هل اختار اتحاد الشغل النأي بنفسه عن السياسة في تونس؟

10
هل اختار اتحاد الشغل النأي بنفسه عن السياسة في تونس؟
هل اختار اتحاد الشغل النأي بنفسه عن السياسة في تونس؟

أفريقيا برس – تونس. ارتبط الاتحاد العام للشغل، أكبر منظمة نقابية، بالشأن الاجتماعي والسياسي في تونس، منذ مرحلة ما قبل الاستقلال (1956)، وصولاً إلى ما بعد 2011، حيث لعب دوراً تعديلياً في مختلف حقبات التاريخ السياسي المعاصر في البلاد.

وتغيرت أدوار اتحاد الشغل الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى أربعينيات القرن الماضي، بحسب السياق السياسي، حيث ناضلت قياداته ومنتسبوه ضد الاستعمار الفرنسي، ثم أسهم في بناء الدولة في بداية الستينيات، ودخل في مواجهة مع السلطة في أحداث يناير (كانون الثاني) 1978، ثم في أحداث الخبز سنة 1983، كما احتضن الأصوات المعارِضة، في مختلف المحطات التاريخية التي عاشتها تونس، وأسهم في رسم ملامح مرحلة ما بعد 2011، ولعب دوراً ريادياً في الحوار الوطني لسنة 2014، عندما غرقت البلاد في أزمة سياسية خطيرة، توجت بنيل الرباعي الراعي للحوار الوطني (الاتحاد العام التونسي للشغل، اتحاد الصناعة والتجارة، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهيئة المحامين) جائزة نوبل للسلام سنة 2014.

وواصل الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد 2011، دوره في المشهد السياسي، من خلال اقتراح حوار وطني لإخراج البلاد من حال التفكك والصراعات السياسية التي سبقت لحظة 25 يوليو (تموز) 2021.

ورحب الاتحاد بإعلان رئيس الجمهورية، قيس سعيد، الإجراءات الاستثنائية، إلا أنه حذر من الانفراد بالسلطة، ودعا إلى المشاركة في تقييم ما تحتاجه البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

ولم يستعد الاتحاد العام التونسي للشغل دوره المعهود في المرحلة التي تلت 25 يوليو 2021، ولم يشارك في الحوار الذي دعا إليه قيس سعيد، وحذر من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة السياسية التي تردت فيها تونس.

فهل تراجع فعلاً دور اتحاد الشغل في تشكيل المشهد السياسي، وهل سيكتفي بدوره النقابي الاجتماعي، وما تداعيات عدم الاتفاق مع الحكومة حول الزيادة في الأجور في ظل تدهور المقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار؟

“الاتحاد” لا يتحمل مسؤولية الوضع الراهن

تتباين المواقف من الأداء “السياسي” للمنظمة النقابية، بين من يعتبر دوره التعديلي ضرورياً في مختلف السياقات السياسية التي تمر بها تونس، وبين من يرى ضرورة وقوفه على الحياد واكتفائه بالدور النقابي الاجتماعي، مع ضرورة مراعاة الظرف الاقتصادي للدولة التونسية.

ويؤكد أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة التونسية عبد الجليل بوقرة، لـ”اندبندنت عربية”، أن “الاتحاد العام التونسي للشغل، احتضن القوميين واليسار التونسي، لسنوات عندما كانوا ممنوعين من النشاط السياسي”، منوهاً بـ”الدور الريادي الذي اضطلع به في الحوار الوطني، عندما وقف على المسافة نفسها مع مختلف الفرقاء السياسيين”.

ويضيف بوقرة، أن “الاتحاد ليس له موقف سياسي محدد، وقد تعرض لشتى الهجمات من مختلف الجهات السياسية”، مشيراً إلى أن “الاتحاد لا يتحمل أي مسؤولية في الوضع الراهن في تونس سياسياً”، داعياً قيس سعيد إلى لقاء الأمين العام للاتحاد، نور الدين الطبوبي، من أجل “إيجاد حل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة، تفادياً لانفجار الوضع”، محذراً من فوضى اجتماعية كبيرة.

طبيعة المرحلة والملف الاجتماعي

من جهته، يشدد الكاتب الصحافي والنائب السابق في البرلمان، هشام الحاجي، على “دور الاتحاد المتعدد الأبعاد، اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، ولا يقتصر على الفعل النقابي فحسب”، لافتاً إلى أن الاتحاد قد يكون “فضل التركيز على الجانب الاجتماعي في الظرف الراهن، لأن طبيعة المرحلة تتطلب ذلك الخيار، في غياب رهانات سياسية واضحة المعالم”.

ويضيف الحاجي، أن “اتحاد الشغل غير معني بالصراع بين رئيس الجمهورية وخصومه، لذلك اختار التركيز على ضرورة تفعيل الاتفاقيات المشتركة، والمطالبة بالترفيع في الأجور لتحسين القدرة الشرائية لعموم الأجراء التونسيين”.

ولم يخف النائب السابق، “تخوفه من انفجار اجتماعي في غياب أي منجز اجتماعي، خلال فترة إدارة قيس سعيد، للشأن العام، بينما يتجه الوضع الاقتصادي العالمي إلى صراعات حادة واقتصاد الندرة، في الأثناء تتنامى داخلياً ظاهرة الهجرة السرية، وتدهور لافت للوضع الأمني والاجتماعي، ويتزايد السخط الشعبي من الطبقة السياسية”.

الاتحاد منظمة نقابية وليس حزباً

في المقابل، لا ينكر الناشط السياسي ورئيس حزب “التحالف من أجل تونس”، “الدور الكبير الذي لعبه الاتحاد العام التونسي للشغل، في تعديل الكفة في الشأن الاجتماعي”، إلا أنه يعيب على قيادة الاتحاد “انخراطها الكلي في العمل السياسي، وهو ما يتعارض مع الدور الأساسي للاتحاد كمنظمة نقابية، تدافع عن حقوق العمال وتحصيل مكاسب اجتماعية لهم”.

ودعا الناصري قيادة الاتحاد إلى “نأي نفسه عن التجاذبات السياسية، والبقاء على الحياد في الشأن السياسي، والتركيز على دوره الاجتماعي دون سواه”.

وأضاف، أن الاتحاد يجب أن “يتفهم الوضعية الاقتصادية للبلاد، لأن حكومة نجلاء بودن، هي حكومة تصريف أعمال، وغير قادرة على الالتزام بتعهدات في الزيادة في الأجور، في انتظار تركيز مشهد سياسي مغاير وبحكومة مستقرة بعد انتخابات ديسمبر (كانون الأول) المقبل”.

وخلُص رئيس حزب “التحالف من أجل تونس” إلى أن “الوضع الاجتماعي مؤهل للانفجار، خصوصاً في ظل الأزمة الراهنة بين الاتحاد والحكومة”.

“حبل الود لم ينقطع مع الحكومة”

وكان الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، أكد في وقت سابق في كلمته خلال أعمال المؤتمر الـ27 للاتحاد الجهوي للشغل في صفاقس، أن “تاريخ العمل النقابي للاتحاد مشرف، يدافع عن العباد والبلاد وعن القضايا الوطنية والإنسانية العادلة”.

وشدد الطبوبي في تصريحات صحافية على أنه “رغم التباين الحاصل في وجهات النظر بين الاتحاد ورئاسة الحكومة حول المفاوضات الاجتماعية، فإن حبل الود لم ينقطع ولا يزال الاتحاد يبحث مع رئاسة الحكومة عن نقطة التقاء”، معتبراً أن البلاد تمر بظرف اقتصادي واجتماعي دقيق لا يمكن أن نتجاوزه إلا بتضامن وطني حقيقي.

يراقب الاتحاد العام التونسي للشغل عن كثب مآلات المشهد السياسي بعد الانتخابات المقررة في ديسمبر المقبل، وستتجه مواقفه باتجاه تعديل البوصلة من أجل مشهد سياسي متوازن، مع تحصيل مكاسب اجتماعية للعمال لضمان السلم الاجتماعية، بعد التوصل إلى اتفاق مع الحكومة قد يستجيب لتطلعات التونسيين، ويحول دون انفجار الأوضاع.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here