أفريقيا برس – الجزائر. تدخلت مديرية الإعلام في الرئاسة الجزائرية ببيان مقتضب نفت فيه اقالة مديري الوكالة الرسمية للأنباء ومؤسسة البث الإذاعي والتلفزيوني، لكن ذلك لم يحجب نوايا التغيير التي ينوي الرئيس تبون ادراجها في مختلف المؤسسات، والذي طال في الأيام الأولى للولاية الرئاسية الثانية مديري التلفزيون والإذاعة الحكوميين، كما امتد الى احدى أهم مديريات جهاز الاستخبارات، ويتعلق الأمر بمدير الأمن الخارجي، حيث تمت الإطاحة باللواء جبار مهنا واستخلافه بالعميد فتحي موساوي.
وتظهر نوايا الرئيس الجزائري في استعادة المبادرة من الهيئات الرسمية التي زاحمت مؤسسة الرئاسة خلال الخمس سنوات الماضية، عبر جملة من التغييرات منتظرة في الأفق القريب، تستهدف ضبط الأوتار داخل مؤسسات الدولة، ووضع حد لحالة الانفلات المسجلة في أداء بعض المؤسسات الإعلامية والأمنية والحكومية.
وشكل الحضور اللافت لرئيس الحكومة والوزير والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عبدالعزيز بلخادم، في حفل خطاب التنصيب، والتصريحات الإيجابية تجاه السلطة التي أطلقها أمام وسائل الاعلام، رسالة قوية تطرح إمكانية عودة الرجل المغضوب عليه في السنوات الأخيرة لحقبة الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، الى الواجهة عبر شغل منصب رئيس مجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان) خلفا للهرم صالح قوجيل.
ويعتبر رئيس مجلس الأمة هو الرجل الثاني في الدولة بعد رئيس الجمهورية، وفق ترتيب دستور البلاد، ولذلك تكون عودة بلخادم الى السلطة، تحولا لافتا في مسار الولاية الرئاسية الثانية للرئيس تبون، الذي يعول أن تكون محطة فاصلة في مسيرته على رأس البلاد، خاصة فيما يتعلق بضبط الأوضاع الداخلية ووضع حد للانفلات المسجل من حين لآخر في أداء بعض المؤسسات.
وكانت وزارة الاتصال الجزائرية تدخلت بشكل رادع، تجاه صحيفة ” جزائر الغد “، على خلفية نشرها لملف زعمت فيه أن ” دول محور الشر تخطط لاغتيال الرئيس تبون “، ووضعت على صدر صفحتها الأولى صورا لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، والملك المغربي محمد السادس، ورئيس دولة الامارات العربية المتحدة محمد بن زايد.
واستندت وزارة الاتصال في قرار وقف سحب الصحيفة، ومباشرة عملية حل المؤسسة الناشرة لها، إلى بنود دستورية وإلى نصوص قانون الاعلام الناظم للصحافة الورقية والالكترونية، واعتبرت أن الصحيفة نشرت ” معلومات مضللة تتنافى مع القانون الناظم ومع أخلاقيات المهنة “.
وأكد مصدر مطلع لـ ” أفريقيا برس “، بأن ” الأيام القادمة ستكون حافلة بالتغييرات في مختلف المؤسسات، خاصة تلك المتصلة ببلورة وتسويق الصورة الرسمية للبلاد والمواقف الديبلوماسية، ومواكبة التطورات المتسارعة حول البلاد، فضلا عن التداخل بين القطاعين الإعلامي والأمني، بما أنهما أزعجا السلطة الرسمية في أكثر من موقف، وسبب عدة مشاكل للدوائر الرسمية “.
وجاء الإعلان عن الإطاحة باللواء القوي في جهاز الاستخبارات جبار مهنا، الذي شغل منصب مدير الأمن الخارجي منذ العام 2021، واستخلافه بالعميد رشدي فتحي موساوي، مؤشرات على نوايا الرئيس تبون، في ترتيب الأوراق الداخلية وتأمين الولاية الرئاسية من التشويش والنيران الصديقة التي أثقلت ولايته الرئاسية الأولى، وهو الذي لم يتوان في التشكي في أكثر من مناسبة، من دوائر ولوبيات تسعى لعرقلة برنامجه السياسي واجهاض مخطط ” الجزائر الجديدة “.
وظل اللواء جبار مهنا، منذ عودته الى جهاز الاستخبارات بعد مغادرته السجن في عام 2020، يمثل أحد الأقطاب المؤثرة داخل السلطة، فهو محسوب على جهاز الاستخبارات السابق المنحل في 2015، ويوصف بكونه ” أحد أذرع المدير السابق للجهاز، الجنرال المتقاعد محمد مدين (توفيق)، وواحد من الصقور المعادية للاسلاميين “، وشكلت عودته المذكورة، احياء لنفوذ القطب بعد تفكيكه من طرف قائد أركان الجيش، الجنرال أحمد قايد صالح، بين 2018، و2020.
وأفاد عقيد متقاعد في الجيش الجزائري، فضل عدم الكشف عن هويته، في تصريح لـ ” أفريقيا برس “، بأن ” التغيير على رأس مديرية الأمن الخارجي، والاطاحة باللواء جبار مهنا، كان واردا منذ مدة، بسبب ظهور نوايا وممارسات توحي الى مساعي الرجل لتمكين نفوذ جهاز الاستخبارات السابق داخل السلطة، ومنازعة المؤسسات الرسمية صلاحياتها، وأن أجندات السلطة أخرت الموعد لغاية الآن، رغم ما يُروج له بأن الأمر يتصل بظروف صحية “.
وأضاف: ” أداء المديرية لم يكن موفقا خلال السنوات الأخيرة، بعد الفشل في في متابعة وتقييم التطورات المحيطة بالبلاد، لاسيما في منطقة الساحل، حيث غُيبت الجزائر وصارت غير مرغوب فيها في توجهات النخب العسكرية الحاكمة في حلف مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بسبب الفشل في مواكبة التحولات المحيطة وعدم تزويد الجهاز الدبلوماسي بالمعطيات الضرورية، الأمر الذي كلف الجزائر مصالح استراتجية بالمنطقة، بدل أن تكون حاضرة أو مؤثرة دائمة هناك “.
ويرى متابعون للشأن الجزائري، بأن الرئيس تبون، يريد رسم معالم جديدة للبلاد في ولايته الثانية، عبر التقليص من حدة الخلافات والأزمات مع محيطها الإقليمي والدولي، وأن المسألة تتطلب مراجعة لبعض الخيارات المتصلة بتسويق صورة ومواقف البلاد للرأي العام الخارجي، وإعادة المصدر الأول للمعلومات الخارجية الى التراتبية المؤسساتية، وفرض الانسجام والتكامل في بلورة القرارات والمواقف، بعيدا عن صراعات النفوذ واستقطاب الدوائر الداخلية.
ولفت العقيد المتقاعد في تصريحه لـ ” أفريقيا برس “، بأن ” أداء المديرية ولأسباب غير مفهومة فخخ العديد من العلاقات الجزائرية مع محيطها الإقليمي والاستراتيجي، كما هو الشأن مع اسبانيا وفرنسا والمغرب والامارات العربية المتحدة، وروسيا ودول الساحل، ولا يستبعد وقوفها خلف الهجومات المتكررة للاعلام الجزائري الحكومي والخاص على حكومات ومسؤولين سامين في تلك الدول “.
وتظهر نوايا الرئيس تبون، في الاطمئنان على مديرية الأمن الخارجي، من خلال اسنادها الى عميد شاب، من مواليد العام 1977 وقد يكون من أصغر عمداء المؤسسة العسكرية، وزيادة على قربه من العائلة فهو شخصية مثقفة ومنفتحة وبماض أبيض لا صلة له سواء بصراعات السلطة أو الحرب الأهلية خلال العشرية الدموية ( 1990- 2000 ).
وذكر بيان لوزارة الدفاع الجزائرية، بأن قائد أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، وباسم السيد رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، نصب رسميا العميد موساوي رشدي فتحي، مديرا عاما للوثائق والأمن الخارجي، خلفا للواء جبار مهنا.
وأضاف على لسان شنقريحة، ” آمركم جميعا، بالعمل تحت سلطته، وطاعة أوامره، وتنفيذ تعليماته، بما يمليه صالح الخدمة، تجسيدا للقواعد والنظم العسكرية السارية، وقوانين الجمهورية، ووفاء لتضحيات شهدائنا الأبرار وتخليدا لقيم ثورتنا المجيدة،
بهذه المناسبة كانت سانحة للسيد الفريق أول، أسدى خلالها لإطارات هذه المديرية، جملة من التعليمات والتوجيهات، بغية مواصلة بذل المزيد من الجهود في خدمة الجزائر وحماية لمصالحها العليا، حاثا إياهم على الالتفاف حول قائدهم الجديد ومساندته ودعمه في أداء مهامه، من خلال التزامهم الكامل والوافي بالقيام بالمهام المنوطة، بكل الصرامة اللازمة والمثابرة الضرورية “.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





