هل باتت معسكرات ليبيا النائية راعية الصراعات الأفريقية؟

هل باتت معسكرات ليبيا النائية راعية الصراعات الأفريقية؟
هل باتت معسكرات ليبيا النائية راعية الصراعات الأفريقية؟

كريمة ناجي

أفريقيا برس – ليبيا. طرح التقرير الذي نشرته وكالة “رويترز” حول وجود معسكرات سرية لتدريب عناصر “الدعم السريع” السودانية في إقليم بني شنقول غرب إثيوبيا، الممتد على بعد 40 كيلومتراً من حدود السودان، والمتاخم أيضاً للحدود الليبية، سؤالاً مفاده: هل هناك إمدادات بين إقليم بني شنقول الإثيوبي والمعسكرات النائية في الجنوب الليبي؟ إذ ذهبت تقارير دولية إلى أنها “تمثل شرياناً لبث الفوضى” في دول الجوار، وعلى رأسها السودان.

شريان طاقة

المتخصص في الشؤون الأمنية العميد عادل عبدالكافي يؤكد أن الوقود لهذه المعسكرات يأتي حتماً من الأراضي الليبية لأنها أقرب نقطة وأكثرها أماناً لإيصال إمدادات الطاقة لعناصر قوات “الدعم السريع” في السودان، ومنها إلى بقية المعسكرات وبينها معسكر إثيوبيا.

ويتابع أن اشتباكات دارت بين قوات تابعة للجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان، وعدد من القوات المشتركة مع “الدعم السريع” التي تم تدريبها في الأراضي الإثيوبية، وجرت محاولة الدفع بها لاحقاً إلى الأراضي السودانية من خلال بعض الممرات الآمنة حتى تصل إلى الشمال الغربي من السودان لتعزيز قوات “الدعم”، التي تتلقى ضربات كثيفة من قبل الجيش السوداني والطيران المسير التركي والطيران الحربي المصري.

ويضيف عبدالكافي “لذلك لجأ حميدتي إلى تكتيك آخر وهو جهة الجنوب الغربي لليبيا كحديقة خلفية لإعادة تجميع عناصره وقواته، بخاصة أن التجهيزات والوقود تصل إلى عناصره أينما كانوا من قبل الإمارات والفيلق الأفريقي الروسي المتمركز في قاعدة الجفرة في قلب الصحراء الليبية (وسط) وقاعدة معطن السارة (في أقصى جنوب شرقي ليبيا ضمن منطقة الكفرة، وهي منطقة صحراوية استراتيجية تربط الحدود الليبية مع السودان وتشاد)، والقاعدتان تقعان في مناطق نفوذ المشير خليفة حفتر”.

ونفى أن يكون هناك شريان للمرتزقة يمر من الجنوب الليبي نحو إثيوبيا لدعم معسكر بني شنقول بسبب طول المسافة، فضلاً عن صعوبة الأمر لوجيستياً، موضحاً أن الإمارات تسعى إلى تطويق الجيش السوداني بقيادة البرهان من خلال استراتيجية الكماشة عبر تدريب عناصر في معسكرات بالأراضي الإثيوبية معتمدة على الدعم الذي تدفع به إلى معسكر الرجمة، والذي يتولى تمريره عبر المعسكرات الليبية النائية في المنطقة الجنوبية إلى حميدتي.

وقال إن ذلك يتضح من خلال تمركز كتيبة “سبل السلام” قرب المثلث الحدودي بين ليبيا وتشاد والسودان في أقصى الجنوب الشرقي لليبيا، فأين تتوفر بعض الممرات الآمنة بخاصة أن الطيران المصري والطيران التركي أصبحا يستهدفان خطوط الدعم والذخيرة والأسلحة التي تنطلق من الجنوب الغربي الليبي نحو السودان من خلال المثلث الحدودي (ليبيا – مصر – السودان) وتحديداً عبر منطقة العوينات، لذلك أصبح التركيز الآن على المثلث الحدودي في أقصى الجنوب الشرقي، والذي يربط بين ليبيا وتشاد والسودان، إذ استطاع حفتر عبره توفير ممر آمن بالاتفاق مع “الدعم السريع” لإيصال الإمدادات إليه.

وأضاف عبدالكافي أن الإمارات تستخدم هذه الاستراتيجية ليكون هنالك ممران آمنان في جنوب ليبيا، ناهيك بممر تشاد من خلال مطار أم جرس، فهي تسعى بذلك إلى توسيع دائرة الممرات عبر استراتيجية الكماشة لتطوق قوات الجيش السوداني وتشتت مجهوداته الحربية، وأيضاً لتسهيل مرور الأسلحة والإمدادات العسكرية والطاقية من المعسكرات الليبية والإثيوبية النائية نحو قوات “الدعم السريع” بقيادة حميدتي.

في المعسكرات النائية

حول استغلال المعسكرات الليبية النائية في المنطقة الجنوبية كشريان لتغذية الصراعات بالدول المجاورة لليبيا، أفاد المدير السابق لإدارة الإرهاب والاستخبارات السودانية اللواء عيسى أبكر، أن هناك معسكرات ليبية نائية وعلى رأسها قاعدة الكفرة (جنوب) تدار فيها التدريبات والتجهيزات وإعداد الأسلحة والقوافل وحراسة المطارات وبقية الأمور اللوجيستية التي من شأنها أن تنقل هذه الأسلحة والذخائر والمقاتلين إلى الدول المجاورة لليبيا للقيام بأعمال فوضى.

وقال إن إسرائيل هي من يقف وراء مشروع تفتيت الدول إلى دويلات وعلى رأسها ليبيا والسودان، التي تتحرك تجاهها يومياً طائرات محملة بالوقود والأسلحة لدعم قوات “الدعم السريع”، وهي معلومات أكد صحتها العميد عادل عبدالكافي، الذي قال إن الأسلحة لا تخرج فقط باتجاه السودان، بل إلى دول أخرى من الساحل والصحراء الأفريقية، حيث تنشط قوات الفيلق الأفريقي الروسي التي تستغل المعسكرات الليبية النائية في المنطقة الجنوبية لتمرير الأسلحة إلى النيجر ومالي وبوركينا فاسو عبر الحدود الليبية – النيجرية.

ويضيف عبدالكافي أن هناك مواقع وقواعد عسكرية مخصصة لهذا الأمر وعلى رأسها قاعدة السارة في أقصى الجنوب الشرقي الليبي قرب المثلث الحدودي (ليبيا – تشاد – السودان)، إضافة إلى قاعدة الكفرة القريبة من المثلث الحدودي (مصر – السودان – ليبيا)، إضافة إلى قاعدة تمنهنت في سبها (جنوب)، ومعسكر تيندي قرب أوباري في جنوب غربي ليبيا.

ونوه بأن تركيز معسكر الرجمة الذي يقوده المشير خليفة حفتر ينصب على الكفرة تحديداً، حيث توجد كتيبة “سبل السلام” التي قام حفتر بترقيتها أخيراً إلى رتبة لواء وعززها بقوات أخرى بهدف تأمين مرور الأسلحة والذخائر التي تصل إلى بنغازي، ثم يتم الدفع بها في مرحلة موالية لدعم حميدتي في السودان، وهي معلومات مثبتة دولياً، وفق قوله.

وأرجع عبدالكافي تركيز معسكر حفتر على قاعدة الكفرة بالجنوب الليبي لأسباب عدة، منها توفير الدعم الجوي وشحنات الوقود التي ترسل من ميناء رأس لانوف تحت حماية القوة التابعة لمعسكر الرجمة حتى تصل إلى حميدتي من خلال المثلث الحدودي (ليبيا – السودان – مصر)، مؤكداً أن بناء حزام ناري حول هذا المثلث الحدودي من قبل الجانب التركي والجانب المصري جاء لقطع إمدادات الوقود والأسلحة والذخيرة والمرتزقة التي تصل إلى بنغازي ثم يتم إدخالها إلى حميدتي في السودان.

وكشف عن أن قاعدة براك الشاطئ (جنوب) وقاعدة الجفرة (وسط) وقاعدة الخادم جنوب مدينة بنغازي (شرق)، مساهمة بدورها في زعزعة استقرار دول الجوار الليبي، حيث تتخذ منها عناصر الفيلق الأفريقي الروسي مقراً لها لتوفير الحماية لقواتها المتمركزة في قاعدة السارة (جنوب)، وأيضاً لتسهيل مرور الأسلحة التي كانت تصل من سوريا وبيلاروسيا إلى ليبيا ومنها إلى دول الساحل والصحراء الأفريقية، لأن روسيا تتعامل مع طرفي الصراع السوداني، فتدعم حميدتي عبر مرتزقة الفيلق الأفريقي الروسي، كما تدعم قوات الجيش السوداني بقيادة البرهان منذ الأشهر الماضية من خلال الحكومة الروسية مباشرة، في محاولة للتفاهم على بناء أو تثبيت قاعدة بحرية روسية في بورت سودان لتوفير الإمدادات أو الدعم اللوجيستي لقطعها البحرية التي تمر عبر البحر الأحمر.

وتابع “لذلك يسعى معسكر الرجمة لشغل هذه المعسكرات لدعم جميع عملياته باتجاه السودان، بخاصة أن الإمارات تسعى إلى دعم حميدتي حتى لا تنهار قواته التي تتكبد خسائر كبيرة في ظل الضربات التي تتلقاها من الطيران المسير لتركيا ومصر، الذي أضعف خطوط الإمداد الخلفية لحميدتي، والمعتمدة على الأراضي الليبية وأيضاً على مطار أم جرس في تشاد.

وكان رئيس أركان قوات شرق ليبيا الفريق خالد حفتر أكد أن قواته لا تتدخل في شؤون دول الجوار بما في ذلك الصراع السوداني، بعد اتهام الجيش السوداني لـ”الدعم السريع” وقوة عسكرية ليبية بالهجوم على نقاط حدودية تابعة للجيش في المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر”، في حين قالت وزارة الخارجية السودانية إن قوة تابعة للجيش الوطني الليبي قامت بالاعتداء على “سيادة السودان”.

وأكدت قوات قوات شرق ليبيا، في يونيو (حزيران) الماضي أن “الدوريات الحدودية تعرضت لاعتداء من قوات سودانية خلال تأمينها الجانب الليبي من الحدود”، مشيرة إلى أن القوات السودانية “كررت اعتداءاتها على الحدود الليبية، ونعالج الوضع بهدوء”.

حول تضارب مصالح

في رده على ما ذهب إليه المدير السابق لإدارة الإرهاب والاستخبارات السودانية اللواء عيسى أبكر، والعميد عادل عبدالكافي، من أن “المعسكرات الليبية النائية في المنطقة الجنوبية تحولت إلى شريان يغذي الفوضى بدول الجوار”، قال المحلل السياسي المقرب من القوات المسلحة الليبية عبدالله الغرياني، إن الجنوب الليبي كان حتماً عليه أن يكون جزءاً من هذا الصراع في دول الجوار، منوهاً بأن الجنوب الشرقي منطقة تعد شرياناً أساساً للسودان وتشاد وغيرهما من البلدان.

وتابع أن إقليم دارفور حاضنة جيدة لحركة الجنجويد، وهي قادرة على زعزعة الاستقرار في الجنوب الشرقي لليبيا إذ وجدت بؤرة صراع تهدد نشاطها داخل السودان، وكان من الطبيعي أن يكون تعامل ليبيا بصورة حذرة مع الواقع السوداني بعيداً من الاصطفافات الإقليمية مثل موقف مصر (دعم البرهان).

وتابع أنه وفقاً لقربه من قيادات في القوات المسلحة الليبية، هناك ثوابت إنسانية يراعيها الجيش الليبي، وقد تتحدث التقارير الأممية والدولية عن أن هناك تجنيداً ودعماً يأتيان من الجنوب الليبي كشريان لتغذية الفوضى بدول الجوار، غير أن هذه التقارير تبدو مبنية على توظيف إقليمي تجاه الأزمة في دول الجوار الليبي، ولا تشخص بشكل واقعي ومنطقي الواقع الليبي الذي يتأثر بها.

وأضاف أنه على رغم هذه الاتهامات فضلت القوات المسلحة العربية الليبية التمسك بالحياد تجاه هذه الأزمات، إذ تعاملت بما تقتضيه المصلحة الداخلية الليبية في تثبيت حال الأمن والاستقرار في مناطق الجنوب الليبي.

وقال إن التقارير الدولية التي اتهمت قوات حفتر بالتورط في تغذية أزمة السودان مبنية على تضارب مصالح أمنية، مؤكداً أن الأطراف الليبية منتظمة فيها بصورة أو بأخرى، فعندما نتحدث عن أهداف روسيا أو فرنسا في النيجر وتشاد والسودان تبدو أنها متضاربة، وهناك صدام يحدث بين الدول المذكورة من خلال القوات المحلية التي تنفذ لها أجنداتها.

ونفى المتخصص في الشؤون الأمنية والسياسية أن تكون قاعدة معطن السارة تحت سيطرة قوات الفيلق الأفريقي الروسي، مؤكداً أن الجيش الليبي كان له نشاط خلال الفترة الأخيرة حتى وصلوا إلى منفذ التوم الحدودي بين ليبيا وتشاد.

وسبق أن زار نائب قائد قوات شرق ليبيا صدام حفتر منطقة الجنوب الشرقي وصولاً إلى قاعدة السارة، موضحاً أن من يسير هذه المناطق هم قادة ليبيون ينتمون إلى مؤسسة عسكرية تتعامل بما تقتضيه المصلحة الوطنية مع بعض الأطراف الإقليمية.

وكشف الغرياني أن هناك تعاوناً ليبياً – مصرياً وخطوط تواصل مع بعض الأطراف الإقليمية لتهدئة الوضع في السودان، مشيراً إلى أن لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية والشرق الأوسط مسعد بولس دوراً فيه من خلال ما سمي بالملف التاسع الذي يعتزم ترمب حسمه وهو ملف السودان.

وأردف أن “الجيش الليبي ليس طرفاً في هذه الفوضى، ومناطق الجنوب فيها وضع مضطرب، وفيها تحديات وغياب للتنمية، فالحال هناك شبه منهارة ومهددة بالدخول في فوضى، وإذا ما فقدت ليبيا السيطرة على الحدود الجنوبية سيؤدي ذلك إلى تقوية مجاميع عرقية ذات طابع انفصالي يهدد الهوية الليبية، بخاصة تلك التي لها امتدادات عرقية في بعض دول الجوار، فقد تنشط وتتحد وتتفق في بعض الأهداف التي لا تخدم المصلحة الوطنية الليبية”.

وأكد الغرياني أن قوات حفتر أمام إرهاصات تاريخية، فالرئيس السابق معمر القذافي غذى الصراع في دارفور مما أدى إلى وجود تداعيات له على ليبيا، زد على ذلك أن هذه المناطق كانت ممرات آمنة للتنظيمات الإرهابية التي وصلت إلى سرت وكانت تريد الساحل كشريان تتغذى من خلاله التنظيمات الإرهابية داخل مالي والنيجر وتشاد، واصفاً خسارة هذه الجغرافيا بالأمر الخطر للشرق والغرب الليبيين.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here