محمد مسلم
أفريقيا برس – الجزائر. من بين الملفات التي لم تنل حقها الكافي من التحقيق في جرائم الاستعمار الفرنسي إبان الثورة التحريرية، قضية المحتشدات التي أقامها جيش الاحتلال مع اشتداد الحرب، بهدف عزل رجالات جبهة التحرير عن الأوساط الشعبية، ومن ثمّ، منعهم من العديد من المزايا، مثل الغذاء والحصول على المعلومة الضرورية في وقتها لمواجهة مخططات العدو.
هذا الملف الحسّاس كان محل دراسة أوردتها مجلة “جون أفريك”، وقد وصفته بأنه “آخر الطابوهات” في “حرب الجزائر”، كما تشير إلى ذلك الأدبيات التاريخية الفرنسية، والثورة التحريرية بالنسبة للجزائر. وبينما تتحدث الكثير من المراجع التاريخية عن أن المحتشدات بدأت في سنة 1958، بعد وصول الجنرال شارل ديغول إلى سدة الحكم في فرنسا على أنقاض الجمهورية الرابعة، تذهب هذه الدراسة غير ذلك تماما.
بداية إقامة المحتشدات (معسكرات تجميع السكان الأصليين) يعود إلى سنة 1955 في منطقة الأوراس، تقول “جون أفريك”، وأول من أصدر هذا القرار، الجنرال بارلاني، ضابط الشؤون المتعلقة بالأهالي. الهدف من إقامة هذه المحتشدات عسكري، لأن جيش الاحتلال كان يصعب عليه الوصول إلى القرى المعزولة، التي كانت أماكن اختباء مثالية للمجاهدين الجزائريين الذين يستفيدون من إطلاع أفضل بالتضاريس.
كما عمد جيش الاحتلال الفرنسي، وفق الدراسة ذاتها، إلى تدمير القرى التي هُجّر أصحابها وإقامة مناطق محظورة على الجزائريين، وأعطي للجيش الفرنسي حق إطلاق النار دون سابق إنذار. وفي عامي 1956 و1957، أصبحت إقامة المحتشدات تتم بشكل منظّم، وفي عام 1957، وأحيانًا من خلال بث رسائل دعائية عبر مكبرات الصوت. في الفاتح من جانفي 1959، وصل عدد المحتشدات إلى 936 معسكر، وفي جوان 1959، تم تجاوز عتبة المليون شخص داخل المحتشدات.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل عمدت سلطة الاحتلال إلى إطلاق مخطط قسنطينة، وهو مشروع للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر بداية من العام 1958، وقد استهدف تخصيص 250 ألف هكتار من الأراضي الزراعية للمزارعين المسلمين، تطبيقا لسياسة الألف قرية بقيادة ديلوفرييه، فيما بدا محاولة لامتصاص غضب الجزائريين المجسّد في وقوفهم إلى جانب الثورة التحريرية.
الدراسة انطلقت من المذكرة الخاصة بالمحتشدات، التي كتبها ستة من كبار المسؤولين الفرنسيين، كشفت الخطوط العريضة لها في عام 1959. وقد تم تقديمها في 17 فيفري إلى بول ديلوفرييه حتى يتمكّن المندوب العام للحكومة في الجزائر من إحالتها إلى الجنرال ديغول. وتحدثت مذكرة ميشال روكار، الذي أصبح رئيسا للحكومة في ثمانينيات القرن الماضي، عن الجرائم التي سبّبها قرار إقامة المحتشدات.
فقد تسبّب إبعاد الجزائريين عن أراضيهم ومنعهم من محاصيلهم وتجميعهم في المحتشدات، وكذا حرمانهم من تربية الحيوانات (الماعز والغنم والبقر والدواجن)، في تفاقم وضعهم الغذائي، ما أدى إلى تفشي الأمراض ومن ثمّ، ازدياد عدد الوفيات بشكل مذهل بينهم وخاصة بين الأطفال، تقول الدراسة. وبلغة الأرقام، فقد تم تهجير 3.5 مليون شخص قسراً، وهو ما يعادل نحو 40 بالمائة من السكان الجزائريين حينها.
وفي الواقع، لم يكن ما حدث في سنة 1959، سوى موجة ثانية من عمليات إعادة التجميع (المحتشدات) وحصارهم بالأسلاك الشائكة، وهي ممارسة شائعة لمنع الفلاحين من العودة إلى أراضيهم. كما رفضت الدراسة وصف مذكرة ميشيل روكار المحتشد بأنه “مركز”، لأن ذلك يعتبر “تعبيرا إداري ملطفا”، لتجنّب استحضار صدمة الحرب العالمية الثانية، وشدّدت على ضرورة استبدال المركز بـ”المعسكر”.
غير أن جبهة التحرير الوطني عرفت كيف تستغل الوضع الجديد، وتفعّل نشاطها داخل المعسكرات، حتى تستمر المقاومة، من خلال العمل على جمع التبرعات ونشر وترويج الشعارات المطالبة بدعم الثورة ضد جيش الاحتلال، كما قال أستاذ علم النفس، ميشال كورناتون.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





