لماذا طردت بوركينا فاسو مسؤولين أوروبيين؟

لماذا طردت بوركينا فاسو مسؤولين أوروبيين؟
لماذا طردت بوركينا فاسو مسؤولين أوروبيين؟

أفريقيا برس. لم يكن قرار السلطات في بوركينا فاسو طرد مسؤولين من بعثة الاتحاد الأوروبي في واغادوغو مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل يمثل حلقة جديدة في مسار إعادة تشكيل علاقات هذا البلد مع القوى الغربية، ويعكس تحولا أعمق تشهده منطقة الساحل الأفريقي منذ وصول الأنظمة العسكرية إلى الحكم في كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر. فالأزمة الحالية تتجاوز الخلاف حول قرار أصدره البرلمان الأوروبي بشأن أوضاع الحريات، لتكشف عن صراع متنامٍ بين مفهومين متعارضين للعلاقات الدولية: الأول يضع قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في صلب الشراكة، والثاني يرفع شعار السيادة الوطنية ويرفض أي رقابة أو ضغوط خارجية.

وجاء قرار واغادوغو باعتبار نائب رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي ومسؤولة في البعثة “شخصين غير مرغوب فيهما” بعد أسابيع من تصاعد التوتر مع بروكسل، إثر تبني البرلمان الأوروبي قرارا ينتقد ما وصفه باستمرار التضييق على الحريات والفضاء المدني في بوركينا فاسو، ويطالب بتحقيقات مستقلة في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان. وبينما اعتبر الاتحاد الأوروبي القرار جزءا من دوره في الدفاع عن القيم التي يقوم عليها، رأت السلطات البوركينابية فيه تدخلا مباشرا في شؤونها الداخلية، بل وامتدادا لما تسميه “العقلية الاستعمارية الجديدة” في التعامل مع الدول الأفريقية.

هذا التوصيف ليس جديدا في خطاب القيادة البوركينابية، إذ دأب الرئيس الانتقالي النقيب إبراهيم تراوري على تقديم نفسه بوصفه قائدا لمعركة “تحرير القرار الوطني” من النفوذ الغربي، مستثمرا حالة السخط الشعبي تجاه فرنسا والقوى الأوروبية التي يُنظر إليها داخل قطاعات واسعة من المجتمع على أنها أخفقت في دعم البلاد في مواجهة الجماعات المسلحة، رغم سنوات طويلة من التعاون العسكري والأمني.

ومنذ الانقلاب العسكري الذي أوصل تراوري إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، انتهجت بوركينا فاسو سياسة خارجية تقوم على إعادة تعريف الشركاء الدوليين، فأنهت التعاون العسكري مع فرنسا، ودفعت باتجاه تقليص النفوذ الأوروبي، بالتوازي مع تعزيز علاقاتها مع روسيا ودول أخرى تقدم نفسها كشركاء لا يربطون التعاون بشروط سياسية أو حقوقية.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الساحل. فقد تشكل خلال العامين الماضيين محور سياسي وأمني جديد يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، يقوم على رفض النفوذ الفرنسي والغربي، وتبني خطاب سيادي يعتبر أن الضغوط الأوروبية بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان تستخدم كأدوات للتأثير في القرار الوطني.

هذا المحور لم يكتف بإعادة ترتيب تحالفاته الأمنية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عبر الانسحاب الجماعي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وتأسيس تحالف إقليمي خاص به، في خطوة تعكس رغبة في بناء منظومة سياسية وأمنية بديلة عن الأطر التقليدية التي كان الغرب يتمتع فيها بنفوذ كبير.

ومن هذا المنظور، يبدو طرد المسؤولين الأوروبيين رسالة سياسية أكثر منه إجراءً إداريا. فالسلطات البوركينابية تدرك أن الاتحاد الأوروبي أحد أكبر المانحين والداعمين الاقتصاديين للبلاد، لكنها في الوقت نفسه تراهن على أن الكلفة السياسية للتراجع أمام الضغوط الأوروبية ستكون أكبر من الكلفة الاقتصادية لأي توتر مع بروكسل، خاصة في ظل تنامي الخطاب الشعبوي المؤيد لفكرة “استعادة السيادة”.

في المقابل، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام معادلة معقدة. فمن جهة، يصعب عليه التغاضي عن تراجع أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في دولة تربطه بها برامج شراكة وتمويل واسعة. ومن جهة أخرى، فإن أي تصعيد إضافي قد يدفع بوركينا فاسو إلى مزيد من الابتعاد عن أوروبا، ويمنح منافسين دوليين، وفي مقدمتهم روسيا، فرصة أكبر لتعزيز حضورهم في منطقة تعد ذات أهمية استراتيجية لأمن أوروبا، بالنظر إلى ارتباطها بملفات الإرهاب والهجرة غير النظامية.

كما تكشف الأزمة عن محدودية الأدوات الأوروبية في التعامل مع الأنظمة العسكرية الجديدة في الساحل. فخلال العقد الماضي اعتمدت بروكسل على مزيج من الدعم التنموي والتعاون الأمني والحوار السياسي، إلا أن هذا النموذج فقد كثيرا من فاعليته بعد الانقلابات العسكرية المتتالية، التي أعادت ترتيب أولويات الحكم، وجعلت الاعتبارات الأمنية والسيادية تتقدم على الالتزامات المتعلقة بالإصلاح السياسي.

ومن اللافت أن واغادوغو لم تقدم حتى الآن مبررات قانونية أو دبلوماسية واضحة لقرار الطرد، وهو ما يفسره مراقبون بأنه تعمد لإبقاء الرسالة في إطارها السياسي العام، دون الدخول في تفاصيل قد تفتح الباب أمام مفاوضات تقنية أو قانونية. فالهدف يبدو موجها للرأي العام الداخلي بقدر ما هو موجه لبروكسل، لتأكيد أن الحكومة مستعدة لاتخاذ خطوات تصعيدية دفاعا عما تعتبره استقلال القرار الوطني.

في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل البعد الداخلي للأزمة. فبوركينا فاسو ما تزال تواجه تحديات أمنية هائلة نتيجة اتساع نشاط الجماعات المسلحة، كما تعاني من ضغوط اقتصادية وإنسانية متزايدة. وفي مثل هذه الظروف، غالبا ما تلجأ السلطات إلى توظيف ملفات السياسة الخارجية لتعزيز التماسك الداخلي، عبر تصوير الانتقادات الدولية باعتبارها استهدافا للدولة وليس للحكومة فقط، وهو خطاب يجد صدى لدى قطاعات من الرأي العام المتأثرة بالإرث الاستعماري وبالإخفاقات الأمنية التي صاحبت الوجود العسكري الغربي.

ورغم حدة الأزمة، فإن الوصول إلى قطيعة كاملة بين الجانبين لا يبدو الخيار الأكثر ترجيحا. فالاتحاد الأوروبي لا يزال يمثل شريكا اقتصاديا وإنسانيا مهما لبوركينا فاسو، كما أن الأخيرة تحتاج إلى المساعدات الأوروبية في مجالات التنمية والإغاثة ودعم الخدمات الأساسية. وفي المقابل، يدرك الأوروبيون أن خسارة التواصل مع واغادوغو ستعني تراجع نفوذهم في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للمصالح الأوروبية.

لذلك، قد تتجه الأزمة إلى مرحلة من “التصعيد المحسوب”، حيث يحافظ كل طرف على مواقفه السياسية دون الوصول إلى إجراءات تقطع خطوط الاتصال بشكل نهائي. فبروكسل قد تكتفي بإجراءات دبلوماسية محدودة، بينما تستمر واغادوغو في استخدام ورقة السيادة لإعادة رسم حدود علاقتها مع شركائها الغربيين.

في المحصلة، فإن طرد المسؤولين الأوروبيين لا يمثل مجرد رد فعل على قرار برلماني أوروبي، بل يعكس تحولا بنيويا في السياسة الخارجية لبوركينا فاسو، التي تسعى إلى إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي على أساس تقليص الاعتماد على الغرب وتوسيع هامش المناورة مع شركاء جدد. وفي المقابل، يواجه الاتحاد الأوروبي اختبارا صعبا بين التمسك بقيمه المعلنة في الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، والحفاظ على نفوذه في منطقة تتغير موازينها الجيوسياسية بوتيرة متسارعة. ومن المرجح أن تكون هذه الأزمة واحدة من حلقات صراع أوسع على النفوذ في الساحل الأفريقي، حيث أصبحت السيادة والأمن والتحالفات الدولية عناوين لمرحلة جديدة تختلف جذريا عما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here