الجزائر خيار غازيّ مطروح مجددا لأوروبا في ظل التوتر مع ترامب

الجزائر خيار غازيّ مطروح مجددا لأوروبا في ظل التوتر مع ترامب
الجزائر خيار غازيّ مطروح مجددا لأوروبا في ظل التوتر مع ترامب

أفريقيا برس – الجزائر. يبدو أن القارة الأوروبية تتجه مجددا نحو الجزائر، باعتبارها خيارا غازيا موثوقا، في ظل التوترات المتصاعدة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة على خلفية الأطماع الأمريكية المعلنة بشأن جزيرة غرينلاند الدانماركية، وما رافقها من تهديدات أثارت قلقا متزايدا داخل الاتحاد الأوروبي.

وجاء التعبير عن هذه الرغبة، الخميس، على لسان المحافظ الأوروبي للطاقة، دان يورغنسن، حسب ما نقله موقع “بوليتيكو”، والذي اعتبر أن تهديدات الرئيس الأمريكي بشأن جزيرة غرينلاند كانت بمثابة “إشارة تحذيرية” لدول التكتل الأوروبي لإيجاد مصادر أخرى بديلة لغاز الولايات المتحدة.

وقال يورغانسن، في هذا الصدد، وفق المصدر ذاته، إن الاتحاد الأوروبي سيكثف جهوده لتنويع مصادر التزود بالغاز، محذرا من أن الاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات مع واشنطن، أظهرت أن الروابط الطاقوية لم تعد بمنأى عن الصدمات الأمنية.

وأضاف “نمر بفترة شديدة الاضطراب، وما زاد الوضع تعقيدا هو العلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة، في ظل وجود رئيس أمريكي لا يستبعد استخدام القوة بشأن غرينلاند”.

وكما هو معلوم، فإن الولايات المتحدة تضمن اليوم أكثر من ربع استهلاك الاتحاد الأوروبي من الغاز، كلها عبارة عن غاز طبيعي مسال “جي.أن.أل”، مقابل نحو 5 بالمائة فقط قبل خمس سنوات، وهي نسبة مرشحة للارتفاع أكثر مع دخول الحظر الكامل على الغاز الروسي حيز التنفيذ.

غير أن المفوض الأوروبي للطاقة، أكد أن بروكسل تبحث بنشاط عن موردين بديلين، وتعتزم تعميق شراكاتها الطاقوية مع عدد من الدول خلال الأشهر المقبلة، من بينها كندا وقطر ودول شمال إفريقيا، وعلى رأسها الجزائر.

وفي هذا السياق، أقر يورغنسن بوجود مخاوف متزايدة داخل الاتحاد الأوروبي من خطر “استبدال تبعية بأخرى”، بعد الانتقال السريع من الغاز الروسي إلى الغاز الأمريكي المسال عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، مؤكدا في الوقت ذاته أن بروكسل لا تسعى إلى حرب تجارية مع واشنطن، لكنها مطالبة بضمان أمنها الطاقوي والقدرة على تلبية احتياجاتها ذاتيا.

غير أن التذكير هنا يبدو ضروريا: فأوروبا يبدو أنها تلميذ لا يحفظ دروس الماضي جيدا. فخلال الأزمة الغازية والطاقوية التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، برزت الجزائر كبديل جاهز وموثوق، يلتزم بإمداداته بعيدًا عن منطق الابتزاز السياسي والتقلبات الجيوسياسية.

ومع ذلك، فإن “مكافأة” القارة العجوز للجزائر جاءت محدودة، إذ لم تقابل الإمدادات الجزائرية المضمونة والتنافسية بزيادة ملموسة في الطلب، باستثناء إيطاليا، وإسبانيا بنسب متواضعة، وبعض الدول الأوروبية الصغيرة.

في المقابل، رضخت غالبية الدول الأوروبية لضغوط إدارة ترامب، ورفعت وارداتها من الغاز الأمريكي المسال، رغم فارق السعر ومخاطر الإمداد المرتبطة ببعد المسافة وغلاء التكلفة والعواصف والأعاصير في المحيط الأطلسي التي تعيق سلاسل التوريد، فضلًا عن العواصف الثلجية التي ترفع الاستهلاك الداخلي الأمريكي على حساب التصدير.

اليوم، وبعودة التوترات مع واشنطن إلى الواجهة، تعود الجزائر لتفرض نفسها مجددًا كخيار استراتيجي واقعي لأوروبا. ويبقى السؤال المطروح: هل ستتعامل القارة العجوز هذه المرة ببراغماتية تحكمها المصالح بعيدة المدى، أم ستكرر أخطاء الماضي تحت ضغط الحسابات السياسية الظرفية؟

الخبير مندوش: غاز واشنطن المسال من دون سوق بديل خارج أوروبا

في هذا السياق، يرى خبير الطاقة بغداد مندوش أن تطبيق أي قرار أوروبي فعلي بتقليص أو وقف استيراد الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، في أعقاب التوترات السياسية مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، سيضع الولايات المتحدة في موقف حرج للغاية، لأنها ببساطة لن تجد بدائل حقيقية لتسويق غازها المسال.

ويؤكد مندوش، والذي شغل سابقا منصب مدير عام لأحد فروع سوناطراك، أن واشنطن راهنت بشكل كبير على السوق الأوروبية بعد تقليص صادرات الغاز الروسي، بل وجعلت من رفع كميات الاستيراد الأوروبية شرطًا سياسيًا واقتصاديًا صريحًا خلال عهد ترامب.

ويذكّر مندوش بأن الاتحاد الأوروبي، والذي كان يعتمد قبل الحرب الأوكرانية الروسية على الغاز الروسي بنسبة تراوحت بين 40 و50 بالمائة، خاصة في دول محورية مثل ألمانيا والنمسا والمجر، اضطر إلى البحث عن مصادر بديلة بعد قرار قطع الإمدادات عبر الأنابيب.

هذا التوجه دفع بروكسل، حسبه، نحو الغاز الصخري الأمريكي المسال، إلى جانب موردين آخرين، غير أن هذه الخيارات، حسبه، بقيت مكلفة وغير مستقرة مقارنة بالغاز المنقول عبر الأنابيب.

وفي هذا السياق، يؤكد خبير الطاقة بغداد مندوش أن الجزائر تبرز كاحتياطي استراتيجي حقيقي وموثوق للاتحاد الأوروبي، خصوصًا لدول جنوب ووسط أوروبا، مشيرا إلى أن الجزائر تمتلك قدرة مزدوجة على التصدير، سواء عبر الأنابيب نحو إيطاليا، ثم النمسا وألمانيا، أو عبر خط “ميدغاز” نحو إسبانيا والبرتغال، إضافة إلى الغاز الطبيعي المسال الموجه لأسواق مثل تركيا ودول أوروبية أخرى.

ويشير مندوش إلى أن قرار ترامب المتعلق بجزيرة غرينلاند يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط أوروبية مضادة، عبر تقليص الاعتماد على الغاز الأمريكي المسال وتعويضه بمصادر بديلة، على رأسها الجزائر، إلى جانب قطر وكندا وأذربيجان، معتبرا أن هذا التحول، إن تم تفعيله خلال الأشهر القادمة، سيقوض الرهان الأمريكي على أوروبا كسوق شبه وحيد لغازها المسال.

ويضيف أن الولايات المتحدة كانت قد ربطت اتفاقات الطاقة مع أوروبا بملف الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، غير أن البرلمان الأوروبي جمد لاحقًا القرار الذي وقعت عليه رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، ما يعكس هشاشة هذا المسار.

وخلص بغداد مندوش إلى أن الطلب العالمي على الغاز يشهد منحى تصاعديا قويا، مدفوعا ببرودة الشتاء الأخير وارتفاع الاستهلاك الصناعي، حيث قفز السعر بأكثر من 25 بالمائة، من نحو 28 يورو إلى ما يفوق 42 يورو للميغاواط/ساعة، كما تشير تحاليل منتدى الدول المصدرة للغاز إلى أن الطلب العالمي سيرتفع بنسبة 30 إلى 35 بالمائة إلى غاية 2050 و2060، ما يجعل الجزائر، بما تملكه من احتياطات وبنية تحتية واستثمارات سوناطراك، فاعلا أساسيا ليس فقط في إفريقيا، بل كشريك طاقوي بديل واستراتيجي لأوروبا.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here