صغير الحيدري صحافي تونسي
أفريقيا برس – تونس. بعد ثلاث سنوات على إبرامها، نجحت مذكّرة التفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي في تحقيق مكاسب أمنية إذ خففت العبء عن القارة العجوز من حيث تدفق المهاجرين غير النظاميين، لكن هذه المكاسب تنغّصها بشكل كبير انتقادات حقوقية لواقع هؤلاء في البلاد الواقعة في شمال أفريقيا.
وعرفت تونس في السنوات الماضية تدفقاً غير مسبوق للمهاجرين الذين يتحدرون من دول أفريقية ويحاولون العبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط بحثاً عن مستقبل أفضل.
ومع تنامي عمليات اعتراض المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط، تتصاعد المخاوف في تونس من تحوّل البلاد إلى ما يشبه “حارس للسواحل الأوروبية”، لا سيما بعد توقيع مذكرة التفاهم عام 2023.
ثمن حقوقي وسيادي
ومع إعلان منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” توثيق حالات طرد جماعي للمهاجرين في تونس وعمليات احتجاز غير قانوني لهؤلاء، تثار تساؤلات جدية حول مدى نجاعة المقاربة التي تبنتها البلاد والاتحاد الأوروبي في إدارة هذا الملفّ. وترفض تونس توطين المهاجرين غير النظاميين لديها، وتقول السلطات إنها تقوم بتأمين عمليات “عودة طوعية” لهؤلاء إلى بلدانهم الأصل.
وقالت نائبة رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان نجاة الزموري “بعد ثلاث سنوات من إبرام مذكرة التفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي، يبدو أن الاتفاق حقق جزءاً من أهدافه الأمنية من خلال الحد من انطلاق قوارب الهجرة غير النظامية غير أن ذلك يثير أسئلة جوهرية حول الثمن الذي دفعته تونس، ليس فقط على مستوى حقوق الإنسان، بل أيضاً على مستوى السيادة والسياسات العامة للهجرة”.
وتابعت الزموري “من الواضح أن الاتحاد الأوروبي اتجه إلى ترحيل إدارة ملف الهجرة إلى دول العبور، وفي مقدمها تونس، بحيث أصبحت هذه الأخيرة تؤدي دوراً متقدماً في حماية الحدود الأوروبية أكثر من كونها تدير حدودها الوطنية وفق أولوياتها الخاصة، وبهذا المعنى، انتقل جزء من عبء إدارة الهجرة من الضفة الشمالية للمتوسط إلى الضفة الجنوبية”.
وشددت على أنه “في المقابل، لم تُعالج الأسباب الحقيقية للهجرة، سواء بالنسبة للشباب التونسي أو للمهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، كذلك لم تتوافر ضمانات كافية لاحترام حقوق المهاجرين وكرامتهم. لذلك، فإن تقييم الاتفاق لا ينبغي أن يقتصر على انخفاض أعداد المهاجرين، بل يجب أن يشمل أيضاً كلفته الإنسانية والاجتماعية والسياسية، ومدى تحوّل تونس إلى فضاء لاحتواء الهجرة بالنيابة عن أوروبا، ما يفرض نقاشاً جدياً حول التوازن بين التعاون الدولي، واحترام حقوق الإنسان، وصون السيادة الوطنية”. واستنتجت الزموري أنه “لذلك، فإن أي تقييم موضوعي لهذا الاتفاق يجب أن يأخذ في الاعتبار ليس فقط النتائج الأمنية، وإنما أيضاً مدى نجاحه في صون حقوق المهاجرين، ومعالجة الأسباب العميقة التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن مستقبل أفضل”.
تحوّل بنيوي
وعلى رغم الانتقادات المتصاعدة التي تواجهها في شأنه، فإن السلطات التونسية تقول إنها تدير ملفّ المهاجرين بالشكل المطلوب ويبقى “ملفاً سيادياً”. وتمركز معظم المهاجرين في ولاية صفاقس جنوب البلاد، وقامت السلطات في الأشهر الماضية بوضع نقاط من أجل تأمين العودة الطوعية للمهاجرين.
ولفت الباحث السياسي صهيب المزريقي إلى أنه “بعد ثلاث سنوات من توقيع مذكرة التفاهم بشأن الهجرة، شهدت العلاقة التونسية – الأوروبية تحولاً بنيوياً في إدارة هذا الملف السيادي إذ إن المقاربة التونسية تجاوزت الأنماط التقليدية للتعاون الأمني المشترك نحو فرض معادلة قائمة على الندية السياسية، وحصر التقييم في الأبعاد الإجرائية لمكافحة شبكات التهريب يغفل النجاح الأعمق للدولة في إعادة صياغة القواعد الناظمة للاشتباك الدبلوماسي مع الشريك الأوروبي، ومنع تحويل الجغرافيا الوطنية إلى حارس طوعي للمصالح الحمائية الأوروبية أو مستقر بديل لأزماتها الديموغرافية والسياسية”.
وأضاف المزريقي “صلابة الموقف التونسي تبدت في التفكيك المنهجي لمعادلة المقايضة الاقتصادية بملف التوطين، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى رفض قاطع لإضفاء أي شرعية قانونية أو هيكلية على مراكز احتجاز المهاجرين فوق الأراضي التونسية انطلاقاً من عقيدة سيادية واضحة تصنف البلاد كمحطة عبور ظرفية، لا كمجال حيوي لمعالجة تداعيات أزمات دولية مركباتها خارج حدودها”.
قصور تحليلي
وبحسب أرقام للسلطات الإيطالية فإن عدد المهاجرين القادمين من السواحل التونسية تراجع خلال عام 2025 بنسبة 75 في المئة مقارنةً بعام 2024 ما يرى فيه كثر نجاحاً أمنياً لتونس في صدّ المهاجرين، لكن الانتقادات تتصاعد حيال ذلك.
وحول هذه الانتقادات، عدّ المزريقي أن “السرديات الصادرة عن بعض المنظمات الدولية تعاني من قصور تحليلي واضح لكونها تغفل التوازن الدقيق الذي تحافظ عليه الدولة بين التزامها بإنفاذ القانون ومنع الاختراقات غير النظامية للحدود، وبين المبادئ الإنسانية المعمول بها والتي انعكست في رعاية برامج العودة الطوعية الآمنة لآلاف المهاجرين بالتنسيق مع بعثاتهم الدبلوماسية مع التمسك الموازي بحماية الحقوق القانونية للتونسيين بالخارج ورفض الترحيل القسري الجماعي”.
وأكد أن “هذا يجعلنا ندحض الاستنتاجات الجيوسياسية التي تحاول ربط تدفق المهاجرين بتشديد الرقابة في جبهات إقليمية أخرى، إذ إن هذا الطرح يتغافل عن الطبيعة الديناميكية لشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي استهدفت الخاصرة التونسية بناء على حسابات جغرافية محددة، في وقت لا يمكن لتونس تحمل الفواتير الأمنية لخيارات دول أخرى، كذلك فإن المسؤولية التاريخية والاقتصادية تظل ملقاة على عاتق المركزية الأوروبية المطالبة بمراجعة سياساتها التمويلية المتواضعة التي لا تغطي الكلفة الحقيقية والضغط المتنامي على الموازنة التونسية والبنية التحتية والمواد المدعومة”. وأردف المزريقي أنه “لذلك، فإن استقرار هذا الملف يتطلب إحلال مقاربة تنموية شاملة تعالج بؤر الطرد الاقتصادي في دول المنشأ، بالتوازي مع استمرار الدولة التونسية في فرض سيادتها القانونية والميدانية الكاملة لحماية أمنها القومي”.





