أفريقيا برس – مصر. جددت مصر رفضها القاطع لما وصفته بـ”الإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي في حوض النيل الشرقي”، في رسالة سياسية تؤكد الجاهزية لاستخدام الأدوات القانونية والسياسية المتاحة للدفاع عن أمنها المائي، في ظل تعثر المسار التفاوضي مع إثيوبيا بشأن سد النهضة. وأكد بيان مشترك صادر عن وزارتي الموارد المائية والري، والخارجية والهجرة المصريتين، عقب اجتماع وزاري اليوم الأربعاء، أن القاهرة تتابع “من كثب” تطورات السد الإثيوبي، وتشدد على استعدادها “لاتخاذ كل التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي” لحماية ما وصفته بـ”المقدرات الوجودية للشعب المصري”، في توصيف يعكس البعد السيادي والأمني للأزمة، لا كونها خلافاً فنياً أو تنموياً فقط.
ويأتي الاجتماع في إطار تنسيق سياسي – دبلوماسي متصاعد بين المؤسستين المعنيتين بالملف، بهدف توحيد الخطاب المصري إقليمياً ودولياً، ومواجهة ما تعتبره القاهرة محاولات فرض أمر واقع مائي في حوض النيل، عبر سياسات أحادية تتجاهل قواعد القانون الدولي، ومبدأي الإخطار المسبق، وعدم التسبب في ضرر جسيم لدول المصب. وشدد الوزيران على تمسك مصر بخيار التعاون والمنفعة المتبادلة مع دول حوض النيل، لكن “بشرط” الحفاظ على الأمن المائي المصري والالتزام بالأطر القانونية الحاكمة لنهر النيل، في إشارة ضمنية إلى أن التعاون لم يعد مفتوح السقف في ظل غياب التوافق القانوني الملزم بشأن تشغيل السد.
وفي محاولة لتفكيك السردية الإثيوبية التي تروّج مصرَ باعتبارها معرقلاً للتنمية، استعرض البيان سجل القاهرة في دعم مشروعات التنمية بدول الحوض، خصوصاً دول الجنوب، عبر إطلاق آلية تمويلية بقيمة 100 مليون دولار، وتنفيذ عشرات المشروعات في مجالات المياه والطاقة وبناء القدرات، بما يعكس -وفق الرؤية المصرية- التزاماً عملياً بالتكامل الإقليمي لا بالهيمنة. وتشمل هذه الجهود مشروعات مشتركة ودورات تدريبية في السودان، وجنوب السودان، وكينيا، والكونغو الديمقراطية، وأوغندا، وتنزانيا، إلى جانب إنشاء محطات رفع وآبار جوفية عاملة بالطاقة الشمسية، ومراكز للتنبؤ بالأمطار، ومشروعات للحماية من الفيضانات ومقاومة الحشائش المائية، فضلاً عن تدريب أكثر من 1650 كادراً من 52 دولة أفريقية.
غير أن القاهرة ترى أن هذه الجهود التنموية لم تُقابل بسلوك سياسي مسؤول من الجانب الإثيوبي، إذ تتهمه بالاستمرار في سياسة “فرض الأمر الواقع” من خلال الملء والتشغيل من دون اتفاق قانوني ملزم، ما سبَّب أضراراً مباشرة، أبرزها غرق مناطق داخل السودان نتيجة تدفقات غير منسقة، واضطرار مصر إلى فتح مفيض توشكى والتخلي عن كميات كبيرة من المياه تفادياً لمخاطر محتملة على السد العالي. وتكتسب الأزمة بعداً داخلياً متزايداً، في ظل تفاقم أزمة الشح المائي في مصر، إذ لا تتجاوز مواردها المائية 60 مليار متر مكعب سنوياً، مقابل احتياجات تصل إلى نحو 114 مليار متر مكعب. وقد دفعت هذه الفجوة الحكومة إلى فرض سياسات تقشف مائي صارمة، شملت حظر زراعة المحاصيل الشرهة للمياه خارج المساحات المقررة، وفرض غرامات ورسوم إضافية على المزارعين، ما يعكس انتقال كلفة الأزمة إلى الداخل المصري.
وتتمسك القاهرة، بالتنسيق مع السودان، بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل، في مقابل إصرار إثيوبيا على اعتبار السد “مشروعاً سيادياً” لا يخضع لأي التزامات قانونية تجاه دول المصب، وهو ما ترى فيه مصر تهديداً مباشراً لمنظومة الأمن الإقليمي في حوض النيل. وبينما تروّج أديس أبابا السدَّ باعتباره حجر الزاوية في تحولها إلى مركز إقليمي لتصدير الكهرباء في شرق أفريقيا، تحذر القاهرة من أن التشغيل غير المنسق قد يؤدي إلى تراجع منسوب بحيرة ناصر، بما يهدد الأمنين المائي والغذائي لدولة تعتمد بصورة شبه كاملة على نهر النيل مصدراً وحيداً للمياه.
في هذا السياق، تبدو الرسالة المصرية الأخيرة أبعد من مجرد بيان فني، إذ تعكس توجهاً سياسياً لإعادة تدويل الأزمة، ورفع كلفة الاستمرار في السياسات الأحادية، مع التلويح بأن ملف النيل لم يعد ملفاً تنموياً قابلاً للإدارة بالتفاهمات المرنة، بل قضية أمن قومي مفتوحة على جميع السيناريوهات التي يتيحها القانون الدولي.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس





