رضا الشكندالي: تونس تحتاج الى الاعلان عن خارطة طريق واضحة لضمان ترقيم سيادي يمكّن من فتح آفاق مالية دولية

3
رضا الشكندالي: تونس تحتاج الى الاعلان عن خارطة طريق واضحة لضمان ترقيم سيادي يمكّن من فتح آفاق مالية دولية
رضا الشكندالي: تونس تحتاج الى الاعلان عن خارطة طريق واضحة لضمان ترقيم سيادي يمكّن من فتح آفاق مالية دولية

أفريقيا برستونس. أكد أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، رضا الشكندالي، انه يتعين على تونس التسريع بالإعلان عن خارطة طريق واضحة خاصة ان مؤسسات الترقيم السيادي تستعد لوضع تصنيفاتها القائمة، على أسس علمية، أواخر شهر أكتوبر الجاري مما قد يفتح لتونس في صورة تحسنها أو الإبقاء عليها، آفاقا مالية دولية .

ولاحظ الشكندالي أنّ مؤسسات التّرقيم السيادي الهامة وهي وكالات “فيتش” و”موديز” و “ستاندرد آند بورز”، تراقب عن كثب تطور الوضع السياسي في تونس وأنها تعتمد على ضوابط علمية وعلى معطيات لتقييم الدول قصد للتوصل الى تصنيف يعتمد نصفه تقريبا على الجانب السياسي. وقال إنّ “ملاحظات رئيس الجمهورية قيس سعيّد ، عند أداء حكومة نجلاء بودن، اليمين الدستورية، يوم الاثنين 11 سبتمبر 2021 ، أثارت استغراب المتخصصين في الشأن الاقتصادي عند حديثه عن العلاقة بين تونس ومؤسسات الترقيم والمانحين”.

وبين أن أوجه الإستغراب تتصل بالنقطة التي شبّه فيها سعيّد علاقة تونس بمؤسسات الترقيم السيادي والمؤسسات المانحة بالعلاقة القائمة بين الأستاذ والتلميذ ووجوب احترام السيادة الوطنية واقامة علاقة ندّية مع هذه المؤسسات. وقدم الشكندالي ، في تصريح لـ”وات” ، قراءة تحليلية لطبيعة العلاقة القائمة بين تونس ومؤسسات التصنيف الدولية ومع مؤسسات التمويل الدولية وأوجه الاختلاف بينهما والخطوات المطلوبة لاعادة بناء هذه العلاقات على أمل ضمان تصنيف سيادي يفتح آفاقا مالية دولية افضل .

السياسات الفاشلة دفعت نحو مقاربات جديدة

أوضح الشكندالي ان رئيس الجمهورية ، قد يكون استند عند تقييمه لعلاقة تونس مع مؤسسات التصنيف والتمويل الى علاقة هذه المؤسسات مع حكومات ما بعد الثورة التي طغى عليها الجانب المالي دون الاهتمام بنوعية السياسات الاقتصادية . وأردف قائلا: “إن كان سعيّد محقا عندما نبّه الى وجوب الاهتمام بنوعية السياسات الاقتصادية التي تتفاوض حولها الحكومات مع المؤسسات الدولية حتّّى لا تصنف هذه العلاقة في خانة المسّ من السيادة الوطنية، فإنّ إشارته الى ضرورة تغيير منهجية التصنيف الدولي لمؤسسات الترقيم السيادي لا تستند الى منطلقات علمية “.

وتابع، في سياق متصل، ان التعامل مع صندوق النقد الدولي ليس من المحرّمات الاقتصادية بل ان عديد الدول تتعاون مع الصندوق ومنها من حقق نتائج إيجابية. وشدّد على ان نجاح هذا التعامل يفترض أن تكون للحكومة رؤية اقتصادية واضحة تقترحها على الصندوق أو تفاوض الصندوق على جودة السياسات الاقتصادية التي يقترحها. ولفت المتحدّث الى انه اذا ما تمّ اعتبار السياسات التي طبّقتها حكومات ما بعد الثورة، هي خياراتها وبرامجها وليست إملاءات من طرف الصندوق، فان هذه السياسات أدّت الى تراجع جلّ المؤشرات المالية والاقتصادية والاجتماعية وبالتالي فإن الحكومة مسؤولة على خياراتها أمام الشعب. واسترسل مضيفا أنّه إذا ما تمّ اعتبار هذه السياسات المتبعة مجرّد إملاءات صندوق النقد الدولي فإنه يعاب على هذه الحكومات ضعف تفاوضها مع الصّندوق حول جودة السياسات الاقتصادية المقترحة وتركيزها، فقط، على الحصول على التمويل اللازم لسدّ الثغرات في موازنات الدولة. وخلص الى القول :” إنّ بعض السياسات لم تكن مفيدة لاقتصاد تونس على غرار الترفيع في نسبة الفائدة للحدّ من التّضخم المالي والحال أن التّضخم مصدره الأساسي ليس نقديا، وكذلك سياسة الصّرف التي أفضت الى تراجع كبير في قيمة الدينار” واعتبر أنّ قبول الحكومات السّابقة بالسياسات المقترحة من طرف صندوق النقد الدولي رغم عدم جدواها يقيم الحجة على ان هذه الحكومات فضّلت احلال التوازنات المالية ، مهما كان حجم التداعيات الاقتصادية والاجتماعية من تراجع النمو والقدرة الشرائية وزيادة معدّلات البطالة والفقر. وقدّر استاذ الاقتصاد، ان هذه السياسات فشلت حتّى في إحلال التوازنات المالية، التي عملت من أجلها هذه الحكومات.

وقد كان خطاب الحكومات السابقة مقتصرا على التوازنات المالية من تقليص في عجز موازناتها وفي حصة الأجور من الناتج الداخلي الخام دون الاهتمام بتحسين المقدرة الشرائية للمواطن التونسي وخلق موارد الرزق له. ووجهت هذه الحكومات خطابها الاقتصادي أكثر لإرضاء الخارج من خلال التركيز المفرط على التوازنات المالية عوضا عن الاستجابة الى حاجيات الداخل من خلال توفير الشغل وتحسن القدرة الشرائية، مما ينظر اليه على انه مسّ من السيادة الوطنية، على حد تعبير الشكندالي. الترقيم السيادي ضروري لتسهيل الحصول على التمويلات يرى الشكندالي ان العلاقة مع مؤسسات الترقيم السيادي تخضع لمنهجية محددة تأخذ بعين الاعتبار ثلاث جوانب هامة لتحديد نسبة المخاطر في دول العالم وهي الجانب السياسي بنسبة 50 بالمائة من الترقيم في حين تتوزع الحصة المتبقية بالتساوي بين الجانب الاقتصادي والمالي.

واوضح ان العلاقة مع هذه المؤسسات تستند الى خمسة معطيات هامة هي : فعالية المؤسسات ودرجة الاستقرار السياسي وهيكلة الاقتصاد وآفاق النمو الى جانب مدخرات العملة الصعبة وحجم الاستثمار الخارجي والقدرة على تعبئة الموارد الجبائية والتخفيض في الديون وكذلك المرونة النقدية. ولاحظ ان هذه التصنيفات “تحدد قدرة الدول على الاقتراض من الأسواق المالية الدولية وتمكن من قياس نسبة المخاطر في هذه الدول وبالتالي نسبة الفائدة على سندات الدولة وتنير المستثمرين الأجانب وصناديق الاستثمار الدولية حول مخاطر الاستثمار في شراء سندات هذه الدول.وربط الشكندالي تراجع الترقيم السيادي لتونس خلال السنوات العشر ما بعد الثورة، أساسا، بعدم الاستقرار السياسي وتراجع جلّ المؤشرات الاقتصادية والمالية.

واعتبر “أنّ تونس تحتاج الى تحسين هذه المؤشرات عوضا عن الخوض في مسائل منهجية لا فائدة ترجى من ورائها بل يمكن أن توحي لدى هذه المؤسسات عدم قدرة تونس، وهي تعيش فترة استثنائية،على تحسين مؤشراتها المالية والاقتصادية”. وافاد الشكندالي انه من الأجدر، عند تنصيب الحكومة الجديدة، بثّ رسائل إيجابية يمكن أن تتلقاها مؤسسات التصنيف الدولية خاصة وهي بصدد إعداد تقارير التصنيفات الجديدة.

ولفت الى ان الرسائل الايجابية يمكن ان تدفع هذه الوكالات الى اعادة حساباتها لتحسّن ترقيم تونس السيادي أو على الأقل الحفاظ عليه مما قد يذلل صعوبة تعبئة الموارد الخارجية الضرورية لميزانية الدولة للسنة القادمة. خطوات ضرورية على عتبة الترقيم وتوجه الشكندالي في سياق التطرق الى الجانب السياسي،وهو الأهم خاصة بالنسبة لمؤسسات الترقيم السيادي والمؤسسات الدولية المانحة، بدعوة الى رئيس الجمهورية من اجل العمل على تحديد الفترة الاستثنائية والإفصاح عن خارطة طريق واضحة لما بعد هذه الفترة . واضاف ان هذا التوجه يمكن ان يقنع مؤسسات الترقيم السيادي بمراجعة التصنيف الائتماني لتونس على الأقل في إتجاه الإبقاء عليه خاصة وأن تشكيل الحكومة الجديدة قد يدفع نحو تحسين المؤشرات الاقتصادية والمالية للفترة القادمة. وحثّ الشكندالي، على مستوى الجانب الاقتصادي والمالي، حكومة بودن على فتح حوار اقتصادي واجتماعي مع كل الأطراف السياسية والاجتماعية والشباب قصد التوصل الى برنامج تفصيلي قد يقنع صندوق النقد الدولي للجلوس على طاولة المفاوضات. واكد ان المفاوضات ستمكن تونس من إعداد ميزانية الدولة لسنة 2022 في ظروف مريحة من حيث التمويل الخارجي الى جانب مزيد استقطاب المستثمرين التونسيين والأجانب.

التمويل المباشر: الحاجة والحذر

يتعين على حكومة بودن ، على المدى القصير، التوصل الى فكّ رموز المعادلة الصعبة التي تميز ميزانية الدولة لسنة 2021 وهي سد الفجوة المالية بدون التسبب في انفلات الأسعار خاصة وأن الحلول المالية تبدو ضيقة .

وقال الشكندالي:” لم يبق لهذه الحكومة ، أي حكومة بودن، غير طلب التمويل المباشر من طرف البنك المركزي التونسي نظرا لاستحالة الخروج على الأسواق المالية الدولية وصعوبة التفاوض مع صندوق النقد الدولي التي عادة ما تستغرق 5 اشهر “. ويجب على حكومة بودن ، وفق الشكندالي ، ان تضمن ان لا يكون لهذا التمويل المباشر تداعيات تضخمية تضر بالقدرة الشرائية وتدفع الى مزيد من الاحتقان الاجتماعي . “وتقتضي هذه المقاربة التمويلية عمل الحكومة والبنك المركزي جنبا الى جنب لتوخي سياسة اقتصادية مزدوجة تتعاون فيها الحكومة مع البنك المركزي لمقاومة التضخم المالي الذي قد يحدثه هذا النوع من التمويل من خلال تنظيم مسالك التوزيع والحد من الاحتكار .

وانتهي الشكندالي الى القول ” إن التوجه الجديد في استهداف التضخم المالي باستعمال السياسة المزدوجة، قد يدفع هذه الحكومة الى مراجعة القانون الأساسي للبنك المركزي التونسي وخاصة السياسة النقدية التي تستعمل الترفيع في نسب الفائدة للحد من ارتفاع الأسعار”.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here