ماذا نقول عن الجزائر؟ و ماذا نقول للجزائريين؟ سؤالان لطالما شكلت الإجابة عليهما صداعاً بالنسبة لجميع الرؤساء الفرنسيين؛ بسبب العلاقة المعقدة بين البلدين حيث يختلط الإرث التاريخي بالشكوك الجيوسياسة والتحديات الاقتصادية والمخاوف الديموغرافية. واليوم يجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه أمام تحدٍ كبير مع تصاعد حدة الاحتجاجات الرافضة لترشح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة (العهدة الخامسة).
قبل أيام، كان موقع maghreb-intelligence الاستخباري الفرنسي قد كشف نقلاً عن مصدر مقرب من قصر الاليزيه، أن باريس، وبعد أن كانت تعارض بشدة ترشح عبدالعزيز بوتفليقة لولاية خامسة؛ عادت لمراجعة حساباتها ووافقت على سيناريو خلافة الرئيس الجزائري لنفسه، بعد أن اقتنعت بعدم وجود بديل يمكنها أن تعوّل عليه من أجل “ضمان الاستقرار”.
فرنسا بعد أن كانت تعارض بشدة ترشح عبدالعزيز بوتفليقة لولاية خامسة؛ عادت لمراجعة حساباتها ووافقت على سيناريو خلافة الرئيس الجزائري لنفسه، بعد أن اقتنعت بعدم وجود بديل.
غير أن المعطيات تغيرت مع اندلاع موجة الاحتجاجات الاجتماعية واتساع دائرة نطاقها وتصدرها لوسائل الفرنسية و العالمية؛ وهو ما جعل السلطات الفرنسية تحبس أنفاسها في مواجهة تطورات الملف الجزائري، الذي يُعد حساساً للغاية، نظراً للإرث التاريخي بين البلدين والارتباط الوثيق في علاقاتهما ووجود جالية جزائرية كبيرة في فرنسا – هناك نحو 800 من مزدوجي الجنسية.
وحتى الآن، و بعد مُرور أكثر من أسبوع على بدء احتجاجات حراك “22 فبراير/شباط” الاجتماعي الرافض بشكل قاطع لاستمرار بوتفليقة والنظام الحالي في السلطة؛ لا تزال السلطات الرسمية الفرنسية تراقب بحذر شديد ما يدور في الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط. إذ لم يدْل الرئيسُ إيمانويل ماكرون بأي تعليق رسمي؛ فيما اكتفى قصر الاليزيه بالتصريح على أن : “الأمر يعود للشعب الجزائري ليقرر مستقبله عبر صناديق الاقتراع”. غير أن مصادر في الاليزيه أكدت الأسبوع الماضي أن الرئيس ماكرون يلاحظ عن كثب الوضع في الجزائر مع الحرص على عدم اتهامه بالتدخل. ونقلت إذاعة فرنسا الدولية عن مصدر دبلوماسي فرنسي تأكيده أن الرئيس الفرنسي أجرى مكالمة هاتفية غير عادية مع سفيره في الجزائر و طلب منه المجيء إلى باريس في اليوم التالي لمشاركة تحليلاته مع جان إيف لو دريان وزير الشؤون الخارجية.
وعلى نفس المنوال تحدث العديد من المسؤولين من دون اتخاذ موقف لأي طرف على حساب آخر حرص. فعقب اجتماع مجلس الوزراء الأربعاء الماضي، صرح الناطق باسم الحكومة بنجامين غريفو قائلا: “نراقب الوضع في الجزائر ونريد إجراء الانتخابات في أفضل ظروف ممكنة وبشفافية كاملة”. وهي جملة رددها عدد من الوزراء لوسائل الإعلام، على غرار وزير الزراعة ديدييه غيوم
الذي اعتبر أنه ”على الجزائريين اختيار مصيرهم بأنفسهم، مضيفاً أن هذه المظاهرات الضخمة تذكر بما حدث في دول أخرى كتونس أو مصر”. من جانبها، شددت مارلين شيابا كاتبة الدولة المكلفة بالمساواة بين الجنسين على أنه من المهم السماح للشعب الجزائري باختيار من سيمثله”.
ونقلت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية عن سعيد أحمد النائب البرلماني عن حركة الرئيس ماكرون “الجمهورية إلى الأمام” ؛ نقلت عنه قوله: “حتى لو كان الوضع مختلفًا تمامًا عن السيناريو الليبي، إلا أن ما حصل في ليبيا عالق في أذهان الجميع. تعبئة الشعب الجزائري تحظى باهتمام كبير لكنني أشعر بالقلق أيضا لأن تاريخنا مرتبط. وإذا تدهور الوضع، سيتعين على فرنسا اتخاذ موقف”.
لوفيغارو، رأت أيضا في افتتاحية عددها الصادر الاثنين، أن رغبة الشعب الجزائري في قلب صفحة بوتفليقة ونظامه باتت أمراً واقعاً، ليس فقط لأن الجزائريين يعبرون عن رفضهم لرجل طريح الفراش، ولكن أيضا لأن ما يحصل هو تعبير عن سخط الشباب المتعطش للعدالة الاجتماعية والحرية ضد نظام فاسد وعنيف. ولذلك فإنه على فرنسا أن تُدرك هذا الواقع، و تتجاوز فكرة بوتفليقة بدلاً من الفوضى التي لم تعد مقبولة.
واعتبرت الصّحافية المخضرمة في صحيفة “لوفيغارو” إيزابيل لاسير أنه بسبب الحساسية المفرطة في العلاقة الفرنسية-الجزائرية والأزمات الكثيرة بين باريس ومستعمرتها السابقة، فإن أي موقف علني فرنسي لصالح صحوة المجتمع الجزائري سوف يفسره النظام على أنه تدخل مرفوض في الشأن الداخلي الجزائري. أما صمت باريس، فيمكن – بحسب الصحيفة الفرنسية – تفسيره بأنه دعم
للنظام والوضع الراهن الذي طالما أيدته باريس، من أجل الاستقرار. ويلخص دبلوماسي فرنسي المعضلة الفرنسية بالقول: “يجبُ أن نضمن استمرارية العلاقات الثنائية بين باريس والجزائر، وفي نفس الوقت من الضروري أن يتنفس الشعب الجزائري ويعبر عن نفسه”.
باريس تخشى موجة هجرة للعديد من الشباب الجزائريين نحو فرنسا إذا تدهورت الأوضاع في الجزائر
وأوضحت إيزابيل لاسير أن الموقف الرسمي الفرنسي الحالي الذي وصفته بالهادئ، يخفي عاصفة داخلية، حيث أن الوضع في الجزائر يشكل “أولوية قصوى” بالنسبة للمسؤولين الفرنسيين الذين يتابعون الوضع ساعة بساعة. إذ يقومون خلال اجتماعاتهم بعرض السيناريوهات المحتملة للأزمة، بما في ذلك من الانزلاق إلى ثورة عنيفة ضد النظام أو القمع واسع النطاق من قبل الحكومة.
ففي أي من الحالتين قد تكون العواقب ثقيلة لا محالة بالنسبة لفرنسا في ثلاثة مجالات على الأقل: أولها احتمال أن تكون هناك موجة هجرة العديد من الشباب الجزائري نحو فرنسا. غير أنه بالعودة إلى الوراء نتذكر أنه في ذروة القمع أثناء أزمة التسعينات، لم يُغادر الجزائريون بلدهم بشكل جماعي.
أما الخطر الثاني بالنسبة لفرنسا، فهو جيوسياسي، حيث تُعتبر الجزائر شريكاً لا غنى عنه بالنسبة لها بخصوص مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل. فهي قطب استقرار في هذه المنطقة الخطرة والتي تسودها حالة من الفوضى.
وأخيرا، فإن للمصالح الفرنسية أيضا جذورا اقتصادية، حيث 10 في المئة من وارداتها من الغاز الطبيعي مصدرها الجزائر.
وباسم مصالحها الأمنية و الجيوسياسية والاقتصادية، تنوي فرنسا، وفق إيزابيل لاسبير، القيام بكل شيء للحفاظ على قوة العلاقة الثنائية مع الجزائر.
