عاطف أبو سيف لـ “أفريقيا برس”: غزة تتعرض لحرب إبادة وما حدث في النكبة لن يتكرر

عاطف أبو سيف لـ
عاطف أبو سيف لـ "أفريقيا برس": غزة تتعرض لحرب إبادة وما حدث في النكبة لن يتكرر

أفريقيا برس – تونس. “هذا عدوان همجي وبربري، دولة الاحتلال تريد أن تبيدنا من الوجود”، بمثل هذه الكلمات وصف وزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف في حواره مع “أفريقيا برس” واقع قطاع غزة منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى حيث أكد أن “القطاع يتعرض لحرب إبادة جماعية من قبل القوات الإسرائيلية هدفها تهجير السكان استكمالا لمشروع النكبة”.

وأكد أبو سيف أن “الأولوية بالنسبة للفلسطينيين في الوقت الحالي هو إيقاف العدوان على القطاع من خلال توحيد الجبهة الداخلية وكسب تأييد العالم العربي والإسلامي والمجتمع الدولي للجم آلة الحرب الإسرائيلية”، لافتا “أنه رغم وحشية الاحتلال إلا أن الفلسطينيين لن يغادروا بيوتهم وسيواصلون النضال لأجل الدفاع عن قضيتهم وسيعملون على توثيق الجرائم والممارسات الإسرائيلية بحقهم في المحاكم الدولية لخلخلة الانحياز والتأييد العلني لإسرائيل”، حسب وصفه.

وعاطف طلال إبراهيم أبو سيف هو كاتب وروائي وسياسي فلسطيني، كلفته مفوضية الإعلام والثقافة والتعبئة الفكرية في حركة فتح في 5 فبراير 2018 مُتحدثًا باسم الحركة، كما يشغل منذ 13 أبريل 2019 منصب وزير الثقافة ضمن حكومة محمد اشتية.

حوار آمنة جبران

كيف يمكن أن تصف الأوضاع في غزة وأنتم معرضون للقصف في أي لحظة بعد انطلاق عملية طوفان الأقصى؟

في البداية ما يتعرض له قطاع غزة هو حرب إبادة جماعية تقوم بها دولة الاحتلال تريد من خلالها إزالة قطاع غزة وسكان القطاع من الوجود وتريد أن تستكمل مشروع النكبة التي بدأته عام 1945 وحاولت طوال ال75 عاما الماضية استكماله من أجل محو شعبنا وإزالته ومن أجل مواصلة مشروعها في الهيمنة على المنطقة تحديدا من خلال استكمال وإحكام قبضتها على فلسطين لأن مشروع الاستيطان الذي بدأ سواء في الضفة أو في قطاع غزة لم يفلح بشكل كامل في فرض هذه الهيمنة الكاملة على التراب الفلسطيني.

الآن “دولة” الاحتلال وعبر آلة القتل والبطش باستخدام الطائرات والبوارج والمدفعية وكل الأسلحة المحرمة دوليا تحاول أن تمحي شعبنا من الوجود من خلال عملية الإبادة الجماعية والمجازر الكبرى التي تقوم بها في قطاع غزة حيث أن عائلات كاملة مسحت من السجل المدني، أماكن كاملة تم تهجريها وتدميرها، المناطق الحدودية بشكل كامل تم إزالتها، كل ذلك من أجل أن تواصل تهجير السكان وترحيلهم عن غزة.

طبعا واحد من أكبر الأهداف التي أعلنتها دولة الاحتلال من خلال عمليتها البربرية الهمجية على القطاع هو ترحيل السكان إلى قطاع سيناء وبالتالي إفراغ قطاع غزة من السكان واستكمال احتلال الساحل الفلسطيني الذي يبدأ من رأس الناقورة وينتهي حتى رفح، وعليه الهدف الأساسي للنضال الفلسطيني يجب أن يتركز في البقاء في البلاد وفي غزة، أهلنا في القطاع صامدون لم يتركوا بيوتهم، صحيح أن البعض تحت وطـأة القصف والتدمير والتهديد والموت والمجازر اضطر أن يبحث عن الأمن في مراكز الإيواء والمدارس لكن حتى هذه المدارس لم تسلم من بطش وبشاعة الاحتلال، ولكن بشكل عام هناك إدراك وطني شامل بضرورة البقاء في غزة وعدم مغادرة القطاع وعدم الانصياع للجيش الإسرائيلي الذي يريد أن يفرغ القطاع من سكانه ويريد أن يحقق مشروع “إيغال ألون” بإقامة الدولة الفلسطينية في سيناء كما هو معلوم.

في ظل الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في غزة، هل تتوقع هدنة إنسانية في آجال قريبة؟

الوضع في غزة صعب ومعقد ومربك وفي نفس الوقت مؤلم، الناس بسبب عملية النزوح الإجبارية يعيشون في بيوت مكتظة، داخل الغرفة الواحدة في مراكز الإيواء يعيش أكثر من 45 فرد وفي البيوت الكبيرة يعيش قرابة 100 فرد لأن العادة درجت أن يقوم أفراد العائلة الكبرى بالتجمع في بيت واحد من أجل البحث عن الآمان، وطبعا سكان الأماكن الطرفية كلهم يبحثون عن الأمن داخل مراكز الإيواء الكبرى، معظم عمليات القتل الوحشية التي تقوم بها “دولة” الاحتلال من قصف تتركز على البيوت والمنازل وقد قامت بمجازر قبل يومين من خلال استهداف مجموعة منازل في مخيم جباليا حيث أقطن وتسكن عائلتي وأقيم الآن.. 9 منازل تحطمت على ساكنيها وفقدنا في عائلتي أكثر من 53 فرد حتى الآن مازالوا تحت الأنقاض بجانب من تم دفنهم خلال اليومين الماضيين.

الحياة في غزة قاسية جدا لا يوجد كهرباء منذ 12 يوم لا يوجد انترنت في ساعات قليلة فقط يمكنك التقاط الإشارة، الماء شحيح عليك أن تصطف طوابير من أجل القيام بتعبئة جزء من الماء حتى تواصل الحياة، أيضا المخابز تشهد طوابير..جميع أساسيات الحياة معدومة، الهواء ملوث بسبب القصف مليء بالغبار بجانب تلوث البحر بسبب القصف المستمر للبوارج الحربية قرب الشاطئ، الحكومة الإسرائيلية حولت غزة إلى جحيم حتى تكون الحياة فيها صعبة ومستحيلة ولإبادة غزة من الوجود.

كيف بوسع الفلسطينيين أمام هذا الوضع المأساوي إيقاف آلة الحرب الإسرائيلية؟

طبعا المهمة الأساسية أمامنا كفلسطينيين هي أن نتحد جميعا لإنهاء هذا العدوان على شعبنا ثم العمل مع جميع الشركاء من المنطقة العربية والعالم الإسلامي والمجتمع الدولي من أجل إنهاء هذا العدوان وحرب الإبادة التي تقوم بها دولة الاحتلال في غزة، لا يمكن للإنسان العاقل أن يتخيل كيف يمكن تدمير أحياء كاملة في غزة أو في بيت لاهية أو بيت حنون وغيرها من الأحياء.

هذا عدوان واحتلال همجي بربري استعماري يريد أن يبيدنا من الوجود، لقد تم قصف المساجد والكنائس والجامعات، المخابز المكتبات والمتاحف.. هذا الاحتلال لا يميز بين البشر والحجر بين مواطن وآخر ويقتل جميع الفلسطينيين.

لمجرد كونك فلسطيني فإنك معرض للقتل، قتل أيضا فنانون مثل عمر أبو شاويش وعشرات الكتاب ذهبوا ضحية هذا القصف البربري، إذن مهمتنا الأساسية هي وقف هذا العدوان وعملية الإبادة ووقف الحرب من أجل أن نظل موجودين في هذا البلد، ما حدث في النكبة الفلسطينية لن يتكرر لن نذهب إلى مكان آخر وبالتالي علينا أن نناضل جميعا من أجل أن نبقى في بلدنا.

إذن الهدف الأساسي للتحرك السياسي الفلسطيني هو وقف هذا العدوان ولجم دولة الاحتلال وإفشال مشروعها الأساسي في إزالة الشعب الفلسطيني واستكمال مشروع النكبة الذي لم ينتهي..دائما ما نقول أن النكبة مستمرة لم تنتهي ما دامت هناك دولة احتلال على أنقاض المدن الفلسطينية فهذا الكيان لا يشعر بالأمان إلا بقتل مزيد من الفلسطينيين ومحاولة استباحة دمنا بأكبر قدر ممكن.

كيف بإمكانكم مواجهة الانحياز الغربي العلني لإسرائيل؟

زعماء العالم في الدول الكبرى يتقاطرون في تل أبيب من أجل إبداء الدعم والتعاطف الكامل لعمليات القتل بحقنا وهناك من يجرم في الغرب حتى التضامن معنا كفلسطينيين، لذلك لدينا معركة كبيرة وأمامنا مهمة كبرى علينا أن نقوم بها بوعي كامل، لا يمكن لنا أن نسمح بتجريم نضالنا الوطني، لا يمكن لنا أن نسمح بتجريم القتال من أجل فلسطين، لا يمكن لنا أن نسمح بوصمنا كفلسطينيين بالإرهابيين في المقابل يوصم الجندي الذي يقتل 500 طفل في مستشفى المعمداني بأنه يدافع عن نفسه هذه أكبر مفارقة وسخرية في التاريخ البشري، وبالتالي نحن إزاء مهمة كبيرة وهي في جلها سياسي ودبلوماسي يجب أن تدور في أروقة العواصم الكبرى وفي العواصم الكبرى وفي البرلمانات وفي الإذاعات وفي وسائل التواصل الاجتماعي إلى جانب المؤسسات الدولية.

هل ستقومون بتوثيق جرائم الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة وعدة مناطق أخرى في الضفة الغربية وتقديمها للمنظمات الدولية وخاصة محكمة الجنايات؟

نعم بالتوازي مع ما أسلف ذكره، يجب إعداد ملفات لتجريم دولة الاحتلال وتقديمها للجهات المعنية دوليا مثل محكمة الجنايات من أجل فضح ممارساتها وتقديم قادتها وجنرالاتها للمحاكم، لكن طبعا العالم ليس عادلا في بعض الحالات مثل أوكرانيا تم الاستجابة للطلب الأوكراني في دقائق أما نحن فقد استغرق الأمر سنوات من أجل إقناع المفتش العام في محكمة الجنايات الدولية بأن قضيتنا تستحق التحقيق وأن هناك شواهد كثيرة تؤكد وجود جرائم حرب ووجود انتهاكات بحق القانون الدولي والإنساني إلى جانب أن دولة الاحتلال تمنع أي محقق دولي من القدوم إلى فلسطين فهي فوق القانون والطفل المدلل للاستعمار في التاريخ بمعنى أن كل خبرات الاستعمار البريطاني الفرنسي والايطالي والأميركي بتجاربه المختلفة يجد تجلياته بشكل حقيقي في هذا الاستعمار الصهيوني الإسرائيلي لفلسطين، ومع ذلك مهمتنا الأساسية مواصلة النضال في المؤسسات الدولية ومواصلة القتال من أجل إدانة دولة الاحتلال داخل المحاكم وفضح ممارساتها ومن أجل أيضا انتزاع وخلخلة هذا التأييد التي تتمتع به دولة الاحتلال داخل الأوساط الدولية.

هل يمكن الحديث عن إنهاء للانقسام الفلسطيني وتحقيق مصالحة؟

طبعا يظل الانقسام الفلسطيني واحد من أكثر النقاط السوداء في تاريخنا الوطني ومن أكثر القضايا إلحاحا على وعينا الفلسطيني بحيث لا يمكن لنا أن نتقدم كثيرا في مواجهة التحديات التي تقف في طريق شعبنا دون إنهاء هذا الانقسام، وأظن بعد انتهاء العدوان على غزة يجب أن يكون هذا الملف من أولويات القضايا التي يجب أن يتم بحثها من أجل استعادة الوحدة الوطنية واستعادة اللحمة الوطنية في سبيل وضع المصالح العليا لشعبنا في الصف الأول وفي أولوية خياراتنا لأن كل شعب منقسم لا يمكن أن يتقدم، الانقسام دائما ما كانت تغذيه دولة الاحتلال كانت تريد له أن يبقى وأن يستمر رغم الجهود الكبيرة التي تم بذلها طوال ال16 سنة الأخيرة إلا أنها تعثرت كثيرا رغم أننا اقتربنا كثير في لحظات معينة من إنهائه خلال سنة 2017 بتشكيل حكومة وفاق وطني لكن بعض التفاصيل الفنية والتقنية أعاقت تحقيق ذلك.

حاليا، نحن ننظر كسلطة فلسطينية إلى إنهاء هذا الملف بعد انتهاء الحرب في قطاع غزة وكالعادة مستعدون لبذل كل الجهود ووضع جميع التصورات اللازمة لاستعادة اللحمة الوطنية.

شعبنا الفلسطيني شعب عانى كثيرا تألم كثيرا توجع كثيرا وهو بحاجة إلى بناء مؤسسة وطنية كاملة وشاملة وموحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة تكون قادرة على إدارة دفة حياته ومواصلة نضاله من أجل استعادة كامل بلاده وتحررها.

مع هذا التعاطف العربي والإسلامي مع القضية الفلسطينية، لماذا لا نرى أفلاما سينمائية بمستوى عالمي تعكس المحرقة الإسرائيلية والهولوكسوت الواقعي ضد الفلسطينيين؟

فيما يتعلق بواقع القضية الفلسطينية في السينما العالمية، الأمر أوسع من مجرد غياب، هناك عملية محو وتغييب كاملة للقضايا العربية من الإنتاج العالمي أولا لأن من يمسك بزمام الإنتاج العالمي ليس من العالم العربي، كما أنه رغم وجود شركات إنتاج عربية إلا أن مساهمتها للأسف مازلت ضعيفة، لا يتم توزيع أفلامنا للرأي العالمي معظم أفلامنا لأجل التسلية أو للجوائز والمهرجانات للأسف وتبتعد عن المكونات الأساسية لأي فيلم ناجح وهو مقدرته على مخاطبة الجمهور أولا وثانيا أن يحمل قضية قادرة على الإقناع ويحملها بطريقة مناسبة.

هناك قصور عربي كبير ليس فقط في تقديم القضية الفلسطينية في السينما العالمية بل في تقديم قضايا العربية ككل، هناك صورة غير جيدة للعرب في السينما العالمية حيث مازلت تخضع للمنطق الاستشراقي الذي يقدم الشرق بوصفه شرقا له مواصفات معروفة وتسويقه على أنه يجنح نحو العنف والهيمنة الذكورية والتطرف الديني.

للأسف لم نستطيع أن نقدم نجوما عرب في السينما العالمية وهذا أمر مربك ومحير بسبب هذه الصورة، في المقابل فإن الأعمال الفنية العالمية توجه النقاش الدولي في الاتجاه التي تريده الحركة الصهيونية لإدانة النضال الفلسطيني ولتشجيع دولة الاحتلال في الاستمرار في عملها، وما ينقصنا نحن كعرب هو مجهود كبير في ذلك ومشروع سينمائي مشترك يقوم بتقديم القضايا العربية ويخدم المصالح المشتركة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here