحان، بحسب المهتمين بالشأن الصحي والاجتماعي، تساؤلات حول انعكاساتها الاجتماعية والصحية، بخاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.

وتواجه الصيدلية المركزية التونسية، وهي المحتكر القانوني لتوريد الأدوية إلى البلاد، ضغوطاً مالية متزايدة منذ أعوام نتيجة تراكم ديونها لدى المستشفيات العمومية والصناديق الاجتماعية، وارتفاع كلفة التوريد بسبب تراجع قيمة الدينار وزيادة الأسعار العالمية للأدوية والمواد الأولية.

الدواء حق أساس

في هذا السياق أفاد الصحافي الفاهم بوكدوس بأن الزيادات الأخيرة في أسعار أكثر من 300 دواء لا يمكن اعتبارها مجرد مراجعة تجارية للأسعار، بل تمثل أعباءً مالية إضافية على المرضى، بخاصة أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى أدوية بصورة مستمرة.

وأوضح بوكدوس أن هذه الأدوية مرتبطة بعلاجات أساسية لأمراض مثل السكري والقلب والغدة الدرقية وأمراض الدم وغيرها، مشدداً على أن المريض لا يملك خيار تأجيل العلاج أو التخلي عنه، لأن الدواء بالنسبة إليه ليس سلعة عادية وإنما ضرورة مرتبطة بحقه في الصحة والحياة.

وأضاف أن أزمة منظومة الدواء في تونس حقيقية، في ظل الصعوبات المالية التي تواجهها الصيدلية المركزية نتيجة تراكم ديون المؤسسات العمومية والصناديق الاجتماعية، إلى جانب ارتفاع كلفة التوريد وتراجع قيمة الدينار، لكنه أكد أن الحل لا يمكن أن يقتصر على تحميل المواطن كلفة إضافية.

يُعد تعديل أسعار الدواء الثاني من نوعه، إذ سبق أن عدّلت الصيدلية المركزية أسعار أكثر من 280 صنفاً في يوليو الماضي (اندبندنت عربية)

وأشار إلى أن الإشكال أعمق من مسألة الأسعار، فهو يرتبط بخلل هيكلي في طريقة تمويل المنظومة وتأخر سداد المزودين والحاجة إلى إصلاحات تضمن استدامة قطاع الدواء.

وأضاف بوكدوس، المتابع لهذا الملف، أن رفع أسعار الأدوية قد يوفر حلاً ظرفياً للأزمة المالية، لكنه لا يعالج جذورها، وقد يؤدي إلى صعوبات أكبر بالنسبة إلى بعض المرضى الذين قد يجدون أنفسهم عاجزين عن مواصلة العلاج بسبب ارتفاع الكلف.

وأكد أن المطلوب اليوم هو إصلاح شامل لمنظومة الدواء، يقوم على دعم الصناعة الدوائية الوطنية وتقليص التبعية للتوريد وتحسين آليات تمويل الصيدلية المركزية والصناديق الاجتماعية، مع وضع إجراءات لحماية المرضى، لاسيما الفئات الهشة وأصحاب الأمراض المزمنة.

وختم بوكدوس بالتأكيد على أن الدواء ليس مجرد سلعة تخضع لقواعد السوق، بل هو حق أساس، وأن نجاح أي إصلاح يجب أن يُقاس بقدرته على ضمان توفر العلاج وعدم تحويل المريض إلى الطرف الذي يدفع ثمن اختلالات المنظومة الصحية.

ويُعد تعديل أسعار الدواء الثاني من نوعه، إذ سبق أن عدّلت الصيدلية المركزية أسعار أكثر من 280 صنفاً في يوليو (تموز) الماضي، بينما شهد العام الجاري تواتر انقطاع الدواء من الأسواق.

قرار مفاجئ

من جانبه قال رئيس لجنة الصحة في البرلمان عز الدين التايب إن التعديل الأخير في أسعار الأدوية يدخل تحت خانة سياسة رفع الدعم، مشيراً في تصريح خاص إلى أن القرار فاجأ الجميع، وحتى البرلمان نفسه الذي لم تجرِ استشارته أو مناقشة تداعيات هذا التعديل على المواطنين، وفق ما صرح به.

وأكد أن لجنة الصحة ستطالب بتوضيحات في شأن دواعي التعديل الأخير في أسعار الأدوية والمردودية المالية المرتقبة منه وتأثيره على المواطنين عامة والمرضى خصوصاً”، ورأى أن إصلاح الوضع المالي للصيدلية المركزية كان ممكناً من دون اللجوء إلى الزيادة، وذلك عبر رقمنة مسارات توزيع الدواء وبيعه والحد من هدره.

كذلك لفت التايب إلى أن دعم الدواء ملف اجتماعي وصحي في غاية الحساسية، يُفترض أن يكون محل مناقشات واسعة النطاق نظراً لتداعياته المباشرة على حق الصحة.

ويشار إلى أن قرار رفع أسعار الدواء سبقه مسار طويل من نقص فادح في أصناف عدة من الأدوية في الصيدليات الخاصة وصيدليات المستشفيات العمومية، التي باتت تطلب من المرضى اقتناءها على حسابهم الخاص، بما في ذلك المدرجون ضمن قائمات العائلات الفقيرة التي تتمتع ببطاقات العلاج المجانية أو منخفضة التعريفة. هذا الوضع أجبر عدداً كبيراً من مرضى الفئات الهشة والمعوزة على ترك علاجاتهم، إما بسبب فقدان الدواء في الأسواق أو بسبب إيقاف إعطائه مجاناً في المستشفيات الحكومية وارتفاع سعره في الصيدليات الخاصة.

ترك الأمر على الله

يقول العم سالم، رجل سبعيني متقاعد، إنه انقطع عن تناول دواء السكري منذ نحو شهرين، بسبب فقدانه في صيدلية المستشفى العمومي الذي كان يحصل عليه منه مجاناً.

وأضاف أنه “عوض الدواء بالأعشاب الطبيعية، مع محاولة اتباع حمية غذائية لتجنب ارتفاع مستوى السكر في الدم، إلى أن يتمكن من توفير المبلغ اللازم لشراء دوائه المعتاد”.

ويضيف الرجل أن السكري ليس المرض الوحيد الذي يعانيه، إذ يعاني أيضاً ارتفاع ضغط الدم، يقول “للأسف، غلاء أسعار الأدوية في الصيدليات الخاصة، وأحياناً فقدانها، يجعلني أفكر في التخلي عن كل الأدوية وأترك أمري لله”.

أما مريم، وهي سبعينية تعيش بمفردها في أحد الأحياء الشعبية، فتقول إنها لم تعد تتناول دواء القلب، لأنه غالي الثمن مقارنة بمنحة الفقر التي تحصل عليها من الدولة.

وتواصل الخالة مريم قائلة إن المستشفى العمومي الذي تتلقى فيه العلاج لا يوفر لها الدواء مجاناً، مما يجعلها عاجزة عن اقتنائه بانتظام.

من جهتها، أكدت النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة أن الصيادلة لم يشاركوا في إعداد مراجعة أسعار نحو 300 دواء، بعد إقصاء النقابة منذ نحو عام من لجنة شراء الأدوية ومرصد الدواء. وشددت على أن مراجعة الأسعار يجب أن تستند إلى معايير واضحة وشفافة، تراعي القدرة الشرائية للمواطن واستمرارية توفير الأدوية وديمومة الصيدليات.

وأوضحت النقابة أن الصيادلة ملزمون قانوناً تطبيق الأسعار الرسمية الجديدة فور دخولها حيز النفاذ، ولا يملكون صلاحية تعديلها أو رفض تطبيقها، داعية في المقابل إلى اعتماد آلية موضوعية لمراجعة الأسعار تأخذ بعين الاعتبار تطور أسعار المواد الأولية وصرف العملات وهوامش الصيدليات.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here