سد النهضة؛ هل اتفق السودان مع إثيوبيا بعيدا من مصر؟

1
سد النهضة؛ هل اتفق السودان مع إثيوبيا بعيدا من مصر؟
سد النهضة؛ هل اتفق السودان مع إثيوبيا بعيدا من مصر؟

محمود أبو بكر

أفريقيا برس – مصر. أعلن كل من السودان وإثيوبيا توصلهما إلى اتفاق لـتسوية قضايا سد “النهضة” الإثيوبي والحدود بين البلدين بطريقة سلمية.

جاء ذلك بعد اللقاء الذي تم بين نائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو (حميدتي) ووزير الخارجية الإثيوبي دمقي مكونن بالعاصمة السودانية الخرطوم، وفق بيان من مجلس السيادة الانتقالي.

من جهته قال السفير الإثيوبي لدى الخرطوم بيتال أميرو إن الجانبين “اتفقا على معالجة قضايا سد النهضة والحدود بطريقة سلمية، وفقاً للآليات المشتركة بين البلدين”. وأوضح أن اللقاء “تطرق إلى مسيرة العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك”.

يأتي ذلك في الوقت الذي توقفت فيه المفاوضات الثلاثية بين السودان ومصر وإثيوبيا منذ نحو عام حول ملف سد النهضة نتيجة لتمسك القاهرة والخرطوم بالتوصل أولاً إلى اتفاق فني ثلاثي حول ملء وتشغيل السد لضمان استمرار تدفق حصتهما السنوية من مياه نهر النيل.

وترفض إثيوبيا التوقيع على أي اتفاق ملزم يخص إدارة وتشغيل السد باعتبار ذلك من صميم سيادتها، مؤكدة أنها “لا تسعى إلى الإضرار بأي من دولتي المصب”.

فهل يمثل الاتفاق الأخير اختراقاً لحالة الجمود التي تلف قضية سد النهضة؟ وهل يتحرك السودان الآن بشكل مستقل عن الموقف المصري، أم أن الأمر ليس أكثر من إعلان بروتوكولي لزيارة ظلت مبرمجة؟ وهل يزعج الإعلان الأخير القاهرة، لا سيما أنه يأتي في ظل التنسيق الكبير بين دولتي المصب حول إلزامية الوصول إلى اتفاق فني كشرط لأي حل في شأن سد النهضة؟

“عموميات لا تقول شيئاً”

من جهته يرى الكاتب والصحافي السوداني عبدالجليل سليمان أن الإعلان الأخير كشف عن بعض النقاط المهمة، فهناك “أمران مهمان ينبغي النظر إليهما قبل الحديث باطمئنان عن اتفاق ثنائي بين السودان وإثيوبيا”.

وقال سليمان، “أولهما أن اللقاء بين نائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإثيوبي دمقي مكونن جاء على هامش اجتماع المجلس الوزاري للهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) الذي انعقد بالسودان في دورته الـ48، ولم تكن الزيارة خاصة للسودان في إطار تنسيق ثنائي”.

وأضاف، “أما الأمر الثاني فهو أن التصريحات الصحافية عن الاتفاق جاءت على لسان السفير الإثيوبي لدى الخرطوم بيتال أميرو، فيما لم يدل رئيساً الجانبين بأي تصريحات صحافية”.

وأوضح سليمان أن “الاتفاق نفسه لم يتحدث عن تفاصيل، وإنما طرح عموميات بالقول إن الطرفين اتفقا على حل جميع النزاعات العالقة بينهما سلمياً بما في ذلك قضية سد النهضة والخلافات الحدودية بين البلدين، ما يشي بأن الأمر أقرب ما يكون إلى عموميات بروتوكولية أكثر منه اتفاق محدد وواضح يتضمن تدابير وآليات تنفيذ فعلية.

وأشار إلى أن “الغريب في الأمر أن التصريحات الصادرة عن السفير الإثيوبي بالخرطوم فيما يتعلق باللقاء الذي جمع بين رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان ونائب رئيس الوزراء الإثيوبي ووزير الخارجية الإثيوبي لم تتطرق مباشرة إلى قضية سد النهضة، وإنما ركزت على مسيرة العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك وتناولت اتفاق السلام الذي تم توقيعه بين الحكومة الإثيوبية الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي، فضلاً عن أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وحل القضايا العالقة بينهما عبر الآليات المشتركة”.

وأضاف، “هكذا يبدو أن لقاء البرهان بالجانب الإثيوبي تجنب الإشارة المباشرة إلى قضية سد النهضة التي تناولها لقاء حميدتي بصراحة، على رغم أن الاتفاق لم يتحدث عن تفاصيل، الأمر الذي جعل كثيرين ينظرون إليه حتى الآن كعمل دعائي أكثر مما هو اتفاق سياسي حقيقي”.

وحول موقف مصر من هذا الإعلان، الذي يقدم بوصفه اتفاقاً بين الرجلين الثانيين في النظامين السوداني والإثيوبي، يرى سليمان أن “اتفاقاً ثنائياً في شأن سد النهضة لن يكون مجدياً، وسيعيد الكرة إلى المربع الأول مرة أخرى، فلا بد من إشراك مصر في الأمر حتى يكون مثمراً وحقيقياً”.

“النهضة” والفشقة

بدوره يرى الباحث في مركز الأهرام للدراسات صلاح خليل أن “المعلن من لقاء حميدتي – مكونن لا يتجاوز واقع العلاقات العامة”، مرجحاً أن “تكون التطورات السياسية الأخيرة في السودان هي ما دفع حميدتي إلى المناورة بالملفات الإقليمية والدولية، لا سيما أن ثمة تسريبات تتحدث عن إمكانية التضحية به في إطار التسوية السياسية الجديدة”.

وقال خليل، “لا شك أن قائد قوات الدعم السريع يتمتع بعلاقات متميزة مع عدد من الأنظمة الإقليمية والدولية، كما أن الأوضاع الداخلية المتحركة بوتيرة سريعة في البلاد، تجلب مزيداً من الاهتمام من قبل تلك الأنظمة، لا سيما في دول الجوار”.

وتساءل، “لماذا يتم الإعلان عن هذا الاتفاق المفترض بين الدولتين بعد لقاء مكونن – حميدتي، وليس بعد المحادثات التي أجراها الوزير الإثيوبي، مع رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان؟”.

ويشكك خليل في أن “يمثل الإعلان الأخير الرؤية الرسمية للدولة السودانية”، مشيراً إلى “أن الموقف الرسمي قد تم التعبير عنه مراراً، ويتمثل في ضرورة التوصل إلى اتفاق فني ثلاثي ملزم حول إدارة وتشغيل السد الإثيوبي”.

من جهة أخرى، قال سليمان إن “التفاهمات حول النزاعات الحدودية تبدو وكأن هناك عودة إلى الأوضاع ما قبل استعادة السودان لجزء كبير من أراضي الفشقة، مستغلاً انشغال الحكومة الإثيوبية بحرب تيغراي، ولربما عادت الفشقة تخوم للمصالح المشتركة كما كانت في عهد نظام عمر البشير بحيث يسمح للمزارعين الإثيوبيين بالزراعة والتملك فيها”.

ويطالب السودان بوضع العلامات الحدودية مع إثيوبيا بناءً على اتفاقية 15 مايو (أيار) 1902 التي وقعت في أديس أبابا بين إثيوبيا وبريطانيا (نيابة عن السودان)، وتوضح مادتها الأولى الحدود الدولية بين البلدين.

دعم عملية السلام في تيغراي

تضمن الاتفاق الذي أعلن عنه بعد لقاء حميدتي الوزير الإثيوبي مكونن، عن دعم السودان للاتفاق المبرم في عاصمة جنوب أفريقيا بروتوريا، بين الحكومة المركزية الإثيوبية، وجبهة تحرير تيغراي.

وقال سليمان إن “السودان أعرب عن استعداده لدعم تنفيذ اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”، معتبراً أن هذا الموقف يعد دبلوماسياً كلاسيكياً.

ومن المعروف أن أديس أبابا ظلت تتهم الخرطوم بتقديم تسهيلات للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في حربها مع المركز.

“حميدتي” يتدارك الموقف

وفيما يبدو محاولة لتدارك الجدل الذي أثاره الاتفاق المعلن، أصدر حميدتي، الأحد الرابع من ديسمبر (كانون الأول)، بياناً صحافياً نشرته وكالة الأنباء السودانية، ينص على أن “التوصل لاتفاق في شأن سد النهضة ينبغي أن يضمن حقوق مصر والسودان وإثيوبيا في حصص نهر النيل”.

وأكد “حميدتي” خلال لقاء مع أعضاء وفد بلاده الخاص بمفاوضات سد النهضة على أهمية التوصل لاتفاق بين الدول الثلاث في شأن سد النهضة حتى يمكن ضمان حقوق جميع الأطراف.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here