قدسية الحب في حياة المصري القديم وتأثيرها

قدسية الحب في حياة المصري القديم وتأثيرها
قدسية الحب في حياة المصري القديم وتأثيرها

أفريقيا برس – مصر. فيما يحتفل العالم بعيد الحب بالورود والرسائل، تكشف جدران المعابد وبرديات الغرام أن المصري القديم سبق الجميع حين جعل الحب فلسفة حياة، وقانونًا كونيًا، ومبدأً أخلاقيًا لا يقل أهمية عن العدل والنظام.

فخلف عظمة الأهرامات الشاهقة وصلابة التماثيل الصخرية، نبضت قلوب عشقت الحياة وأقدست المشاعر. لم تكن الحضارة المصرية القديمة مجرد تفوق هندسي أو عسكري، بل كانت تجسيدًا لأرقى معاني الإنسانية، حيث كان المصري القديم – بحسب وصف علماء الآثار – «أرهف شعوب الأرض إحساسًا».

الحب كقانون كوني.. «الماعت» والقلب

يقول الدكتور علي أبو دشيش، خبير الآثار ومدير مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث، إن الحب في مصر القديمة لم يكن علاقة عابرة أو شعورًا شخصيًا فحسب، بل كان جزءًا أصيلًا من مفهوم «الماعت»؛ أي الحق والعدل والنظام الكوني الذي يقوم عليه الكون.

ويضيف أن المصريين جسّدوا عواطفهم في أسمى صورها عبر الأدب والشعر والنقوش، وابتكروا لغة خاصة للتعبير عن الود والمودة. فكان المحب ينادي حبيبته بـ«سنت» (الأخت)، وتناديه هي بـ«سن» (الأخ)، وهي ألقاب لا تشير إلى صلة دم، بل تعني القرب الروحي و«القريبة من القلب».

أما زهرة اللوتس، فكانت الرمز الأيقوني للعاطفة؛ تقديمها لم يكن مجرد إهداء زهرة، بل رسالة صامتة تعكس النقاء والتجدد وبداية حياة جديدة.

قصص خلدها الحجر.. من العرش إلى القلب

لم تكتفِ جدران المعابد بتسجيل الحروب والانتصارات، بل حفظت أيضًا أعظم قصص الحب الملكية التي غيّرت مفاهيم الحكم والتقدير.

رمسيس الثاني ونفرتاري.. «إشراقة الشمس»

تظل قصة الملك رمسيس الثاني وزوجته الملكة نفرتاري واحدة من أبرز شواهد الحب في التاريخ القديم. فقد وصفها الملك بعبارة خالدة: «التي من أجلها تشرق الشمس»، وهي جملة لم تكن مجرد مجاز شعري، بل انعكاسًا لمكانتها الاستثنائية في قلبه.

وترجم رمسيس مشاعره إلى عمارة خالدة، حين شيّد لها معبدًا كاملًا في أبو سمبل، وجعل تمثالها بجوار تمثاله وبالحجم نفسه، في سابقة تاريخية تعكس تقديرًا سياسيًا وعاطفيًا نادرًا في عالم الحكم القديم.

إخناتون ونفرتيتي.. ثورة المودة

وفي عصر العمارنة، كسر الملك إخناتون والملكة نفرتيتي القوالب الفنية الجامدة، فظهرا في النقوش بوضعيات مفعمة بالحميمية؛ يتبادلان الزهور، ويجلسان مع بناتهما في مشاهد عائلية دافئة.

كانت تلك الصور ثورة فنية واجتماعية، نقلت المشاعر الإنسانية من الهامش إلى قلب الفن الرسمي، وجعلت من الأسرة نموذجًا يُحتفى به على جدران المعابد.

برديات الغرام.. شعر لا يشيخ

لم يقتصر التعبير عن الحب على القصور الملكية، بل وصلنا عبر برديات تحمل مشاعر الناس العاديين. ففي بردية تشستر بيتي نجد أبياتًا تفيض بالرقة تصف المحبوبة:

«حبيبتي ليس لها مثيل.. هي أجمل من في الوجود، انظر إليها كأنها النجم المضيء في مطلع سنة جديدة.. إنها متألقة في بشرتها، رقيقة في نظرات عينها».

كلمات تكشف أن المصري القديم لم يكن باني الأهرامات فقط، بل شاعرًا يعرف كيف يصوغ العاطفة بلغة خالدة.

«نبت بر».. المرأة ملكة القلب والبيت

ويؤكد الدكتور علي أبو دشيش أن احترام الرجل لزوجته كان معيارًا حقيقيًا لنبله في المجتمع المصري القديم. فقد حفلت تعاليم الحكماء بوصايا واضحة تدعو إلى الإحسان للزوجة، كما ورد في نصائح الحكيم بتاح حتب

«أحبب زوجتك في البيت كما يقضي العرف، املأ بطنها واكسُ ظهرها.. فهي حقل مثمر لربها».

لم تكن الزوجة مجرد شريكة حياة، بل كانت «نبت بر»؛ أي سيدة البيت، والشريكة الأبدية التي يحرص المصري القديم على أن تُصوَّر بجواره في مقبرته، ليدخلا العالم الآخر معًا كما عاشا معًا.

حضارة احتفت بالحياة

هكذا تكشف آثار المصريين القدماء أن حضارتهم لم تكن حضارة موت وقبور، بل احتفاءً دائمًا بالحياة وبالحب. لقد أدرك الأجداد أن القوة الحقيقية لا تكمن في حد السيف وحده، بل في القلب الذي يعرف كيف يحب، ويحفظ مودة شريكته، ويبني خلوده بالمشاعر قبل الحجر.

وفي عيد الحب، تبدو العبارة الفرعونية الخالدة أكثر حضورًا من أي وقت مضى: «التي من أجلها تشرق الشمس».

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here