المصالحة الوطنية: العفو الإداري للنداء والتعويضات المادية للنهضة

80

 

بقلم : زياد كريشان

التعويضات المادية للمتمتعين بالعفو التشريعي العام مع ما يقتضيه ذلك من ترميم المسارات المهنية واحتساب سنوات الأقدمية الافتراضية ، واليوم يقدم العديد من قادة النهضة هذه التعويضات المادية كإحدى الغايات الرئيسية، إن لم تكن الغاية الرئيسية، لمسار العدالة الانتقالية ..

لنقل في البدء بأن مسألة التعويض لضحايا الاستبداد ليست محل جدل من الناحية المبدئية والقيمية ،ولكن التعويض ليس ماديا فقط وأن يصبح حقا للجميع بغض النظر عن المسارات الشخصية الفعلية هذا هو الذي يطرح إشكالات كبرى..

الأكيد أن هنالك العديد من الذين تضرروا معنويا وماديا من الاستبداد وان حياتهم أضحت ضنكى بل وفيهم من لم يعد قادرا على الشغل ،أيا كان هذا الشغل ، وهؤلاء لا يمكن تناسيهم بحجة انتمائهم لتيار سياسي معيّن بل وجب إيجاد الحلول المناسبة لهم..

كما أن العديد من الذين تمتعوا بالعفو التشريعي العام من الإسلاميين ومن غيرهم قد تمكنوا من مزاولة حياة عادية إلى حدّ ما حتى في المنظومة السابقة وهؤلاء ليسوا في حاجة إلى تعويضات مادية بل وفيهم من يرفضها ويطالب فقط برد الاعتبار المعنوي ليس إلا..

الإشكال الماثل أمامنا لا يكمن في ضرورة الاعتناء بحالات إنسانية بعينها بل في المطالبة الجماعية بحزمة من التعويضات المادية الإدارية والعينية لكل من تمتع بالعفو التشريعي العام دون تمحيص أو تثبت في الحالات الفردية، تماما كما حصل مع قانون «المصالحة الإدارية «: عفو عام على كل المسؤولين الإداريين والسياسيين زمن بن علي إلا من تمكن منهم من إثبات استفادة شخصية واضحة لا غبار عليها ..

ويبدو أن هذه “المقايضة” بين المصالحة الإدارية والتعويضات «لأصحاب العفو التشريعي العام هي التي أقنعت النهضويين الرافضين للمصالحة الإدارية بمساندتها لأنها المدخل الضروري للتعويضات المادية.. ولكن يبدو أن هنالك خللا ما قد حصل بين الحليفين جعل من التعويضات المادية العنصر المنسي في الوفاق غير المكتوب، هنا انبرت القيادات النهضوية للدفاع بنفسها عن هذا المطلب تحت شعار « ما يحكلك جلدك كان ظفرك» ولكن يبدو أن هذه الحملة قد انطلقت في التوقيت الخطأ أو كما يقال في كرة القدم في الوقت بدل الضائع..

حركة النهضة تعلم أكثر من غيرها أن مسألة التعويضات المادية لأصحاب العفو التشريعي العام مسألة غير شعبية بالمرة عند الرأي العام، وهي لم تتمكن من تمريرها عندما كانت في الحكم، فما بالك اليوم؟. كما أننا لا نعتقد أن الحليف الرئيسي لحركة النهضة، نداء تونس، مستعد اليوم للدفاع عن هذا الملف خاصة بعد هزيمته النكراء في الانتخابات الجزئية بألمانيا ودعوة بعض قياداته الحالية إلى «مراجعات أليمة «قد تشمل التحالف مع النهضة وإن لم يكن ذلك في المضمون فلا اقل من قرارات قوية في الشكل ..

ولكن يبقى الإشكال الأكبر هو عدم فهم الإسلاميين بأن المطالبة بالتعويض المادي الجماعي إنما ينتمي إلى خانة الغنيمة في السياسة لا إلى خانة العدل كما يتصورون وانه حتى لو تضامن جزء هام من التونسيين معهم في محنهم السابقة فليس ذلك لتكون المحنة السابقة مجلبة لمنفعة لاحقة ..

لقد سبق لوزير المالية أن استقال زمن الترويكا الأول بسبب حرص النهضة انذاك على التعويض المادي..ولكن يبدو أن الزبونية في السياسة أقوى من كل منطق عقلاني وقد تعتقد النهضة أنها لو لم تحصل على هذه التعويضات في الأشهر القليلة المتبقية – نظريا – في حياة هيئة الحقيقة والكرامة فإنها لن تحصل عليها أبدا..قديما قيل : الحيلة في ترك الحيل ،ولكن لا تنفع كل حكم الدنيا مع من يتشبث إلى النهاية بكل حبل ،مهما رقّ،من حبال الحيل ..

 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here