أفريقيا برس – الجزائر. هو مشهد غير مألوف في سكيكدة، بأن ترى امرأة تتابع خلايا النحل المتلاصقة والمتراصة وتقوم بتنظيفها وترتيبها والعمل على صيانتها للوقاية من الأمراض، وصولا إلى جني العسل.. إنها العجوز عقيلة، التي ناهزت 70 سنة من عمرها، والقاطنة ببلدية بني زيد، أقصى غرب ولاية سكيكدة، التي تواصل نضالها بحثا عن أبواب الرزق الكريم لإعالة عائلتها خاصة بعد وفاة زوجها، رغم أنها لم تسلم يوميا من لسعات النحل التي تتسرب من تحت الملابس أو من فوقها أو من القفازات، حيث كان جلدها يحمر ويتورم قليلًا كل يوم بعد لسعة نحل، وتقول ومع مرور الوقت اعتدت على ذلك، وأصبح من ضمن عملي، وأصبح النحل جزءا من حياتي، وتولّدت بيني وبينه محبة وألفة، وأتنقل في المنحل يوميا لوضع الغذاء للنحل وتفقد الخلايا من وجود الملكة، والبيض، ووضع المضاد الحيوي المخلوط بالسكر الناعم لوقايته من الأمراض من دون خوف وبكل ثقة.
هذه اللّسعات على تعددها واختلاف أماكنها زادتها إصرارا على الاستمرار والنجاح في هذه المهنة التي كانت ومازالت حكرا على الرجال، لتثبت لهم أن المرأة قادرة على تحمل المسؤولية والدخول في مشروع يهابه الرجال. جدتي عقيلة تروي لنا فكرة تربية النحل، حيث عادت بذاكرتها إلى الوراء قائلة كنت أساعد الوالدة التي سبقتني إليها في منطقة بدائرة القل، وتقول لم أتلق تكوينا، لكي أتعلم كيفية تربية النحل والتعامل معها، وكنا نجمع الخلايا التقليدية من الغابات المجاورة لمسكننا، وأحببت هذه الحرفة مند سنة 1971، أي عندما بلغت سن الثانية عشرة، ولما توفيت الوالدة انقطعت عنها، لكن بعد زواجي سنة 1995 وبسبب الحالة المزرية لزوجي العاجز عن توفير لقمة العيش، عاودني الحنين لحرفتي المفضلة وشجعني زوجي كثيرا واشترى لي 10 صناديق نحل بمبلغ 20 ألف دج، وكانت هناك مراهنة على نجاحي من قبل الجيران، خاصة الرجال، يقولون لن تنجح امرأة في تربية النحل، لكنني والحمد لله لقد نجحت، تقول جدتي عقيلة، والابتسامة ترتسم على وجهها، وتضيف أصبحوا بعد ذلك يتساءلون كيف نجحت؟ ومند ذلك الوقت وأنا اشتغل في هذه الحرفة الشيقة، واستفدت بـ10 صناديق نحل مجهزة في إطار التدعيم الفلاحي، ولكن بسبب الأحوال الجوية ضاع منها 8 صناديق، وبقي لي القليل.
وتضيف المتحدثة أنها تحوز طلبات كثيرة من مختلف ولايات الوطن، وحتى من الخارج، حيث أصبح عسل جبال الدوار مشهود له بجودته العالية، وتعرف عقيلة بملكة تربية النحل، موضحة أن العسل البري ذو جودة عالية لا يضاهيه أي عسل آخر، كما اعتبرتها مهنة وهواية، خاصة وأنّ جبال المصيف القلي حباها الله بالمقوّمات الطبيعية، ممّا جعلها مرتعا خصبا للنحل.
جدتي عقيلة ترتدي يوميا الزي الأبيض كبياض قلبها الذي من شأنه أن يقي جسدها من لسعات النحل وتستعين بأدوات بدائية للغاية، تجعل من مهمتها أمرا صعبا للغاية، تتجول وسط الصناديق وهي تتمتم، هذا النحل شرس ولسعاته قوية، بهذه الكلمات، كانت تتحدث إلينا، قائلة لقد تراجعت كميات الإنتاج بشكل كبير جداً هذا العام بسبب استمرار التقلبات الجوية التي لا تمكن النحل من القيام بالمهام الملقاة على عاتقها، بالإضافة إلى تراجع المساحات التي تنمو فيها الزهور، وغيرها من العوامل الطبيعية التي جعلت من مهنة تربية النحل لا تجدي نفعا خلال السنوات الأخيرة، إنها تستعين بإبريق مخصص لإطلاق الدخان صوب خلايا النحل، وحتى لا تشعر بحالة من الغضب، وعندئذ ستكون مهمة تفقدها، صعبة للغاية، إذا ما شهدت الخلايا ثورة في صفوف النحل المدافع عنها، وتقول كدت أن أفقد حياتي، حيث وقعت لي حادثة خطيرة حين أغمي علي، من شدة الدخان الكثيف، لأنني مصابة بمرض الربو المزمن، ولولا ابنتي لتوفيت، وفي المرة الثانية كنت لوحدي، حيث أغمي علي أيضا، وتبقى أفضل ذكرياتي عندما كنت امتهن هذه المهنة مع والدتي أقدم لها يد المساعدة.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





