أفريقيا برس – مصر. أعلن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني) نتائج المؤشّر العربي لعام 2025. وبالنظر إلى ما قدّمه طوال 14 عاماً، فإنّ هذا الاستطلاع يمثّل مادة للباحثين والخبراء، لفهم واقع البلدان العربية، وتوجّهات مواطنيها. وفي جانب آخر، فإنه يدعم حقّ المواطنين في التعبير عن مواقفهم، وإيصال أصواتهم، لتكون مؤثّرةً في النقاشات العامة وصناعة السياسات.
تركّز هذه المطالعة على الدورة التاسعة من المؤشّر، موضّحةً تقييم المصريين الأوضاع العامة، السياسية والاقتصادية، والثقة في المؤسسات الحكومية والمجالس التمثيلية، والتوجّه نحو الديمقراطية والمشاركة المدنية في القسمين، إلى جانب أنماط التعبير في الفضاء الرقمي ودور الدين في الحياة السياسية.
بشأن تقييم المواطنين للأوضاع الاقتصادية والسياسية ومستوى الأمن، تكشف نتائج 2025 عن تفاؤل حذر؛ إذ رأى 57% أنّ الأمور تسير في الاتجاه الصحيح مقابل 37% في الاتجاه الخاطئ، بارتفاع ملحوظ عن عام 2022 حين بلغت النسبة 42%. ويرتبط التقييم السلبي أساساً بالعامل الاقتصادي؛ إذ أرجعه 60% إلى أوضاع المعيشة، وحوالي 23% أشاروا إلى سوء الإدارة والسياسات العامة، بجانب التخبّط السياسي، هذا مع تفاوت التقديرات بين مواطني الدول، متأثّرين بعاملين: النزاعات والوضع الاقتصادي، ويعكس هذا بدرجة كبيرة، التفاوت في التقييم، وأثرهما في تشكيل تصوّر المواطنين لمسار الأوضاع.
في الحالة المصرية، رأى 52% أنّ الأمور تسير في الاتجاه الصحيح مقابل 41% في الاتجاه الخاطئ، بانخفاض يقارب عشر نقاط مقارنة بعام 2022.
مصر في منطقة وسطى
عربيّاً، سجّل تقييم الوضع السياسي أعلى مستوياته للمرّة الأولى، متجاوزاً حاجز المنتصف؛ إذ اعتبره 55% إيجابيّاً مقابل 38% سلبيّاً، يمكن تفسيره بارتفاع التقييمات في الدول الأكثر استقراراً اقتصاديّاً وسياسيّاً، حيث قيّم نحو 80% من مواطني الخليج أوضاعهم السياسية إيجابياً (89 %اقتصادياً) في مقابل مستويات أدنى في الدول التي تعاني نزاعات أو أزمات معيشية حادّة، أي أنّ التقييم يرتبط بالشعور بالاستقرار والأمن والوضع المعيشي، أي منتجات النظام ودور الدولة. وفي هذا السياق، جاءت مصر في موقع وسيط بين دول المشرق (37% إيجابيّاً) والخليج؛ إذ قيّم 67% من المصريين الوضع السياسي إيجابيّاً (57% جيد و10% جيد جدّاً).
وعلى امتداد العقد الماضي، وخلال بيانات المؤشّر العربي يتكشّف أنّ تقييم الوضع السياسي في مصر مرتبط بالشعور بالأمن والأوضاع الاقتصادية؛ فقد بلغ ذروته في 2018 عند 70% بالتوازي مع تقييم اقتصادي إيجابي بلغ 67%، قبل أن يتراجع المؤشّران معاً في 2022 إلى 55% سياسيّاً و42% اقتصاديّاً، بما يبرز عامل ترابط.
تقييم الوضع السياسي في مصر مرتبط بالشعور بالأمن والأوضاع الاقتصادية
وقد شهد عاما 2015 و2016 انقساماً واضحاً في تقييم الوضع السياسي؛ إذ اعتبره 49% إيجابيّاً مقابل 44% سلبيّاً في 2015، و48% إيجابيّاً مقابل 46% سلبيّاً في 2016، بما يشير إلى تباينٍ في النظر إلى مستقبل النظام. فقد ربطت كتلة هذا التقييم باستعادة الاستقرار بعد المرحلة الانتقالية (2011–2014)، والمراهنة على قدرة “نظام 30 يونيو” بوصفه قادراً على الإنجاز، وتحقيق تعافٍ اقتصادي. في المقابل، نظرت كتلة أخرى إلى كلفته السياسية والاجتماعية، خصوصاً مع بدء تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي وما صاحبه من إجراءات اقتصادية، رفع أسعار الطاقة وبعض السلع والخدمات، ومستلزمات الزراعة، وانتهت بتعويم الجنيه، وهو ما انعكس في تقييم أكثر سلبية، وغير متفائل.
ويتأثّر تقييم الوضع السياسي كذلك بمستوى الشعور بالأمان، الذي يسجّل مساراً تصاعديّاً منذ عقد، سواء في مناطق السكن أو على مستوى البلاد. ففي دورة 2025 عبّر 90% من المستجيبين عن شعورهم بالأمن في مناطقهم. ويظهر هذا العامل مؤثّراً في نظرة المواطنين إلى الدولة والنظام السياسي، خصوصاً في سياق تصاعد المخاوف الداخلية والتهديدات الخارجية، وما يصاحب الأزمات الاقتصادية من قلق اجتماعي وظواهر تعزّز الميل إلى تفضيل إجراءات الضبط والاستقرار، وربما لدى فئات التغاضي عن القبضة الأمنية المُشدّدة.
وفي جانب آخر، تُظهر البيانات ارتباط تقييم الوضع السياسي بالظروف المعيشية، بما في ذلك التضخم، والقدرة الشرائية، ومدى كفاية دخل الأسر، فالشعور بالأمن، رغم أهميته، ليس كافياً لتحسين التقييم في غياب تحسّن اقتصادي ملموس، ولا يحقّق رضا، ويعكس ذلك قول 36% من المستجيبين إنّ الحكومة غير جادّة في معالجة المشكلات، ويتقاطع مع ارتفاع الرغبة في الهجرة من 15% في أوّل دورة للمؤشر إلى 24% في 2025، مدفوعة أساساً بأسباب اقتصادية (70%) ثم تعليمية (11%)، بما يشير إلى تراجع مستويات الأمل، خصوصاً لدى الشباب والفئات متوسّطة العمر، وهي الأكثر توجّهاً إلى السفر والعمل في الخارج.
انخفاض الثقة في مؤسّسات التمثيل السياسي
على المستوى العربي، تتصدّر المؤسسة العسكرية مستويات الثقة بنسبة 83%، في ظلّ تصاعد التهديدات الإقليمية، وبحكم ابتعادها النسبي عن الاحتكاك اليومي بالمواطنين، مقارنة بالمؤسسات السياسية. يليها القضاء بنسبة 72%، بينما تنخفض الثقة في الهيئات التشريعية إلى حدود النصف (51% مقابل 42% لا يثقون بها).
في الحالة المصرية، تحتفظ مؤسسة الجيش بمستوى ثقة مرتفع ومستقر منذ 2011، رغم انخراط بعض قياداته في المجال السياسي، بما يُشير إلى استمرار الفصل لدى أغلبية المستجيبين بين المؤسسة كياناً وأدوار أفرادها. كما تسجّل أجهزة الأمن العام مستوى ثقة يبلغ 79% في اتجاه تصاعدي منذ 2012، فيما يحظى القضاء بثقة أعلى (88%)، وإن شهد تراجعاً عن ذروة التقدّم في عام 2022 (93%) مع بقاء مستويات الثقة فيه ضمن الأعلى عربيّاً.
فجوة واضحة في الثقة بين مؤسّسات القوة ومؤسّسات التمثيل
تكشف نتائج “المؤشّر” عن فجوة واضحة في الثقة بين مؤسّسات القوة ومؤسّسات التمثيل. فبينما يحافظ الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء على مستويات مرتفعة من الثقة، تتراجع عند الحديث عن البرلمان والأحزاب، بما يوضح أزمة تمثيل وغياب من يدافع عن مصالحه ويعبّر عنه. فالمواطن يثق في قدرة أجهزة الدولة على الحماية، لكنه أقل ثقةً في قدرتها السياسية على التعبير عن مصالحه، وغير قادر على مساءلة السلطة. ويتجلّى هذا في تباين المواقف من السياسات الحكومية؛ إذ تبلغ الثقة بها 64% مقابل 33% لا يثقون، مع تقييم أكثر إيجابية للسياسات الخارجية، مقابل نقدٍ واضحٍ للأداء الاقتصادي ومستوى الخدمات.
وفي السياق نفسه، يرى 84% انتشار الفسادين المالي والإداري، بما يشير إلى محدودية فاعلية الأجهزة الرقابية الرسمية، وضعف الدور البرلماني في مواجهته. ويتسق ذلك مع عوامل ذات ارتباط، كما تقييم درجة الديمقراطية، مستويات الثقة المحدودة في الأحزاب، إذ لا تتجاوز 31% مقابل 62% لا يثقون بها، (ضمن ظاهرة عربية)، وهو ما يعزّز صورة نظام، يروّج فكرة الحماية من دون أطر وهياكل تضمن التمثيل.
مصرياً، تتراجع الثقة في البرلمان بصورة لافتة؛ إذ لا يثق به 47% من المستجيبين، في اتجاه ينسجم مع مناخ عربي عام من ضعف الرضا عن المجالس النيابية، ويتشابه وضع مصر مع دول شمال أفريقيا (المغرب وموريتانيا وتونس والجزائر) لا يثق نصف العينة في البرلمان، ويرتفع المعدّل بين مواطني الأردن ولبنان والعراق، وبنسب ما بين 71% إلى 62%. وقد اتخذ هذا التراجع مصرياً، مساراً ممتدّاً خلال العقد الأخير، إذ انخفضت الثقة من 61% عام 2016 إلى 54% في 2020، وصولاً إلى تراجع آخر في مؤشّر 2025.
ويتصل هذا بطبيعة تشكيل البرلمان وآليات إنتاجه؛ إذ ارتبطت انتخابات 2015 ثم 2020 وأخيراً 2025 بنمط من إدارة العملية الانتخابية قلّص بشكل بالغ فرص المُنافسة الفعلية، سواء عبر القيود على الترشّح أو استمرار نُظم انتخابية تعزّز التحكّم في النتائج، مثل القائمة المطلقة مع إعادة تقسيم الدوائر لصالح مرشّحي السلطة، والذى يتضح ضعفها، وعجز عن أداء وظائف وضعت فيها، ومجمل هذه الترتيبات من هندسة العملية الانتخابية، تنعكس في مخرجاتها، وبالتالي صورة البرلمان ووظائفه، وتزايد افتقاد الثقة في قدرته على تمثيل فئات المجتمع أو ممارسة دوره الرقابي، ويفسّر استمرار فجوة الثقة رغم وجود الإطار المؤسّسي، لكنه شكلي.
تتواصل أزمة الثقة في الأحزاب السياسية؛ إذ أفاد 53% من المصريين بعدم ثقتهم فيها
وبالتوازي مع محدودية الثقة في البرلمان، تتواصل أزمة الثقة في الأحزاب السياسية؛ إذ أفاد 53% من المصريين بعدم ثقتهم فيها، في اتجاه يتقاطع مع دول شمال أفريقيا (وبنسب متقاربة) وقد شهدت الثقة بالأحزاب منحنى هابطًا خلال العقد الأخير؛ فبعد ارتفاعها النسبي إلى 51% في 2016، تراجعت إلى 41% في 2022، ثم إلى 38% في 2025.
ويرتبط هذا التراجع بتصوّر بأنّ معظم الأحزاب تدور في فلك السلطة، مقابل حضور محدود للأحزاب المعارضة في المجال العام المحاصر، ما يضعف قدرتها على تمثيل مصالح اجتماعية أو تشكيل بدائل سياسية فعلية، ويزيد من ضعفها الهيكلي ومحدودية الدور.
إدراك تطبيق القانون بين المساواة والمحاباة
تعكس آراء المصريين تصوّرات نقدية تجاه عدالة تطبيق القانون؛ إذ يرى 78% أنّ الدولة تطبّقه، لكن 40% ترى تطبيقه يشوبه قدر من المحاباة، ويُظهر هذا الاتجاه مساراً مُتغيّراً منذ 2011، حين تبنّاه 47% من المستجيبين، قبل أن يبلغ ذروته في عامي 2015 و2016 عند 53%، ثم يتراجع تدريجيّاً من دون أن يختفي.
ويظهر الشعور بالتمييز في تقييم تمثيل الدولة للمواطنين؛ إذ يرى 45% أنها تمثّل الجميع لكنها تفضّل بعض الفئات، بينما يعتقد 18% أنّها لا تمثّل المواطنين بالتساوي مُطلقاً، في مقابل 31% فقط يرون أنّها تمثل الجميع من دون تمييز، ما يعني أنّ نحو ثلث العينة وحده ينفي وجود تفاوت في المعاملة.
ولافت أنّ المصريين يأتون ضمن الدول الأكثر شعوراً بالتمييز مع العراق وليبيا، رغم التجانس، وغياب انقسامات أهلية أو طائفية، لكن الوضع الطبقي (والإحساس بالظلم) يبدو أنه ينتج هذا الشعور، من صورة يطلق عليها مجازاً، وفي تعبير شعبي ملفت، التفريق بين سكان مصر وسكان “إيجيبت- Egypt”، في إظهار لوجود عالمين منفصلين، بعنوان طبقي وثقافي ونمط معيشي مختلف، يشير إلى أنّ إدراك التمييز يرتبط بدرجة الشعور بالفوارق الطبقية والاجتماعية، والتي تُترجم أحياناً في الخطاب العام إلى تصوّر وجود عالمَين متمايزين داخل المجتمع، وإحساس بغياب تكافؤ الفرص أمام المؤسّسات، والاعتقاد بوجود تمييز لمصلحة فئاتٍ بعينها، اقتصادية كانت أو اجتماعية أو ذات صلة بمراكز النفوذ.
الديمقراطية: المفهوم ومستوى التطبيق
وتظهر نتائج المؤشّر أنّ أغلبية المصريين ما تزال ترى في الديمقراطية النظام الأنسب للحكم وإن كانت له مشكلات؛ إذ يؤيدها 77% من المستجيبين، مقابل 11% يعارضون ذلك، وتأييد 80% للنظام الديمقراطي ورؤيته كنظام حكم ملائم، وكذلك بالنسبة نفسها لنظام تعدّدي تتنافس فيها الأحزاب جميعا، وتكرّرت خلال استطلاع 2015. غير أنّ هذا التأييد لا يخلو من توترات كامنة؛ إذ يرى 14% أنّها قد تتعارض مع الإسلام، ويتقاطع مع قبول قطاعات من نظام يحكم بالشرعية من دون انتخابات، وهي لافتة (20% ملائم 18% ملائم إلى حدّ ما) وفى الاتجاه نفسه، المؤيّد للسلطوية، بغض النظر عن حاملها الإيديولوجي، يؤيّد قطاع تولّي قادة الحكم من دون انتخابات، بما يكشف عن استمرار حضور تصورات بديلة داخل المجال العام، وقد عارض نظام تتنافس فيه الأحزاب غير الدينية 77% مقابل معارضة 74% لنظام تتنافس فيه أحزاب إسلامية فقط.
بذلك تحافظ الأغلبية على رفض واضح لأنماط الحكم السلطوي خلال عقد؛ ففي استطلاع 2024/2025، أفاد 78% بأنّ هذا النمط “غير ملائم”، وهي قريبة من مستواها في 2022 (79%) وأعلى من 2014 (68%)، بما يشير إلى اتجاه مستقر نسبيًا في رفض الحكم غير الديمقراطي، ويتسق هذا مع تأييد 80% لنظام تعدّدي تتنافس فيه الأحزاب مهما كان انتماؤها وتراه مناسباً للحكم، ما يعكس رفضًا واسعًا للأنظمة الإقصائية، سواء كانت سلطوية أو دينية مغلقة.
على مستوى التطبيق، يمنح المستجيبون درجة 6.2 من 10 لمستوى الديمقراطية، مقابل 5.7 فقط لقدرتهم على انتقاد الحكومات، بما يوضّح إدراكاً لهامش ديمقراطي محدود. ويكشف التتابع الزمني استقراراً نسبيّاً في القدرة على النقد وإن كان منخفضاً، فإنّه الأعلى في إقليم وادي النيل قياساً بالأقاليم العربية (ص 242 – تقرير المؤشر 2024 – 2025).
ورغم التأييد العام للديمقراطية، تظهر موجات محدودة من الميل إلى السلطوية، توضّحها المؤشّرات في عقد مضى؛ إذ ارتفع تأييدها مؤقتاً إلى 34% في 2014، بدافع الرغبة في الحسم السياسي، قبل أن يتراجع سريعاً إلى 14% في 2015، ثم 6% في 2016، ويبلغ أدنى مستوياته بين 2% و3% خلال (2017–2020)، ويرتفع مجدّداً إلى 8% في 2025، وتعكس هذه المسارات بقاء فكرة “المستبد العادل” والانحياز للاستقرار الأمني على حساب الحريات لدى بعض القطاعات، يتسق مع مؤشّرات قبول الحكم من دون انتخابات أو بنظام شكلي لا يعتد بالمعارضة.
ولا يشير هذا إلى رفض للديمقراطية بقدر ما يكشف عن استعداد للمفاضلة بين الحرّيات والاستقرار في أوقات الأزمات، ويظهر أيضاً في ارتفاع التردّد بشأن جدواها والقدرة على الحكم أو رفض الإجابة (27% في 2011 و30% في 2014) ضمن سياق من ارتباك يصاحب التحوّلات السياسية، ويجعل الخيارات أحياناً صعبة، ويظلّ هذا الميل تعارضه الأغلبية، رغم حضوره في أشكال مثل القبول بقيادة قوية أو حكم ذي مرجعية دينية من دون آليات انتخابية.
حدود المشاركة السياسية ومؤشّراتها
أفاد 38% من المستجيبين بأنّهم مهتمون بالشؤون السياسية في بلدانهم بدرجات متفاوتة (12% مهتمون جدّاً، و26% مهتمون) مقابل 31% غير مهتمين. أما في مصر، فاهتمام المواطنين أعلى، حيث يهتم 70% بدرجات مختلفة، بينهم 36% مهتمون جدّاً أو مهتمون، مقابل 29% غير مهتمين. ويتابع المهتمون الأخبار عبر التلفزيون بنسبة 60%، منخفضة عن 85% عام 2015، فيما يعتمد 30% على الإنترنت، متزايدة من 6% عام 2015 إلى 17% عام 2019، مقابل 81% اعتماد على التلفزيون و3% على الإنترنت في أول مؤشّر.
وعلى صعيد المشاركة الفعلية، أظهر 82 % من العرب عدم المشاركة في أيّ نشاط سياسي، مقابل 7% شاركوا في أحد الأشكال (توقيع عريضة، مسيرة، مجموعة نشطة، أو حملة افتراضية). والمصريون سجّلوا مشاركة محدودة بلغت 13% خلال 12 شهراً، منها 14% بالانضمام إلى مجموعات نشطة على الإنترنت من أجل قضية سياسية أو مجتمعية، 7% في مسيرات، و19% في حملات إلكترونية افتراضية، بينما لم تشارك الأغلبية (89%) في أي نشاط، وهي أدنى نسبة مشاركة منذ 2013.
أما الانتماء إلى إحدى المُنظّمات السياسية والمدنية فهو محدود: 8% في نقابات، 11% جمعيات أهلية، مع أكثر من 25% من المنتسبين للنقابات غير نشطين، موزّعين بين مشاركة نادرة أو لم يشاركوا أبداً. وأدنى مشاركة على مستوى الأحزاب السياسية بنسبة 6%، بينما 20% يعبّرون أنّ هناك تياراً سياسياً يعّبر عن أفكارهم، من دون الانتماء إليه رسمياً، و58% لا ينتمون لأيّ حزب أو تيار، مع ارتفاع معدل من رفضوا الإجابة إلى 16%. يعكس ذلك انتماء سياسياً محدوداً، يتوافق مع المشاركة المحدودة وحالة الثقة في الأحزاب.
انحسار المجال العام في مصر، مع ارتفاع تكاليف المشاركة والقيود المفروضة
وتشير أوضاع الأحزاب والنقابات ومعدّلات المشاركة إلى انحسار المجال العام في مصر، مع ارتفاع تكاليف المشاركة والقيود المفروضة. تحوّل التعبير السياسي تدريجيّاً إلى الفضاء الرقمي مُنخفض التكلفة نسبيّاً، بينما يواجه المشاركون أيضا تهديدات قضائية، غالباً على أساس نشر أخبار كاذبة أو دعم جماعات إرهابية، وليس بسبب التظاهر أو الاعتصام. ويظهر هذا من خلال مئات القضايا المُسجّلة ضدّ سياسيين وكتّاب وإعلاميين، لمجرّد التعبير عن الرأي، وتعرّضت المعارضة لضعف مُتزايد تحت الضغوط. وامتدّ التخويف إلى عموم المواطنين، الذين ينتقدون الحكومة، أو يشكون من الأزمات الاقتصادية، من دون الانخراط المباشر في العمل السياسي، وتعرّض بعض منهم للملاحقة.
يرصد المؤشّر العربي تراجعاً ملحوظاً في الثقة في المؤسّسات الوسيطة (الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني)، هذا التآكل نتاج عدّة عوامل، منها تأميم المجال العام، وتراجع المؤسّسات المدنية، وبعضها أصبح صدى للسلطة أو شريكة جرى استيعابها، بدلاً من أن تكون صوتاً للمجتمع. ومع ضعفها، أصبح المواطن وحيداً في مواجهة الدولة، متلقّياً لسياساتها، غير قادر على مقاومة السياسات والإجراءات التي يراها تنتهك حقوقه، فكان العزوف السياسي المشهد الغالب، ليس خوفاً من العقاب فحسب، بل نتيجة الشعور بالإحباط، وبالتالي الصمت، أو البحث عن حلولٍ فردية لمشكلاته، وضمن منتجات النظام السلطوي، أصبحت قطاعات أكثر تعلّقاً بالاستقرار، بدلاً من مشروعات التغيير، تبحث عن الأمن، منشغلة بالهمّ المعيشي، ويمثّل هذا التحوّل نجاحاً للسردية السلطوية ونتاج ضغط أدواتها.
الفضاء الرقمي
يستخدم الإنترنت في مصر 66% من المستجيبين (مقابل متوسّط عربي 65%)، بعدما ارتفعت النسبة من 30% في 2013 إلى 45% في 2015، وصولاً إلى 81% في 2022، مع هيمنة الهاتف المحمول أداة رئيسية بنسبة 95% مقابل 2% للكمبيوتر في تقارب مع النمط العربي العام.
يمتلك 99% من المستخدمين العرب حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي؛ أبرزها واتساب (87%) وفيسبوك (79%)، تليها منصّات الفيديو القصير مثل تيك توك وسناب شات (52%)، بينما يبقى تويتر الأقلّ استخداماً بنسبة 30%. وفي مصر تظهر هيمنة واضحة لمنصات “ميتا”، إذ يأتي فيسبوك في المقدّمة بنسبة استخدام 95%، وهو من أعلى المعدلات عربياً يليه واتساب (89%)، مع صعود لافت لمنصّات المقاطع المصوّرة القصيرة تيك توك (62%).
وقد تصاعد استخدام “فيسبوك” و”تويتر” بين 2013 و2019، قبل أن يستقر حتى 2022 ثم يبدأ في التراجع، مع ترسّخ نمط وظيفي للاستخدام: فيسبوك وتويتر للأخبار الاجتماعية والتفاعل السياسي، واتساب للتواصل الاجتماعي، بينما يميل تيك توك إلى الاستخدام الترفيهي المرتبط بالموضة والترند.
وسجّل مواطنو مصر أعلى نسب المشاركة في المجموعات الخاصة أو العامة عبر وسائل التواصل والإنترنت، وبلغت 46% (بينما السودان 47%) وهي نسب تتجاوز المتوسّط العربي (23%) ما يعكس تنامي التفاعل الرقمي عبر المجموعات بوصفها أطراً تجمع المهتمين بقضايا مشتركة، سواء لأغراض معرفية أو تعليمية أو تسويقية أو سياسية، بما يجعلها مساحاتٍ للتشارك والتعلّم والتفاعل الاجتماعي بين فئات مُتقاربة الاهتمامات.
تعكس أنماط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، عربيّاً ومصريّاً، وظيفة اجتماعية بالأساس أكثر من أنّها تمثّل نوعًا من المشاركة السياسية؛ إذ أفاد 27% من المستخدمين عربيّاً أنّ هدفهم الرئيسي هو التواصل مع الأصدقاء والمعارف، مقابل 15% لمتابعة الأخبار المحلية و11% لملء وقت الفراغ، بينما يظلّ الاستخدام بغرض مشاركة آرائهم السياسية محدوداً للغاية (3%).
ويتكرّر النمط نفسه في الحالة المصرية، حيث تتصدّر دوافع الاستخدام الأبعاد الاجتماعية واليومية (24% للتواصل مع الأصدقاء والمعارف، 16% لملء وقت الفراغ، 7% لمشاركة الروتين اليومي)، يليها البعد المعلوماتي والأخبار (14% لمتابعة أخبار البلاد و5% للأخبار العالمية). أي مصدر للمعرفة السياسية والمعلومات.
يلي ذلك الاستخدام المُرتبط بالاهتمامات الفردية أو المهنية (10% لمحتوى شخصي يهم المستخدم، و4% للتعريف بالمجال المهني، مقابل حضور محدود للدافع السياسي المباشر (مشاركة الآراء السياسية). ويشير هذا التوزيع إلى أنّ الفضاء الرقمي يُستخدم أساساً كحيّز للاندماج الاجتماعي وإدارة الحياة اليومية واستهلاك المحتوى، بينما يبقى التعبير السياسي وظيفة ثانوية أو ضمنية، ويوضّح تغيّرات في دور وسائل التواصل من أدوات تعبئة سياسية مباشرة إلى منصّات تواصل اجتماعي كثيف ذات أثر سياسي غير مباشر أو محدود، أي أصبحت المشاركة السياسية في حالة إزاحة قياساً بسنوات سابقة.
رغم طابعها الاجتماعي الغالب، ما تزال منصّات التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً للمعلومات السياسية؛ إذ يعتمد عليها عربيّاً نحو 82% من المستخدمين (89% في مصر)، وإنْ يشهد هذا الدور تراجعًاً منذ ذروته عام 2016 حين بلغت 94%. ويظهر التراجع بوضوح في دول مثل الكويت والسعودية والعراق، مقابل صعود لافت في الجزائر ولبنان، من دول الموجة الثانية للانتفاضات، وارتفاع أقل في الأردن والمغرب وتونس، بما يدل على علاقة مركّبة بين الفضاء الرقمي ومستويات الحراك السياسي. وفي مصر، بقيت وسائل التواصل مصدراً واسع الاستخدام لمعرفة الفعاليات الثقافية والاجتماعية، وظلّت ساحة للتعبير عن الرأي في أحداث راهنة وسياسية، رغم تراجعها التدريجي منذ 2016 إلى 2025. وينطبق الاتجاه نفسه على استخدامها للتفاعل مع القضايا السياسية.
وعلى مستوى الثقة، يحظى المُحتوى الصادر عن الصفحات الحكومية بدرجة كبيرة من الثقة (73%)، تليه القنوات الإخبارية (62%) ثم الإعلاميون (50%). كما تراجع تقييم الأثر الإيجابي لوسائل التواصل في المجتمع المصري بحدة من 81% عام 2022 إلى 47% في 2025، بالتوازي مع تصاعد الخطاب التحذيري تجاهها، وانتشار محتوى ترفيهي كثيف، وتزايد الضغوط الأمنية على النشاط السياسي الرقمي. وقد انعكس هذا في ارتفاع المخاوف منها وارتفاع الموافقين على عبارة “ثقافة بلدنا في خطر نتيجة دخول عادات جديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي”، والتي وصلت إلى 81% بعدما كانت في 2022 تبلغ 63%. كما ارتفعت نسبة من يميل إلى تنظيم (وتقييد) الوصول إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من 42% عام 2022 إلى 56% عام 2025. ورغم هذا المناخ الحذر، لا يزال 85% يؤيدون دور هذه الوسائل بوصفها منصّة تتيح التعبير عن الرأي في الشأن العام، بغضّ النظر عن طبيعة المحتوى المتداول.
يحيل هذا إلى القول إلى أنّ الفضاء الافتراضي، في أذهان المستجيبين، يمثل ميداناً للتعبير وتُشكّل الوعي السياسي والتفاعل، سواء في الدول التي تشهد حراكاً، أو ذات النظم المُغلقة، كأداة ما زال لها حضور، وربما تكون بديلاً أحياناً عن وضع تراجع المشاركة السياسة الفعلية، في محاولة تجاوز قيود الشارع المُغلق، إلى فضاء إلكتروني مفتوح، والهروب من قبضة الدولة التقليدية، وعبرها يجري التعبير عن قضايا محلية وأخري خارجية، تخصّ السيادة والدور في القضايا الإقليمية، ومنها القضية الفلسطينية، خصوصاً مع انحسار القنوات التقليدية، من وسائل إعلام، وأحزاب وفعاليات. ومع هذا، أصبحت وسائل التواصل مُتنفّساً للتعبير وحيّزاً موازياً يخلق “المواطنة الرقمية”، وتجري عبره تداول القضايا المحلية والإقليمية وممارسة أشكال من الضغط الرمزي.
يمارس المستخدمون رقابة ذاتية بفعل الخوف من الملاحقة أو الرفض المجتمعي
غير أنّ هذا الفضاء ليس مفتوحاً بالكامل؛ إذ يمارس المستخدمون رقابة ذاتية بفعل الخوف من الملاحقة أو الرفض المجتمعي، إضافة إلى سياسات المنصّات نفسها، بما يعكس اتساع أنماط الرقابة الرقمية وتقييد القدرة على انتقاد السياسات العامة. وضمن ذلك يعتقد 38.8% أن نشاطهم على وسائل التواصل مراقب، ويرى 44% أن الشركات المالكة هي الجهة الأكثر مراقبة، ويعتقد 34% بوجود رقابة حكومية، مع إدراك 15% من المستجيبين لوجود جيوش إلكترونية. وبذلك، يغدو الفضاء الرقمي مجالاً بديلاً للتعبير، لكنه مُحاط بأنماط ضبط متعدّدة، ما يحدّ من تحوّله إلى فضاء سياسي حرّ في ظلّ بيئة القيود المرتبطة بمؤشّر الديمقراطية أو تلك التي تخصّ الشركات المالكة.
الدين والحياة السياسية
اختبر المؤشّر العربي توجّهات المواطنين نحو العلاقة بين الدين والسياسة عبر قياس مواقفهم من تأثير رجال الدين على التصويت، واستخدام الدين من الحكومة أو المرشّحين لكسب التأييد، وفصل الدين عن الدولة والسياسة. وأظهرت النتائج رفضاً واضحاً لتدخل الدين في العملية الانتخابية، حيث رفض 85% من المصريين تأثير رجال الدين في تصويت الناخبين، مع استقرار هذه النسبة منذ 2015 وحتى مؤشّر 2022 عند نحو 87%. كما رفض 75% من المواطنين استخدام الحكومة أو المرشّحين الدين لكسب الدعم، مقابل 20% يوافقون على ذلك. أما فصل الدين عن الدولة والسياسة، فقد وافق عليه 59% من المستجيبين، وهي النسبة نفسها عام 2013، بينما كانت 63% في عامي 2015 و2016.
تعكس هذه البيانات الفهم الديمقراطي، بمعنى حقّ الناس في التشريع بمعزل عن قواعد مسبقة، أو فرض وصاية بنصوصٍ دينية، الا أنّ هذا الاتجاه، رغم اتساعه، يبقى مُحاطاً بحدود، إذ تحدّ السياقات السلطوية والقيود على المجال العام من تطبيق هذا الفصل عمليّاً. ويعكس مزيجاً من القيم المدنية المُتنامية لدى قطاعات واسعة من المواطنين، والرغبة في ممارسة حقوقهم السياسية بحرية، مع استمرار تأثير عناصر اجتماعية وثقافية تحافظ على حضور الدين في بعض مناحي الحياة العامة، وتفضيل لدى فئات لتولي متدينين مواقع اتخاذ القرار، بوصف الدين هنا تعبيراً عن منظومة من القيم الأخلاقية، ومن الممكن أن يكون المسؤول حينها أقلّ فساداً.
صورة الواقع السياسي
تعكس نتائج المؤشّر اتساقاً مع ما أظهرته محاوره المختلفة بشأن العلاقة بين القيم السياسية، وتقييم الأداء، وأنماط الثقة، والمشاركة. فبينما تحظى الديمقراطية بتأييد واضح كقيمة معيارية لدى أغلبية المستجيبين، لم تتراجع أو تهزم، لكن لا يقابل ذلك وجود أطر مؤسسية أو مناخ سياسي يسمح بترجمتها إلى ممارسة فعلية.
في المقابل، يستند الاستقرار القائم أساساً إلى قوّة الدولة ووظائفها الأمنية والخدمية، حتى مع استمرار التقييم النقدي للأداء الاقتصادي، وعدم الرضا، ويتضح ضعف القدرة على الحوار السياسي، وضيق مجالات المنافسة، ومحدودية المشاركة السياسية، في ظلّ الاستبداد، وضيق هامش الديمقراطية والحريات، واعتبار المؤسسات السياسية، النيابية لا تمثّل قطاعاً كبيراً من المصريين، غير ضعف الهياكل السياسية، ما يؤدي الى انحسار المجال العام.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح في تراجع الثقة بالمؤسسات الوسيطة، وتواضع معدلات المشاركة التقليدية، وهو ما لا يعكس فقط كلفة الانخراط السياسي في السياق السلطوي، بل أيضاً ضعف البنى الحزبية والوسائط التمثيلية، وتصاعد النزعات الفردانية والإحباط.
كما يظلّ إدراك قيمة العدالة الاجتماعية والمساواة، والديمقراطية قائماً وحاضراً، بوصفهما قيمتين تؤمن بهما غالبية المصريين، لكنه غير مُتحقّق بدرجة مرضية، يشير إليه تقييم للحريات ومستواها وقدرة المصريين على التعبير وانتقاد السياسات الحكومية، والسلطة ورموزها، ذلك مع بروز إحساس بالتمييز والمحاباة وغياب آليات التمثيل، وأطر المشاركة، وإن كان يثق بدرجات متفاوتة بمؤسسات الدولة، فإنه غير راضٍ عن النظام السياسي.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس





