هذه الممتلكات التاريخية التي نهبها الاستعمار غير قابلة للإرجاع

هذه الممتلكات التاريخية التي نهبها الاستعمار غير قابلة للإرجاع
هذه الممتلكات التاريخية التي نهبها الاستعمار غير قابلة للإرجاع

أفريقيا برس – الجزائر. تحتفظ المتاحف الفرنسية اليوم بـ150 ألف قطعة ثقافية إفريقية، وفق تقديرات مؤرخة الفنّ كلير بوسك-تيسي عام 2024، إضافة إلى عدد آخر من القطع الموزعة على مؤسسات ومجموعات مختلفة داخل فرنسا.

فيضم مثلا، متحف كاي برانلي، وحده أزيد من 70000 قطعة أثرية قادمة من منطقة جنوب الصحراء الكبرى، تم تجميعها خلال الفترة الاستعمارية بين عامي 1885 و1960. ويشاهد المعروضات من هذه القطع الأثرية في هذا المتحف الباريسي الذي افتتح عام 2006، أزيد من 1.3 مليون زائر سنويا، فيما يحرم أبناء تلك الشعوب التي نهبت منها، باستثناء تلك الأقلية التي يمكنها زيارة المتاحف الفرنسية في الضفة الأخرى، بالأخص الشباب الإفريقي، من رؤية هذه القطع التراثية لمعرفة ماضيهم واستلهام مستقبلهم.

عدد معتبر من هذه القطع الإفريقية وصل إلى فرنسا بعد نهبه أو مصادرته من قبل الجيش الفرنسي أثناء الحملات العسكرية، أو تم اقتناءه بأسعار بخسة في سياق هيمنة، أو عبر البعثات العلمية التي جمعت تلك القطع من دون الأخذ بعين الاعتبار موافقة المجتمعات المحلية.

ورغم عدم مشروعية تواجد هذه القطع في فرنسا، والجدل حول الموضوع، إلا أن باريس لم تقر بقانون لإعادة هذه المنهوبات إلا مؤخرا، حيث صادق مجلس الشيوخ الفرنسي يوم 28 جانفي 2026، على مشروع قانون إطار يهدف إلى تسهيل إعادة الأعمال الفنية والتحف التراثية المنهوبة إلى بلدانها الأصلية. “هذا القانون، الذي يجب أن يمرّ بعد ذلك أمام الجمعية الوطنية، هو نتيجة عملية تشريعية طويلة بمبادرة من رئيس الجمهورية، ويُعدّ مهمًا جدًا بالنسبة للإطار القانوني الفرنسي. وللمرة الأولى، ستتمكن الأغراض الموجودة في المتاحف الفرنسية من الخروج من المجموعات بشكل قانوني ونهائي. هناك مبدأ “عدم قابلية التصرف” في القانون الفرنسي: ما يوجد في المتاحف ملك للأمة، ولكافة الفرنسيين، ولا يمكن بالتالي التنازل عنه أو – والأكثر من ذلك – بيعه، لذا، يمثل هذا القانون تقدمًا مهمًا جدًا”، يقول مؤرخ فرنسي فاعل في ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا، اختار عدم ذكر اسمه للتعليق على القانون.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قد وعد في نوفمبر 2017 في خطاب له في جامعة واغادوغو في السنغال: “أريد تهيئة الظروف في غضون خمس سنوات لإعادة التراث الأفريقي إلى أفريقيا، سواءً بشكل مؤقت أو دائم”. وهذا بعد عقود من النضال الذي خاضته الشعوب الافريقية للمطالبة باسترجاع تراثها.

فكتب السياسي السينغالي، أمادو مختار مبو، عام 1978، لما كان مديرا عاما لليونيسكو: “يطالب هؤلاء الرجال والنساء الفقراء بإعادة أهم الكنوز الفنية التي تمثل ثقافتهم إليهم على الأقل، تلك التي يولونها أهمية قصوى، والتي يُعد غيابها، من الناحية النفسية، أمراً لا يُطاق بالنسبة لهم. هذا المطلب مشروع”.

وتعد الجزائر من بين هذه الدول الافريقية التي نهب الاستعمار الفرنسي تراثها خلال الفترة الاستعمارية من 1830 إلى 1962، وتطالب اليوم بإعادة هذه الممتلكات الجزائرية التاريخية المنهوبة.

فقدمت الجزائر في ماي 2024، عقب أشغال اللجنة المشتركة “الجزائرية-الفرنسية” للتاريخ والذاكرة المنعقدة بمقر الأرشيف الوطني بالجزائر، قائمة مفتوحة للممتلكات الجزائرية التاريخية ذات الدلالات الرمزية والمحفوظة في مختلف المؤسسات الفرنسية والمقترحة للاسترجاع والتسليم بصفة رمزية للجزائر.

اليوم، وبعد المصادقة على هذا النص، هل سيسمح هذا القانون بإعادة كل الممتلكات الثقافية التي تطالب بها الجزائر، أم أن بعض الملفات ستظل تواجه عقبات؟ يقول مصدرنا إن إعادة الممتلكات التاريخية الموجودة في فرنسا للدول الإفريقية التي تطالب بها، ومنها الجزائر، ستخضع لمعايير صارمة جدا.

“ذلك يعتمد على نوعية الغرض وكيف دخل مجموعات المتاحف الفرنسية. هناك أولًا ما يُسمّى بـ”غنائم الحرب”، أي الأسلحة والأغراض العسكرية التي تم الاستيلاء عليها خلال ساحات العمليات. الجيش الفرنسي، مثل كل الجيوش، له عادة في استرجاع هذه الأشياء وضمها إلى المجموعات الوطنية. ما هو مسموح به في كل الجيوش يجب أن يُطبَّق في فرنسا أيضًا، وبالتالي لن يكون من الممكن إعادة “غنائم الحرب”. كذلك، لا يمكن إعادة الهبات. إذا قدّم شخص ما غرضا تم الحصول عليه قانونيا إلى متحف فرنسي، فلن يكون من الممكن إخراجه من المجموعة بعد ذلك. وهناك مثل يقول: “من يعطي يعطي، ومن يسترجع يسرق”. وهذه الفكرة هي جوهر هذا البند. على سبيل المثال، كان الأمير عبد القادر، الذي كان كريما ومتواضعا، يقدّم بانتظام هدايا وأغراضا له للأشخاص الذين يلتقي بهم ويقدرهم. ولن يكون من الاحترام مخالفة إرادته أو ما قدّمه تحت ذريعة أن الغرض موجود الآن في فرنسا أو في سوريا.” يقول المؤرخ.

ويضيف “لكن هناك فئة ثالثة من الأغراض: تلك التي سُرقت أو نُهبت. وهذه هي جوهر القانون. الغرض الذي سُرق لا مكان له في متحف فرنسي، ومن الطبيعي أن يُعاد إلى مكانه الأصلي. الأغراض التي تطالب بها الجزائر تنتمي إلى هذه الفئات المختلفة. لذلك يجب تحليل كل غرض مسبقا لتحديد فئته، ومن الواضح أن الأغراض المسروقة أو المنهوبة لن تبقى في المتاحف الفرنسية.”

استثناء ما يسميه الجانب الفرنسي “غنائم الحرب” من الإرجاع، يعني انه لن تتم إعادة الممتلكات التي استولى عليها الجيش الفرنسي أثناء المقاومات الشعبية في الجزائر، أو السيوف والتمائم التي انتزعت من أجساد الأگوُدجي، وهنّ فرقة عسكرية نسائية نخبوية في مملكة داهومي (1600-1900)، أو حتى تمثال الإله “غو”، إله الحديد والحرب في ذات المملكة الواقعة أنذاك في بينين الحالية، ومنها نفت فرنسا آخر ملوكها إلى الجزائر، بعد أن قاد مقاومة شرسة ضد الاستعمار.

وكتب مسؤولون عن المتاحف وملفات الاسترجاع في بنين ونيجيريا والسنغال، في مقال نشر في صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 30 أفريل 2024، بخصوص الأغراض العسكرية التي استولى عليها الجيش الفرنسي: “كل هذه الممتلكات صودرت، لأنها كانت تجسّد مقاومتنا، ولهذا السبب يجب إعادتها.”

وفي ملف الممتلكات الثقافية والتراثية، تطالب الجزائر، سواء السلطات أو المجتمع المدني، من باريس أن ترد إليها مجموعة من الأغراض الخاصة بالأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية، مثل: خيمة القيادة الخاصة بالأمير، وبرنوسه، وشعار القيادة الخاص به وسيفه… راية أولاد سيدي الشيخ، مجموعة أسلحة وخيمة قيادة المقراني، مخطوطات الشيخ الحداد.

إضافة إلى مدافع من الفترة العثمانية، منها مدفع “بابا مرزوق”، وهو من أقدم المدافع الجزائرية خلال الفترة العثمانية، والذي تمت صناعته من البرونز بـ”دار النحاس” بالجزائر العاصمة بين 1538 و1542، ويبلغ طوله 7 أمتار ووزنه 12 طنا، ويقذف إلى مسافة تتجاوز 5 كيلومترات، ويتواجد بميناء بريست بفرنسا منذ 1833.

اليوم، إعادة هذه الممتلكات الجزائرية المنهوبة ضرورة ملحة للذاكرة التاريخية وللعلاقات الجزائرية-الفرنسية، خصوصا في ظل الأزمة الدبلوماسية الحالية.

“الأغراض المنهوبة هي رمز للعنف الذي مورس خلال فترة الاستعمار. لذا، فإن إعادة هذه الأغراض تبدو أمرا بديهيا، وتظهر أيضا أن فرنسا اليوم لم تعد تقبل ما حدث في الماضي. إنها إشارة اعتراف بالعنف الذي وقع سابقا. وهذا مهم من منظور تاريخي، ولعلاقات فرنسا بالجزائر، وللأجيال القادمة. وبشكل أوسع، يكسر هذا القانون ما يُعرف بـ”عبادة الأشياء” التي قد توجد: فالأغراض ليست بالضرورة “محكوما عليها” بعدم التحرك. يمكن، وفق شروط محددة، إخراجها من المجموعات ومن البلد. منذ القدم، تتحرك الأغراض وتتداول، وهي أيضا شاهد على العلاقات، حتى وإن كانت عنيفة، بين الشعوب والأفراد”، يقول محدثنا.

ليضيف: “تمثل هذه الأغراض رمزا لتنوع الثقافات، والتاريخ، والروابط بين الشعوب. لذلك، أرى أنه من المهم أن يتمكّن الشباب الفرنسي من رؤية الأغراض القادمة من شمال إفريقيا، أو آسيا، أو أمريكا (التي دخلت المجموعات قانونيا)، كما أنه من المهم أيضا أن يتمكّن الشباب الجزائري من رؤية لوحات، أو منحوتات، أو غيرها من الأعمال الفنية التي أنتجها فنانون فرنسيون، كما هو الحال على سبيل المثال في المتحف الرائع للفنون الجميلة بالجزائر العاصمة.”

وإضافة إلى هذه القطع، تطالب الجزائر من فرنسا اليوم أن تعيد إليها أرشيفها الوطني الأصلي (1830-1962)، وخرائط التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، كذلك مئات جماجم المقاومين الجزائريين المخزنة في أقبية المتاحف الفرنسية.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here