آمنة جبران
أهم ما يجب معرفته
تحدث إدريس ربوح، المحلل السياسي في حوار خاص، عن التعاون الأمني المتزايد بين الجزائر وتونس، مشيراً إلى أهمية هذا التعاون في تأمين الحدود المشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليمي. كما أشار إلى التقارب في المواقف بشأن قضايا إقليمية مثل ملف الصحراء الغربية، وأهمية التنسيق لمواجهة التحديات الأمنية في المنطقة، خاصة في ظل الأوضاع في ليبيا.
أفريقيا برس – الجزائر. اعتبر إدريس ربوح، المحلل السياسي ورئيس تنسيقية جمعيات الجزائريين عبر العالم، في حواره مع “أفريقيا برس” أن التعاون الأمني والعسكري بين الجزائر وتونس في تطور مستمر، وتنظمه العديد من الاتفاقيات واللقاءات الدورية بين البلدين. وثمرة ذلك على المستوى الإقليمي هو تأمين الحدود المشتركة، وكذلك مع ليبيا حيث تشهد هذه الحدود استقراراً متصاعداً وحركة متواصلة بين جانبي الحدود سواء التونسية الليبية أو الجزائرية الليبية.
ولفت إلى ما وصلت إليه العلاقات التونسية-الجزائرية في عهد الرئيسين قيس سعيد وعبد المجيد تبون من تقارب جلي في قضايا كانت محل خلاف إقليمي مثل ملف الصحراء الغربية. كما عززت الجزائر تعاونها مع تونس في ملف الهجرة، وسيتعزز هذا التعاون أكثر مع اقتراب التسوية السياسية في ليبيا وتوحيد المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية فيها.
ورأى أن حلم اتحاد المغرب العربي قد انتهى، حيث اتجهت أغلبية دول المنطقة للتعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني عبر التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، وبات العمل المشترك بين دول شمال إفريقيا أكثر نجاعة مقارنة بالجثة الهامدة المسماة اتحاد المغرب العربي.
كيف تقرأ العلاقات التونسية-الجزائرية في عهد الرئيسين قيس سعيد وعبد المجيد تبون؟ هل برأيك الرهانات الإقليمية ترفع مستوى التنسيق بين البلدين؟
ما يميز علاقة الجزائر بتونس في مرحلة ما بعد الثورة التونسية ودخول تونس عهد الديمقراطية وتنظيم الانتخابات الحرة هو الدعم المتواصل للجزائر لمسار التحول في تونس، والذي بلغ مستويات عليا في التنسيق السياسي وصل إلى درجة التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك وخاصة في الشأن الليبي. بل ووصلت العلاقات الجزائرية التونسية إلى التقارب في قضايا كانت محل خلاف إقليمي، حيث اقتربت تونس أكثر من المقاربة الجزائرية في حل نزاع الصحراء الغربية بين المملكة المغربية والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. حيث تصر كل من الجزائر وتونس على الحل الأممي وتدعمان جهود الأمم المتحدة في حل النزاع بين الطرفين المتنازعين في الصحراء الغربية بالطرق السلمية وفق الخطة المقترحة من طرف الأمم المتحدة. وقد تعاملت تونس في عهد الرئيس قيس سعيد بإيجابية عندما استقبل الرئيس الصحراوي إبراهيم غالي بمناسبة قمة الاتحاد الأفريقي واليابان، في سابقة في تاريخ تونس السياسي، وفي خطوة نحو الاقتراب أكثر من الجزائر. كما أن التعاون الاقتصادي والأمني وحركة المسافرين بين البلدين تعززت بشكل كبير رغم عديد المحاولات داخل تونس وخارجها لضرب هذه العلاقات المتصاعدة، لكن إصرار البلدين على تعميق هذه العلاقات وتطويرها حال دون ذلك.
هل بوسع تونس والجزائر التصدي للتحديات الأمنية التي تتربص بالمغرب العربي بسبب التهديدات الناجمة عن غياب الاستقرار في ليبيا ودول الساحل الأفريقي؟
التعاون الأمني والعسكري بين الجزائر وتونس في تطور مستمر، وتنظمه العديد من الاتفاقيات واللقاءات الدورية بين البلدين. وثمرة ذلك على المستوى الإقليمي هو تأمين الحدود المشتركة وكذلك مع ليبيا، حيث تشهد هذه الحدود استقراراً متصاعداً وحركة متواصلة بين جانبي الحدود سواء التونسية الليبية أو الجزائرية الليبية. وحرص الجزائر وتونس على تفعيل آلية التشاور الثلاثي لدول جوار ليبيا رفقة مصر، وذلك للمزيد من الدعم للحل الليبي-الليبي للأزمة السياسية في ليبيا ودعم جهود الأمم المتحدة وبعثتها هناك لإنجاح مسار التسوية السياسية وعودة المسار الانتخابي في ليبيا عبر تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة لبناء مؤسسات سياسية موحدة ومعبرة عن إرادة الشعب الليبي، الذي يخوض كبقية شعوب المنطقة، نضالاً متواصلاً لفرض إرادته الحرة وبناء دولته.
أما فيما يخص الوضع في الصحراء الكبرى والساحل الأفريقي، فهناك عدة آليات متعددة الأطراف تجمع الجزائر وتونس ضمن قدرة شمال إفريقيا، وهي إطار عسكري يشمل كل من جمهورية مصر ودولة ليبيا والجمهورية التونسية والجمهورية الجزائرية والجمهورية الصحراوية والجمهورية الموريتانية، وهو الإطار الإقليمي للتعاون العسكري بين دول شمال الأفريقي، والتي تملك مساحات واسعة جداً في الصحراء الكبرى والساحل الأفريقي. كما تتمتع بحدود كبيرة بآلاف الكيلومترات مع دول غرب إفريقيا ووسطها وشرقها، وهي المنطقة الأخطر في إفريقيا وتشهد نشاطاً كبيراً ومتواصلاً للجماعات الإرهابية وعدم استقرار سياسي بسبب الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية المنتشرة في هذه المنطقة، مما حتم على دول شمال إفريقيا التنسيق والتعاون لمواجهة هذه التحديات الكبيرة، والتي من آثارها المباشرة على كل دول الشمال الأفريقي، ومن بينها الجزائر وتونس، الهجرة غير الشرعية وموجات المهاجرين الأفارقة القادمين من أماكن التوتر الأمني، التي رافقت ولازالت عدم الاستقرار السياسي والأوضاع الاقتصادية المتدهورة في دول الساحل ودول أخرى أفريقية. كل هذا دفع بالدولتين بالمزيد من التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف لمواجهة هذه التحديات.
يعد ملف المهاجرين الأفارقة معضلة أمام دول المغرب العربي، هل برأيك نجحت كل من تونس والجزائر في تطويق هذه الظاهرة دون الرضوخ للضغوط الأوروبية؟
الاستقرار السياسي في الجزائر والوضع الاقتصادي المستقر ودعمها لتونس المتواصل سياسياً واقتصادياً وأمنياً خلق وضعاً جيداً من أجل توحيد رؤية البلدين في التعامل مع ملف الهجرة، حيث رفضت الجزائر ولازالت دور الدركي الذي يحمي دول الاتحاد الأوروبي من الهجرة الأفريقية غير الشرعية، بل دعت الجزائر إلى مقاربة تنموية لمنع تدفق المهاجرين الأفارقة، وذلك عبر دعم دولهم ببرامج تنموية وصرف الأموال المخصصة لمكافحة الهجرة غير الشرعية وغيرها في مشاريع تشجع الاستقرار في الدول التي تنطلق منها جموع المهاجرين. ومن هنا عززت الجزائر تعاونها مع تونس في هذا الشأن، وسيتعزز أكثر مع اقتراب التسوية السياسية في ليبيا وتوحيد المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية فيها، وهذا سيفضي إلى جبهة شمال إفريقية تصل إلى مصر للتعامل مع تحدي الهجرة غير الشرعية، والذي تعاني منه دول شمال إفريقيا قبل أن تعاني منه دول جنوب أوروبا.
هل برأيك تحتاج دول المغرب العربي إلى الانفتاح أكثر على أفريقيا وتنويع شراكاتها مع الصين وبقية القوى الاقتصادية الصاعدة؟
دول شمال إفريقيا هي جزء أصيل من منظومة العمل الأفريقي المشترك عبر الاتحاد الأفريقي ومختلف المؤسسات الفرعية له سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو أمنية أو غيرها، وتسعى دول الشمال الأفريقي للمزيد من التعاون مع بقية أقاليم الاتحاد الأفريقي الأخرى في غرب وشرق ووسط وجنوب القارة، وقد تعزز هذا التعاون أكثر في السنوات الأخيرة. وتلعب الجزائر دورًا محوريًا في ربط شمال إفريقيا بمختلف أقاليم القارة الأخرى، وذلك عبر البنية التحتية الضخمة والتي ستستفيد منها دول المنطقة، وخاصة تونس، التي ترتبط بالجزائر بشبكة من الطرق البرية والسكك الحديدية التي تمكن المتعاملين الاقتصاديين والمسافرين التونسيين من الوصول إلى كل دول غرب ووسط إفريقيا، وبالتالي بقية إفريقيا عبر شبكة السكك الحديدية التي تربط شمال الجزائر بجنوبها الكبير، وكذلك الطرق البرية وكذلك الوجهات الجديدة للخطوط الجوية الجزائرية، والتي تسعى لتحويل الجزائر ومطاراتها العديدة إلى مطارات دولية تربط إفريقيا بالعالم. كما سيمكن خط الألياف البصرية وخط الغاز بين نيجيريا والجزائر من تعزيز ورفع قيمة ومردودية خطوط الطاقة بين إفريقيا وأوروبا، والتي يمر خط منها الأراضي التونسية نحو إيطاليا.
أي تأثير لتوجهات إدارة ترامب خاصة بعد تدخله في فنزويلا على أمن واستقرار دول المغرب العربي، وكيف تقرأ مستقبل المنطقة المغاربية في ظل هذه المتغيرات الدولية؟
الجزائر شريكة مع الولايات المتحدة الأمريكية في ميدان الطاقة والأمن في إفريقيا بشكل كبير، والجزائر تقود التعاون الإقليمي في هذا الشأن سواء عبر قدرة شمال إفريقيا ذات الطابع العسكري والتي تستقبل مقرها الجزائر وعبر الافريبول ذات الطابع الأمني والذي تستقبل أيضًا الجزائر مقرها ومركز الاتحاد الإفريقي لمكافحة الإرهاب، وكذلك عبر التعاون الطاقوي بين عملاقي النفط والغاز في إفريقيا، الجزائر ونيجيريا، وكذلك الحضور الجزائري في ميدان الطاقة في ليبيا والنيجر عبر أكبر شركة في إفريقيا وهي شركة سونطراك الجزائرية والمتخصصة في ميدان النفط والغاز وصناعة المشتقات النفطية، وكذلك شبكة خطوط الغاز الأفريقية الأوروبية، والتي تنطلق من الجزائر وتتجه نحو إيطاليا وإسبانيا ومن خلالهما أوروبا. هذا يعطي للجزائر ومن خلالها شركائها في الإقليم، وبالخصوص تونس، دورًا في التعاون الدولي. وأمريكا حريصة على هذا التعاون الطاقوي والأمني ومن مصلحتها أن يبقى الإقليم في وضع مستقر. وسيكون دورها في حل نزاع الصحراء الغربية ينطلق من هذه المعطيات والمصالح المشتركة لدول الإقليم التي استطاعت أن تنشئ منظومة من التعاون المشترك السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني، من مصلحة أمريكا تعزيزه نظرًا للمكانة الاستراتيجية للمنطقة وقدراتها الاقتصادية الكبيرة. ففي النهاية ستتعامل إدارة ترامب مع المصالح الكبرى والتي يجسدها هذا التعاون المشترك.
كيف يمكن إذابة الجليد بين الجزائر والمغرب وتجاوز خلافات ملف الصحراء، وهل ما زالت هناك فرصة لإحياء الاتحاد المغاربي؟
اتحاد المغرب العربي انتهى، وقد اتجهت أغلبية دول المنطقة للتعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني عبر التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف ضمن تكتل شمال إفريقيا في منظومة العمل الأفريقي المشترك، وهذا ما نراه في العديد من المؤسسات المشتركة: قدرة شمال إفريقيا، آلية التشاور لدول جوار ليبيا، التعاون في الاتحاد الإفريقي وتولي المناصب بصفة دورية كان آخرها منصب نائب رئيس المفوضية الأفريقية، والذي كان نتاج تعاون بين مصر وليبيا وتونس والجمهورية الصحراوية وموريتانيا. ولا زالت هذه الآليات المختلفة تشتغل كبديل غير معلن لاتحاد المغرب العربي، خاصة وأن مصر طلبت سابقًا الانضمام إلى الاتحاد المغاربي، والذي انتهى واقعياً ولم يعد له وجود. واستطاع تعاون دول شمال إفريقيا ضمن الاتحاد الأفريقي ومؤسساته أن يكون البديل العملي والفعلي حتى وإن لم يعلن كإطار مستقل، لكن استطاع أن يحقق مكاسب في التعاون الإقليمي التي يمكن البناء عليها لمواجهة التحديات المشتركة والكلام بصوت واحد في المحافل الدولية.
وأصبحت كل من جمهورية مصر العربية ودولة ليبيا والجمهورية التونسية والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية والجمهورية الإسلامية الموريتانية تنسق جهودها وتعاونها بشكل متصاعد في المحافل الإقليمية والدولية. حيث أصبحت هذه الدول المنضوية في الاتحاد الأفريقي تتداول فيما بينها المناصب السياسية داخل الاتحاد الأفريقي وتدعم بعضها في الأمم المتحدة، خاصة عندما تتحدث باسم المجموعة الأفريقية كما حدث مع عضوية الجزائر في مجلس الأمن الدولي سنتي 2024 و2025، وكذلك التعاون في المؤسسات العسكرية والأمنية القارية وتصاعد المبادلات التجارية بين هذه الدول. وبوصول سكة الحديد إلى الحدود الجزائرية الموريتانية في الأيام القادمة، وكذلك وصول مستقبلاً سكة الحديد إلى تمنراست في أقصى الجنوب الجزائري والانتهاء من الطرق الرابطة بين الجزائر وموريتانيا والجزائر ومالي والجزائر والنيجر وخط الألياف البصرية، تكون بذلك دول شمال إفريقيا قد ارتبطت بغرب ووسط القارة، وباستكمال مصر خطها مع السودان، وبالتالي شرق إفريقيا ووسطها، يكون الشمال الأفريقي قد أصبح متواصلاً مع الجنوب الأفريقي عبر شبكة الخطوط في غرب ووسط وشرق القارة. فالعمل المشترك بين دول شمال إفريقيا أصبح أكثر نجاعة مقارنة بالجثة الهامدة المسماة اتحاد المغرب العربي.





