أفريقيا برس – الجزائر. بعد مرور أكثر من خمسة أشهر، عن حادثة أو لغز عمارات تاوزيانت أو ما عرف أنذاك بالشقة المسكونة، بعد انبعاث صراخ غريب من شقة شاغرة، ومغلقة بباب حديدي، تقع في قلب عمارة بمخرج المدينة، وهو صوت امرأة كانت تبدو بأنها تطلب المساعدة، عادت “الشروق” صباح الأحد، إلى مدينة تاوزيانت، التي تبعد عن عاصمة الولاية خنشلة غربا بحوالي خمسين كيلومترا، وزارت العمارة التي تحتوي الشقة “اللغز” وتحدثت مع ساكنيها.
الزمان هو يوم الأحد الثاني والعشرون من أكتوبر، والمكان هو وجهة تاوزيانت التي تأخذ ساعة إلا ربعا عبر السيارة من خنشلة، عند وصول “الشروق” إلى المكان المطلوب، لاحظنا الفارق في الأجواء العامة ما بين ماي وأكتوبر، فالهدوء يخيّم على المكان ضمن حياة عادية، لا توحي بأن المكان صنع منذ خمسة أشهر الحدث وتناولته وسائل إعلام وطنية وعربية وعالمية.
وصلنا إلى العمارة اللغز، كل شيء عادي، الحي يبدو مهجورا من شدة السكون، الوقت يتزامن مع تواجد الجميع بالعمل والأطفال صانعو الشغب الطفولي في المدراس، شقق العمارة كلها هادئة حسب شرفاتها التي كانت تحتوي على ألبسة وأفرشة معلقة. دخلنا العمارة ذات خمسة طوابق، من الأرضي إلى الطابق الأخير.. لا صوت ولا صراخ ولا بكاء، ولا أي حركة مشبوهة، كالتي عشناها في ماي الماضي، عند زيارتنا لنفس العمارة.
يقول أول من التقيناه من سكان العمارة وهو رجل في الثانية والخمسين من العمر، بأن الأمور هدأت تماما خلال الصيف، برغم أجواء السهر الصيفي بسبب الحرارة الشديدة، ودخلت طي النسيان بعد الدخول الاجتماعي، وعن قناعة يقول: “والله إن قوة القرآن الكريم الذي كان يعلو من كل شقق العمارة ومن الجميع، ومن بسملة وتكبير يطلقه الناس، رحلت الجنية التي كانت تحتل الشقة، فعلى ما أذكر زار العمارة ما لا يقل عن ثلاثين راقيا، من مختلف الولايات بما فيهم راق مغترب قدم من مارسيليا، صدقني الأمور من الماضي، والناس هنا منشغلون بما يحدث في غزة، الجميع لا يتوقف عن الدعاء لأبناء المقاومة ولأهلنا في غزة، لم يعد هناك مجال للحديث عن أي صوت منبعث من الشقة التي مازالت مغلقة، ومن الطرائف أن أحد سكان مدينة خنشلة عاصمة الولاية جاء، إلى العمارة في عز الصراخ والخوف وهجرة الناس لمنازلهم في شهر ماي الماضي، وعرض 50 مليونا على صاحبها من أجل امتلاكها، وقال بأنه سيتنقل وأهله للعيش فيها، أو منحها لجمعية خيرية إنسانية أو طبية للاستفادة منها، ولكن صاحب الشقة رفض تركها مغلقة وهو بين الحين والآخر يتفقدها لتنظيفها”.
قصة مفتعلة؟!
توجهنا إلى المحل التجاري الخاص ببيع المواد الغذائية، المحاذي للعمارة، لمعرفة رأي صاحبه وهو شاب في الـ30 ربيعا، مخالف للجميع وهو يطالب بتحقيق شامل في القضية، فهو مقتنع بأن أطرافا في العمارة حاولت أن تستهزئ ببعض السكان، أو لها مصالح في إفراغها من ساكنيها ويؤكد: “ثمة شيء.. في الربيع افتعلوا قصة أمضوا بها الوقت، اليوم انتهت القصة، هذا كل ما في الأمر. ولقد شاهدتم كل سكان العمارة يشغلون شققهم، فليس هناك خوف ولا أي شيء، هو فيلم شاهدناه وانتهى”.
وبعد سماعنا للروايتين المتناقضتين، التقينا الفنان يحيى الشاوي المغني المعروف، وسألناه عن رأيه في القضية وهو الذي عايش أحداثها، فعاد إلى شهر ماي الماضي، وقال بأن الأمر كان فعلا مرعبا، إلى درجة لا يمكن تصوّرها، واسترسل في القول: “أنا شخصيا سمعت أصواتا غريبة منطلقة من الشقة وكان بدني يهتز ولا أنام وكنت برفقة مجموعة من الشباب والكهول الذين تجندوا، ورحنا نتقصى حيثيات الحادثة، واكتشفت شخصيا وهذا الأمر يلزمني لوحدي، بأن الشعوذة والسحر، المبالغ فيهما الممارسين من بعض الناس هو الذي زلزل العمارة، ثم أبطل مفعولهما مع الوقت وتلاوة القرآن الكريم، فعادت الأمور إلى طبيعتها”.
اللغز لم يفك
شيخ آخر التقيناه ونحن بصدد المغادرة، أعاد سبب الحادثة، إلى اصابة فتاة بالسحر، ما أفقدها وعيها، وهي من كانت وراء الصراخ، الشيخ ذكر لنا اسم الشابة ولقبها، وهو مقتنع بأنه بفضل الرقاة الذين تنقلوا بعد انتشار الخبر، تم تحديد هوية الشابة وتم علاجها، وقال بأنه كان شاهدا على الحادثة، ما لمسناه أن بعض سكان العمارة مازالوا مصرّين على أن مكيدة ما أو أطرافا أرادت ترهيبهم وتهجيرهم من العمارة، لسبب غير معلوم، وبين من هم على يقين بأن الأمر خارج عن عالمنا الملموس وهو من عالم الجن الذي لا يمكن علاجه سوى بالقرآن الكريم، وبين من يصر على المؤامرة، يؤكد السكان بأن عمارتهم هي الاكثر إطلاقا للقرآن الكريم وبشكل يومي وهناك عائلات لا توقف التلاوة المنبعثة من الهواتف النقالة والتلفزيونات طوال ساعات النهار والليل، وفعلا فخلال دخولنا إلى العمارة قابلنا صوت السديس في قراءة عطرة، وعند مغادرتنا استمعنا لصوت عبد العزيز سحيم، فلا صوت في عمارة تاوزيانت، يعلو على ترتيل القرآن الكريم.
أسبوعان من الجدل وخمسة أشهر عن الحدث ولا شيء اتضح وبان. يقول الحاج المنوّر ابن خنشلة وهو شيخ في الثمانين: “هناك ظواهر في الحياة لا نفهم مصدرها وكيف أتت لدنيانا والأفضل أن لا نبحث عنها عند مغادرتها، كذلك الشأن بالنسبة لهذا اللغز المحير، الذي أتى واندثر ولا أحد فهمه”.
كل سكان العمارة من دون استثناء عادوا إلى بيوتهم، ولا أحد منهم غادر مسكنه أو باعه كما يشاع، بعد أن تأكدوا من توقف الصوت الغريب، وسط تباين في الآراء، التي وإن اختلفت في تفسير أسباب الظاهرة فإنها أجمعت على ضرورة كشف الحقيقة الكاملة.
ونحن نغادر العمارة ومدينة تاوزيانت، أوقفنا شاب تنتظره شهادة البكالوريا، وراح يروي أيام الحيرة كما سماها، وقال بأنه صاحب أحد أقارب مالك الشقة ودخل معه إلى قلبها وبعد تفتيش غرف الشقة، لم يعثروا على أي شيء، ولكن بمجرد أن يتم غلق الباب الحديدي الخارجي للشقة، يُسمع صراخ المرأة من جديد، وبصوت عال، وقال بأنه كان حاضرا عندما جاء أحد الرقاة من ولاية بعيدة عن خنشلة، وعرض الخدمة ولكن بمقابل 250 مليون سنتيم، ووعد بأن يرجع المواطنون إلى مساكنهم سالمين، ولن يمسسهم شر، وطبعا رفض السكان عرضه الممزوج بالجشع. تركنا الشاب وشأنه وغادرنا تاوزيانت ولكن كما دخلناها بنفس التساؤلات.. ما الذي حدث في ماي في هذه العمارة اللغز؟
المصدر: الشروق
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





