أفريقيا برس – مصر. بالتزامن مع شتاء قاسٍ ونقص حاد في الغذاء والدواء داخل قطاع غزة المحاصر، جاء قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي، أمس الثلاثاء، إبلاغ 37 مؤسسة إغاثة دولية بوقف أو عدم تجديد تراخيص عملها في الأراضي الفلسطينية، ما يهدد مصير تدفّق المساعدات، ولا سيما تلك القادمة عبر مصر، والدور الذي تلعبه القاهرة باعتبارها بوابة إنسانية رئيسية للقطاع منذ اندلاع الحرب.
وبحسب معلومات من مصادر مصرية، مطابقة لتصريحات مسؤولين في منظمات أممية وإنسانية، اليوم الأربعاء، فإنّ القرار الإسرائيلي، الذي يبدأ سريانه فعلياً اعتباراً من غدٍ الخميس، الأول من يناير/ كانون الثاني 2026، لا يستهدف، وفق الرواية الرسمية للاحتلال، تعطيل إدخال المساعدات من حيث “الأرقام الإجمالية”، لكنه يهدد بشكل واضح منظومة توزيع المساعدات وتشغيلها عبر منافذ إدخال المساعدات من مصر إلى داخل غزة، وهي الحلقة الأكثر هشاشة في المسار الإنساني بأكمله.
ميدانياً، شرعت قافلة شاحنات المساعدات الإنسانية رقم 106، اليوم الأربعاء، التوجه نحو قطاع غزة، عبر البوابة الفرعية لميناء رفح البري بمحافظة شمال سيناء، في طريقها إلى معبر كرم أبو سالم، تمهيداً لإدخالها إلى داخل القطاع. وبحسب مصدر مسؤول في ميناء رفح البري، تضم القافلة، التي تأتي ضمن مبادرة “زاد العزة من مصر إلى غزة”، آلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والإنسانية، والمستلزمات الطبية والأدوية العلاجية، إلى جانب مواد بترولية ومساعدات إيوائية، في ظل احتياجات متفاقمة داخل القطاع.
وكان الهلال الأحمر المصري قد أطلق قوافل “زاد العزة” في 27 يوليو/ تموز الماضي، لتشمل سلاسل إمداد غذائية، ودقيقاً، وحليب أطفال، وأدوية علاجية، ومستلزمات طبية، فضلاً عن كميات كبيرة من الوقود، في إطار دوره آليةً وطنيةً لتنسيق المساعدات وتفويجها إلى غزة منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وأكدت مصادر مصرية أنّ ميناء رفح البري لم يُغلق بشكل كامل طوال فترة الحرب، وأن الهلال الأحمر المصري يواصل تأهبه في مراكزه اللوجستية المختلفة، معتمداً على شبكة تضم نحو 35 ألف متطوع لدعم عمليات التجهيز والتنسيق.
ورغم استمرار دخول القوافل، رأت منظمات إنسانية أنّ القرار الإسرائيلي المتعلق بالمنظمات الدولية يهدد بتفريغ هذا الجهد من مضمونه. إذ تقول سلطات الاحتلال، عبر منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (COGAT)، إن المؤسسات الـ37 تشكّل أقل من 1% من حجم المساعدات، وإن تعليق عملها لن يؤثر في الأرقام الإجمالية.
وتُستخدم هذه التصريحات، التي روّجت لها وسائل إعلام إسرائيلية وغربية، لتفنيد أي اتهامات بوجود سياسة تجويع ممنهجة أو خنق متعمد للمسار الإنساني، مستندة إلى أرقام تتعلق بعدد الشاحنات أو الأطنان التي يُسمح بدخولها يومياً. غير أن قراءة متعمقة لهذه الأرقام تكشف أنها لا تعكس الصورة الكاملة، إذ تخلط بين “السماح بالدخول” و”القدرة على الاستلام والتوزيع والتشغيل”، وهي عناصر جوهرية في أي استجابة إنسانية فعّالة.
وبحسب مصادر أممية، فإن الخطر الأكبر لقرار تعليق عمل 37 منظمة لا يكمن عند نقطة دخول الشاحنات، بل في ما يُعرف إنسانياً بـ”الميل الأخير” داخل غزة، أي مرحلة استلام المساعدات وتخزينها ونقلها وتوزيعها على السكان، فضلاً عن تشغيل المستشفيات الميدانية، ومراكز الإيواء، وخدمات المياه والصرف الصحي، وحماية الأطفال.
وأشارت هذه المصادر إلى أن عدداً من المنظمات المشمولة بالقرار يلعب أدواراً تشغيلية متخصصة، وليس مجرد أدوار تمويلية أو لوجستية، ما يجعل غيابها فجوة يصعب تعويضها سريعاً، حتى لو استمرت الشاحنات في العبور شكلياً. كذلك تحذّر الأمم المتحدة من أن القيود الإسرائيلية الجديدة لا تقتصر على سحب التراخيص، بل تشمل فرض متطلبات أمنية وبيروقراطية إضافية، مثل تسليم بيانات تفصيلية عن الموظفين المحليين والدوليين، وتشديد الرقابة على المواد المصنّفة باعتبارها “ثنائية الاستخدام”، ما يؤدي عملياً إلى تأخير المساعدات أو تعطيلها جزئياً.
وتلعب مصر دوراً محورياً في المسار الإنساني لغزة، سواء عبر تجهيز المساعدات، أو استقبالها من دول ومنظمات دولية، أو تنسيق دخولها باتجاه القطاع. غير أن التطورات الأخيرة تبرز معضلة جديدة، إذ إن جزءاً كبيراً من المساعدات التي تُجهّز في مصر يعتمد في مرحلته النهائية على شركاء ميدانيين داخل غزة، وإذا مُنعت هذه الجهات من العمل، فإن المساعدات قد “تدخل” نظرياً دون أن تصل فعلياً إلى مستحقيها.
وتُظهر تحديثات صادرة عن الأمم المتحدة أن إدخال المساعدات خلال الأسابيع الأخيرة جرى أساساً عبر معبري كرم أبو سالم وزيكيم، فيما لم يكن معبر رفح يعمل بكونه ممر إدخال منتظم للمساعدات، بل اقتصر، وفق إعلانات إسرائيلية، على ترتيبات خاصة بخروج مدنيين من غزة إلى مصر في حالات محددة. ويعني هذا الواقع أنّ “خط مصر” الإنساني لا يعمل بمعزل عن منظومة التحكم الإسرائيلية في المعابر، وأنّ أي تضييق على المنظمات الشريكة داخل غزة ينعكس بالضرورة على فعالية الدور المصري، حتى إن لم تُغلق المعابر بشكل كامل.
ورغم عدم تسجيل تراجع حاد في أرقام دخول المساعدات حتى اليوم، تحذّر مصادر إنسانية من أن التأثير الحقيقي للقرار سيظهر أوضح مع بدء سريانه الكامل في يناير/ كانون الثاني 2026، ولا سيما إذا لم تُمنح المنظمات المعنية بدائل قانونية أو مسارات ترخيص جديدة. وتلفت هذه المصادر إلى أن أي قياس دقيق للأثر يجب أن يميّز بين ثلاثة مستويات: عدد الشاحنات التي تدخل، ونوعية المساعدات التي تحملها، ثم قدرتها الفعلية على الوصول إلى السكان، في ظل الانفلات الأمني ونقص الوقود والكوادر.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس





