أفريقيا برس – الجزائر. أسدل الستار، منذ أيام قليلة، على أول دفعة من النخب العلمية الجديدة، من مختلف التخصصات في علوم الوحي والعلوم الكونية، بدار القرآن التابعة للمدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية بجامع الجزائر، في ختام التكوين النظري الإقامي لطلبة الدكتوراه، وهي تجربة أكاديمية فريدة جعلت ختم حفظ كتاب الله حفظا وتجويدا شرطا أساسيا في مسار التكوين العالي.
وحملت الاحتفالية بتخرج الدفعة الأولى منذ تدشين جامع الجزائر، أبعادا علمية وروحية عميقة، عكست خصوصية هذا الصرح العلمي، الذي يراهن على بناء الباحث الجامعي المتكامل، القادر على المساهمة في النهضة العلمية وخدمة المجتمع، والتي رافقت خلالها ” الشروق” الطلبة في أجواء احتفالية امتزجت فيها الدموع بمشاعر الفرح، وتقاسمت معهم لحظات استثنائية اختزلت عامين من الجد والمثابرة، وتتويجا لمسار علمي وروحي متكامل.
مشروع أثبت أن القرآن منطلق للبحث العلمي
وسط أجواء علمية راقية، عاش الطلبة والحفظة الأوائل لكتاب الله بجامع الجزائر، فرحتهم بنهاية مرحلة مفصلية في مسارهم الجامعي، وهم يحملون رمزية الانتماء إلى أول دفعة تتخرج من دار القرآن، دفعة كتب لها أن تفتتح التجربة وتؤسس لمسار جديد في التكوين العالي، جمع بين المعرفة المتخصصة، والهوية الإسلامية، والانفتاح على قضايا العصر في مشروع علمي يثبت أن القرآن منطلقا للبحث العلمي.
وتميزت دار القرآن عن بقية عروض التكوين الجامعي باعتمادها حفظ القرآن الكريم شرطا أساسي لمناقشة أطروحة الدكتوراه في مختلف التخصصات، إلى جانب الشروط العلمية والإدارية المعروفة…وهذا ما أكده لنا الطالب بن قاسمية جلال الدين،في تخصص شعبة علم النفس التربوي من منظور إسلامي عن مسار تكوينه وتخصصه، معتبرا أن هذا التوجه يعكس رؤية تجمع بين التكوين العلمي العميق وبناء الشخصية القيمية للباحث.
وأكد المتحدث أن الحفل شهد تكريم فئتين من الطلبة، الأولى تخص الحافظين لكتاب الله الذين أتموا الحفظ داخل دار القرآن، والثانية لفئة وسام الاستحقاق العلمي، وهم الطلبة الذين أسهموا في إبراز صورة المدرسة من خلال بحوث علمية ومشاركات في ملتقيات وطنية ودولية.
وفي السياق ذاته، كشف محدثنا أنه كان من بين الطلبة الذين وفقهم الله لحفظ القرآن خلال فترة وجيزة، إلى جانب المساهمة في إصدار كتاب في تخصص علم النفس المدرسي بعنوان “التفكير في التفكير والطموح الأكاديمي”، موجه للمراهقين في المؤسسات التربوية، وكذا للأولياء والمهتمين بالمجال التربوي.
وأضاف أن طلبة دار القرآن شاركوا أيضا في تظاهرات علمية ذات بعد دولي، من بينها المؤتمر الإفريقي للشباب بوهران، الذي عرف مشاركة نحو 50 دولة، معتبرا هذه المشاركات هي بداية لمسار علمي واعد قائم على الشراكة والانفتاح.
ولفت المتحدث إلى أن دار القرآن جمعت طلبة من مختلف ولايات الوطن، ورغم هذا التنوع الجغرافي، تحولت الدفعة الأولى إلى عائلة واحدة بفضل روح الأخوة والتكامل المعرفي بين التخصصات، مضيفا، أن جامع الجزائر فضاء جامع وحد الجزائريين على العلم والقيم.
تخرُّجُنا من دار القرآن مسؤولية قبل أن يكون شهادة…
وبدوره أكد الطالب عبد الحميد المتخصص في القرآن والمعارف الشرعية، أن نهاية التكوين النظري بدار القرآن شكل لحظة فارقة في مسار الدفعة الأولى، التي حظيت بشرف التخرج من هذا الصرح العلمي الفتي، موضحا أن هذه التجربة العلمية هي ثمرة توفيق من الله عز وجل لحفظ كتابه الكريم والتحصيل في العلم الشريف”.
وأضاف المتحدث أن المرحلة تمثل منعطفا حقيقيا في حياة الطلبة، التي ستتوج جهودهم لاحقا بمناقشة رسائلهم، واعتبر هو الآخر أن الانتماء إلى أول دفعة لدار القرآن هو شرف ومسؤولية في آن واحد، قائلا إن الطلبة هم بواكير هذه الروضة العلمية، مشددا على أهمية السير على النهج الذي رسمه الأساتذة والمسؤولون، من حيث الجمع بين العلم والقيم وخدمة المجتمع.
برامج حديثة رسخت الرؤية الإسلامية في التكوين الأكاديمي
أما الطالبة سهيلة طايبي بتخصص القرآن ومعارف الإيمان والسلوك، فقد أوضحت، أن هذا التكوين تميز ببرامج ومقاييس مستحدثة سعت إلى ترسيخ الرؤية الإسلامية في التكوين الأكاديمي، من خلال بناء تصورات الفرد المسلم والجزائري على أساس هويته الإيمانية والدينية، إلى جانب تكوين بيداغوجي حديث يستجيب لمتطلبات الواقع المعاصر.
وأضافت المتحدثة أن المدرسة جمعت بين التكوين الأكاديمي داخل القاعات، والتكوين الروحي في الفضاء المسجدي، من خلال تحفيظ القرآن الكريم وتسميعه، مشيرة إلى أن لحظات تتويج الخاتمين والخاتمات من مختلف التخصصات كانت من أبرز محطات هذا المسار، سواء في العلوم الإسلامية أو في تخصصات أخرى كالمعاملات المالية.
وأكدت الطالبة أن خصوصية التكوين تكمن في كونه إقامي داخلي لمدة سنتين، يتلقى خلاله الطلبة مقاييس تخصصية وتكميلية، إضافة إلى ندوات ومحاضرات تجمع بين تخصصات متعددة، حيث يستمع الطالب لمحاضرات في الرياضيات، أو علم النفس، أو تدبر القرآن، ومهارات حفظه وفهمه وخلق التكامل المعرفي بين العلوم.
روح الأخوة والتكافل بين الطلبة رغم بعدهم عن عائلاتهم
وأشارت سهيلة طايبي إلى أن نهاية هذا التكوين تمثل في الحقيقة بداية لمسار البحث العلمي، معتبرة أن الهدف الأساسي للمدرسة هو تمكين الطالب من خوض البحث انطلاقا من الرؤية الإسلامية، في ظل واقع معرفي يعتمد بدرجة كبيرة على مناهج مستوردة، مضيفة أن القرآن الكريم والكون معا يشكلان مصدرين أساسيين للمعرفة والتفكر.
وفي حديثها عن أجواء الدفعة الأولى، أوضحت المتحدثة أن التكوين الإقامي جمع طلبة من مختلف ولايات الوطن، وهو ما خلق روح أخوة وتآلف قوية، ساعدت على تجاوز صعوبات البعد عن العائلة والتحديات اليومية.
وتحدثت سهلية بافتخار كبير بما أنها تنتمي لأول دفعة لدار القرآن، وسيحملهم ذلك مسؤولية كبيرة تجاه إنجاح هذا المشروع العلمي، معتبرة ما تحقق هو بمثابة إنجاز جماعي للمدرسة والأساتذة والقائمين عليها، في بناء نموذج تكوين يربط التخصصات العلمية والتقنية بالرؤية الإسلامية، ويجعل الهوية منطلقا للعلم لا عائقا أمامه.
المصدر: الشروق
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





