هل تقترب حرب المسيّرات من تونس؟

هل تقترب حرب المسيّرات من تونس؟
هل تقترب حرب المسيّرات من تونس؟

أفريقيا برس – تونس. هل أصبحت تونس مهددة بامتداد حرب المسيّرات التي تشهدها مناطق في غرب ليبيا؟ وهل يمكن أن تتحول التوترات الأمنية والعسكرية في مدينة الزاوية ومحيطها، وما رافقها من استهدافات للمنشآت الحيوية والنفطية، إلى مصدر تهديد مباشر للأراضي التونسية؟ أم أن المخاوف المتداولة تتجاوز في الوقت الراهن حجم الخطر الفعلي؟

هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة مع التطورات الأمنية الأخيرة في غرب ليبيا، ولا سيما مع تزايد استخدام الطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية واستهداف مواقع مرتبطة بالبنية التحتية والمنشآت الحيوية. فانتقال الصراع الليبي إلى مرحلة تستخدم فيها المسيّرات بصورة أكثر كثافة يفتح الباب أمام مخاطر جديدة لا تتوقف عند حدود ليبيا، بل قد تطال دول الجوار، وفي مقدمتها تونس بحكم القرب الجغرافي وطول الحدود المشتركة.

ومع ذلك، لا توجد حتى الآن معطيات موثوقة تثبت وجود مخطط لاستهداف تونس بالطائرات المسيّرة، كما أن الهجمات التي شهدتها مناطق في غرب ليبيا لا تعني أن المجال الجوي التونسي أصبح مهددًا بصورة مباشرة أو أن انتقال الحرب إلى الأراضي التونسية بات أمرًا حتميًا.

لكن تجاهل الاحتمال سيكون بدوره خطأً في التقدير.

فالخطر لا يرتبط فقط بإمكانية عبور مسيّرة للحدود، وإنما أيضًا باحتمال انتقال بعض أدوات وأساليب الصراع الليبي إلى البيئة الأمنية التونسية. ويشمل ذلك تهريب الطائرات المسيّرة أو مكوناتها، استخدامها في عمليات استطلاع أو تهريب، أو توظيفها مستقبلاً من قبل جماعات مسلحة تسعى إلى إرباك الأجهزة الأمنية أو استهداف منشآت حساسة.

وتزداد حساسية هذا الاحتمال بالنظر إلى تجربة تونس مع الجماعات المسلحة خلال العقد الماضي. فقد واجهت البلاد تنظيمات جهادية مسلحة، من بينها «أنصار الشريعة» و«كتيبة عقبة بن نافع» وغيرها من الشبكات المرتبطة بالإرهاب، وتمكنت الأجهزة الأمنية والعسكرية من تفكيك جزء كبير من قدراتها وضرب بنيتها العملياتية.

غير أن تراجع هذه التنظيمات لا يعني اختفاء الخطر بصورة نهائية. فبعض العناصر المتطرفة قد تحاول استغلال الفوضى الإقليمية، أو تستفيد من شبكات التهريب والمسالك الحدودية، أو تبحث عن وسائل جديدة لتنفيذ عمليات منخفضة التكلفة وعالية التأثير. وهنا يمكن أن تصبح المسيّرات أداة جذابة لأي جهة مسلحة تسعى إلى تنفيذ هجوم أو مراقبة هدف من دون المخاطرة بإرسال عناصر إلى الموقع.

كما أن التوترات السياسية والاجتماعية الداخلية تمثل عاملًا آخر ينبغي عدم تجاهله. فالجماعات المناوئة للنظام، سواء كانت ذات طابع سياسي أو راديكالي، قد تحاول استغلال أي اضطراب أمني أو إقليمي لإعادة طرح نفسها أو الضغط على الدولة. غير أن الربط المباشر بين هذه الأطراف وبين احتمال تنفيذ هجمات بالمسيّرات يحتاج إلى أدلة واضحة، ولا يمكن التعامل معه كحقيقة قائمة على مجرد المخاوف أو التكهنات.

الأهم في قراءة هذه التطورات هو التحول الكبير الذي عرفته منظومة حماية الحدود التونسية خلال السنوات الأخيرة.

فقد استثمرت تونس في تعزيز مراقبة حدودها، وخاصة الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية المحاذية لليبيا، من خلال منظومات للمراقبة والاستطلاع والاتصالات والإنذار المبكر. كما استفادت القوات التونسية من رادارات وأنظمة مراقبة أرضية وطائرات للاستطلاع والمراقبة وتجهيزات استشعار تساعد على رصد التحركات غير العادية في المناطق الحدودية.

ولا يعني ذلك أن تونس محصنة ضد كل الاحتمالات. فالحدود الطويلة مع ليبيا، وطبيعة التضاريس والمسالك الصحراوية، وحركة الأشخاص والبضائع بين البلدين، تجعل مهمة المراقبة المستمرة تحديًا أمنيًا دائمًا.

كما أن التطور السريع في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة يفرض على تونس تحديث قدراتها بصورة مستمرة. فالمسيّرات الحديثة أصبحت أكثر قدرة على التحليق لمسافات طويلة، وجمع المعلومات، وتجاوز بعض أنظمة المراقبة التقليدية، ما يجعل التعامل معها جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الحدودي الحديثة.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل ستنتقل حرب المسيّرات من ليبيا إلى تونس حتمًا؟ بل: هل تستعد تونس لاحتمال استخدام هذه التكنولوجيا ضد أهدافها؟

السيناريو الأكثر خطورة لن يكون بالضرورة حربًا شاملة، وإنما عمليات محدودة تستهدف إرباك الدولة أو ضرب منشآت حساسة أو استغلال الحدود لتنفيذ عمليات نوعية. وقد تكون المنشآت النفطية والطاقة، والمطارات، والمنشآت العسكرية، ومراكز الاتصالات من بين المواقع التي تستوجب مستويات أعلى من الحماية والمراقبة.

وفي هذا السياق، تكتسب حماية المنشآت الحيوية أهمية مضاعفة، ليس لأن هناك مؤشرات مؤكدة على وجود هجمات وشيكة، وإنما لأن تطور الصراع في ليبيا يثبت أن المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية يمكن أن تتحول إلى أهداف في النزاعات المسلحة.

لكن تونس اليوم ليست تونس التي كانت عليها قبل أكثر من عقد. فقد راكمت أجهزتها الأمنية والعسكرية خبرة واسعة في مواجهة الجماعات المسلحة، وطورت منظومة مراقبة حدودية أكثر تقدمًا، إلى جانب التعاون الدولي والتدريب وتبادل المعلومات.

لذلك، فإن التعامل مع خطر المسيّرات يجب أن يقوم على اليقظة لا على الهلع. فالتطورات في الزاوية وغيرها من مناطق غرب ليبيا تستوجب مراقبة دقيقة، لكنها لا تعني تلقائيًا أن تونس أصبحت على «حافة الانفجار».

الخطر الحقيقي يكمن في احتمال تداخل الأزمات الإقليمية مع نقاط الضعف الداخلية. وكلما طال أمد عدم الاستقرار في ليبيا، وازدادت سهولة الحصول على تقنيات المسيّرات، ارتفعت الحاجة إلى تعزيز أنظمة الرصد والإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية، بالتوازي مع مراقبة شبكات التهريب والتنظيمات المسلحة.

وفي النهاية، لا توجد اليوم مؤشرات موثوقة تسمح بالقول إن حرب المسيّرات الليبية انتقلت إلى تونس أو أنها ستنتقل إليها حتمًا. لكن الجغرافيا وحدها تفرض على تونس أن تتعامل مع التطور باعتباره احتمالًا أمنيًا يجب الاستعداد له، خصوصًا في ظل تجربة البلاد السابقة مع الجماعات المسلحة وتطور طبيعة الحروب في المنطقة.

المعادلة إذن ليست بين «حرب قادمة» و«خطر غير موجود»، وإنما بين واقع إقليمي متغير ودولة مطالبة بأن تكون أكثر استعدادًا لأي مفاجأة. وتونس، بما راكمته من خبرة أمنية وقدرات مراقبة، تملك أدوات مهمة لمنع تحول التوتر الليبي إلى تهديد مباشر لأمنها، شرط أن تظل اليقظة الأمنية متقدمة على تطور الخطر، لا أن تنتظر وصوله إلى حدودها.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here