الساحل الأفريقي: تمرّد جيوسياسي يشعل سباق القوى الكبرى

الساحل الأفريقي: تمرّد جيوسياسي يشعل سباق القوى الكبرى
الساحل الأفريقي: تمرّد جيوسياسي يشعل سباق القوى الكبرى

المصطفى المعتصم

أهم ما يجب معرفته

تشهد منطقة الساحل الأفريقي تحولات جيوسياسية كبيرة منذ عام 2020، مع سلسلة من الانقلابات العسكرية في دول مثل مالي وغينيا وبوركينا فاسو. هذه الأحداث تعكس تزايد النفوذ الروسي والصيني والتركي في المنطقة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الهيمنة الغربية. تسعى الكونفدرالية الجديدة لدول الساحل إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، مما قد يغير خريطة القوى في المنطقة.

أفريقيا برس. شهدت مالي وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر والغابون منذ عام 2020 انقلابات عسكرية، تشترك دوافعها في فساد النخب الحاكمة ورداءة أدائها، والأزمات الاقتصادية، والتحديات الأمنية، واستمرار هيمنة القوى الاستعمارية.

تقع منطقة الساحل الأفريقي اليوم، بموقعها الجيوستراتيجي، في صلب اهتمامات القوى الدولية المتنافسة. ويبدو أن السباق على النفوذ فيها قد انطلق فعليًا، خاصة مع وصول شركاء جدد: روسيا والصين وتركيا.

كونفدرالية دول الساحل: إطار للتعاون

في 28 كانون الثاني/يناير 2024، انسحبت مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس). وفي 6 تموز/يوليو 2024، تم تأسيس “كونفدرالية دول الساحل”. كما انسحبت الدول الثلاث من المنظمة الدولية للفرنكوفونية في آذار/مارس 2025، في خطوة تهدف إلى تقليص حضور اللغة الفرنسية وإعطاء اهتمام أكبر للغات المحلية.

ونتيجة لاستئناف الجماعات الأزوادية المسلحة هجماتها ضد الجيش المالي وتزايد نشاط الجماعات الإرهابية، انسحبت مالي في نيسان/أبريل 2025 من اتفاقية السلام والمصالحة الموقعة عام 2015 بين السلطات المالية والحركات الأزوادية. كما انسحبت في الشهر ذاته من لجنة الأركان العملياتية المشتركة التي تضم كلاً من مالي والجزائر وموريتانيا والنيجر، والتي تأسست لتنسيق الجهود الأمنية في منطقة الساحل. وأعلنت النيجر في آذار/مارس 2025 انسحابها من القوة العسكرية الإقليمية المتعددة الجنسيات، المكلفة بالتصدي لجماعة “بوكو حرام” في حوض بحيرة تشاد.

على المستوى العملي، قررت الكونفدرالية اتخاذ خطوات عدة، منها: استخدام عملة موحدة بدلاً للفرنك الأفريقي، وإصدار جواز سفر موحد (جواز تحالف دول الساحل)، وإلغاء التأشيرات بين دولها، ووضع تأشيرة موحدة “تأشيرة ليبتاكو” للراغبين في دخول فضاء الكونفدرالية، وإنشاء بنك استثماري مشترك “بنك الكونفدرالية للاستثمار والتنمية”، وإعادة هيكلة قطاعي الطاقة والتعدين عبر تطبيق سياسات تعطي الأولوية للمصالح الوطنية، إلى جانب إطلاق قناة تلفزيونية رسمية.

على المستوى الزراعي، أطلقت الكونفدرالية برامج تهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي. ومن أجل جذب استثمارات دولية جديدة، عملت على الانفتاح تجاه دول مثل روسيا والصين وتركيا وباقي دول الآسيان.

الكونفدرالية والعلاقة مع روسيا والصين وتركيا:
العلاقة مع روسيا

رحبت موسكو بقرار إنشاء الكونفدرالية وأعلنت نيتها التعاون العسكري والاقتصادي معها. وبداية، دخلت فضاء الكونفدرالية بشكل غير مباشر عبر قوات “فاغنر” التي شاركت، منذ أيار/مايو 2021، مع الجيش المالي في الحرب ضد الانفصاليين الأزواد في شمال غربي مالي، وتوجت هذه المشاركة باستعادة مدينة “كيدال”. لكن سلوك هذه القوات، سواء من خلال محاولات السيطرة على مجالات التعدين والاستثمار أو المبالغة في استعمال العنف، قد يضر بسمعتها. كما أن هزائمها الفادحة، إلى جانب الجيش المالي، في مواجهة الطوارق والجماعات المسلحة تزيد من استفحال الأوضاع وتعقيدها.

في 4 نيسان/أبريل 2025، استضافت موسكو قمة جمعت وزراء خارجية “كونفدرالية دول الساحل” الثلاث مع نظيرهم الروسي، وركزت على التعاون العسكري والاقتصادي. من نتائج هذه القمة: تسليح وتدريب جيوش التحالف، ونشر قوات روسية شبه عسكرية في المنطقة، وتبادل المعلومات الاستخبارية. وقد حصلت دول الساحل من روسيا على طائرات حربية ومدرعات وعربات ودبابات ورادارات ومسيّرات ورشاشات متطورة. وفي 6 حزيران/يونيو 2025، أنهت موسكو مهام “فاغنر” رسميًا وأعلنت عن وجودها عبر “الفيلق الأفريقي”، الذي سيصبح رأس حربتها في النزاعات ضد الانفصاليين والإرهابيين.

ومقابل المساعدات العسكرية، حصلت روسيا على امتياز الوصول إلى الموارد الطبيعية، خاصة معادن التربة النادرة كالليثيوم والذهب واليورانيوم، والدخول في شراكات طويلة الأمد في مجالات البنية التحتية والطاقة.

من المتوقع أن يؤدي تعزيز الحضور العسكري لـ”الفيلق الأفريقي” في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتعاظم النفوذ الروسي، إلى استفزاز الغرب الذي قد يدفع بأوكرانيا لخوض حرب بالوكالة (عن حلف الناتو) إلى جانب القوى المتمردة ضد الجيش المالي المدعوم روسيًا. ففي تموز/يوليو 2024، صرح المتحدث باسم الاستخبارات الأوكرانية بأن “المتمردين تلقوا المعلومات اللازمة، والتي مكّنت من تنفيذ عملية عسكرية ناجحة ضد مجرمي الحرب الروس” خلال معركة تينزاوتين. كما أكدت روسيا تورط أوكرانيا في الهجمات ضد “الفيلق الأفريقي” (في إشارة إلى كمين “أنومالاني” في حزيران/يونيو 2025).

العلاقة مع الصين

أصبحت الصين في العقدين الأخيرين أول شريك اقتصادي لأفريقيا. ويعود اهتمام الصين بمنطقة الساحل لعدة اعتبارات، في مقدمتها المصالح الاقتصادية المتمثلة بالحصول على الموارد الطبيعية والمعادن النادرة (كالذهب والليثيوم والكوبالت)، وصيد الأسماك، والتنقيب عن النفط، والاستثمار في البنى التحتية. لكن حاجتها إلى حماية مصالحها – خاصة بعد تعرض مواقع إنتاج تابعة لها لهجمات نفذها مسلحون وخطف عمال صينيين في مالي والنيجر – دفعتها إلى تعزيز البعد الأمني في علاقاتها مع دول المنطقة، إما عبر تواجد شركات أمنية خاصة، أو ببيع السلاح وتدريب الجيوش والشرطة، أو بالمساهمة في بعثات الأمم المتحدة.

كما حرصت على إنجاز مشاريع ذات أبعاد استراتيجية، كبناء موانئ ومطارات ذات استعمال مشترك (مدني وعسكري)، مما أثار قلق الغرب الذي يرى في هذه الأنشطة تهديدًا لمصالحه.

استطاعت الصين تعزيز حضورها في النيجر ومالي وبوركينا فاسو وتشاد عبر إبرام صفقات وضخ استثمارات. لكن ذلك لم يبدد مخاوف بعض النخب الأفريقية التي تتوجس من الارتفاع الهائل لمديونية الدول الأفريقية تجاه الصين.

العلاقة مع تركيا

بعد تولي حزب “العدالة والتنمية” السلطة في تركيا عام 2003، وُضعت خطة للانفتاح على أفريقيا، فطورت تركيا استراتيجية تعاون مع دول منطقة الساحل تقوم على المزج بين الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والمساعدات العسكرية. استشعرت تركيا بداية حاجة دول الساحل إلى الأمن، فصدّرت المعدات والتكنولوجيا العسكرية: طائرات مسيّرة ومركبات مدرعة إلى بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد، وساهمت في دورات تدريبية لجيوش هذه الدول، مما ساهم في تعزيز قدرتها على تأمين حدودها وبسط سيطرتها على أراضيها. وقد أشارت بعض المصادر الغربية إلى وجود شركات أمنية تركية خاصة ومستشارين عسكريين أتراك في المنطقة لحماية المصالح التركية والدفاع عن مواقع حيوية، مثل المناجم في النيجر.

بعد عام 2022، وسحب فرنسا جنودها من بوركينا فاسو ومالي وتشاد والنيجر، وتعليق الولايات المتحدة مساعداتها الدفاعية لهذه الدول، ازداد النفوذ التركي في المنطقة، فعملت على تكثيف العلاقات التجارية مع دول الساحل. فمثلًا، ارتفع حجم التبادل التجاري بين تركيا ومالي من 5 ملايين دولار عام 2003 إلى 165 مليون دولار عام 2022. كما برزت الشركات التركية في مشاريع البنية التحتية في النيجر.

بداية نهاية الهيمنة الغربية أم صراع عالمي على المنطقة؟

تمثل الانقلابات التي شهدتها منطقة الساحل الغربي محاولة للتخلص من النفوذ الفرنسي، الذي احتفظ بتأثيره الثقافي واللغوي واستغلاله لثروات المنطقة منذ استقلال دولها. وقد راكم ذلك استياء الشعوب والنخب، خاصة بعد تبلور قناعة لديهم بأن الإرهاب الذي يضرب المنطقة هو “صناعة استعمارية” وأن الحرب دون القضاء عليه تهدف إلى إطالة أمد الوجود الاستعماري والهيمنة ونهب الثروات.

ساهمت كونفدرالية دول الساحل، بتأسيسها لتحالفات جديدة مع روسيا والصين وتركيا ودول البريكس الأخرى وتقليل اعتمادها على القوى الغربية التقليدية، في رسم خريطة جيوستراتيجية جديدة للمنطقة.

السؤال المطروح: هل ستستسلم القوى الاستعمارية وتتخلى بسهولة عن منطقة الساحل الغربي الأفريقي بالرغم من أهميتها الجيوسياسية والاقتصادية؟

قد يرى البعض أن التحول نحو الشرق (روسيا والصين وتركيا) هو بداية نهاية للهيمنة الغربية التقليدية على الساحل، لكن كل المؤشرات تدل على أن صراع القوى العالمية على المنطقة سيتزايد. فمنطقة الساحل الغربي الأفريقي تقع في عين الإعصار، حيث تشكّل هشاشة استقرار الأنظمة العسكرية والتوترات الأمنية تحديات جوهرية أمام الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

من المؤكد أن دول الكونفدرالية ستخضع لضغوطات متزايدة، بدءًا بإشهار الغرب لورقة الديمقراطية، ومرورًا بتأجيجه للصراعات العرقية والانفصالية ودعمه المبطن للتطرف والإرهاب، وانتهاءً بالحصار الاقتصادي والسياسي لإفشال الجهود الإصلاحية، إما بشكل مباشر أو عن طريق الإيكواس بالنيابة.

فرنسا، التي لن تتنازل بسهولة عن دجاجتها التي تبيض ذهبًا (إشارة إلى ذهب مالي ويورانيوم النيجر ومعادن الليثيوم)، لن تألو جهدًا لاستعادة ما فقدته. فقد اتهمت أجهزة استخباراتية روسية الحكومة الفرنسية بالتخطيط لانقلابات في دول الساحل الغربي الأفريقي. جاءت هذه الاتهامات بعد تردد أخبار عن تخطيط عسكريين منشقين لشن هجوم على رئاسة الدولة في بوركينا فاسو يوم 16 نيسان/أبريل 2025، كما ترددت أخبار عن محاولة انقلاب ثانية في بوركينا فاسو في 3 كانون الثاني/يناير 2026، ووجهت أصابع الاتهام مجددًا لفرنسا.

من جهتها، تتسلل الولايات المتحدة إلى المنطقة عبر نيجيريا، حيث وصلت وحدة عسكرية أميركية للمساعدة في جهود “مكافحة الإرهاب”. وهذه أول مرة تتواجد فيها قوات برية أميركية في غرب أفريقيا بعد سنوات من التعاون الاستخباراتي والتدريبي بين البلدين. ومن المقرر أن تنفذ هذه القوات، في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، هجومًا على مجموعات توصف بالإرهابية في شمال نيجيريا، أي في منطقة تُعتبر جزءًا من الساحل الأفريقي، مما يؤكد استمرار التنافس الدولي على هذه البقعة الجيوستراتيجية.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here