ليبيون يطالبون بتفعيل «التقارير الرقابية» ومحاسبة الفاسدين

ليبيون يطالبون بتفعيل «التقارير الرقابية» ومحاسبة الفاسدين
ليبيون يطالبون بتفعيل «التقارير الرقابية» ومحاسبة الفاسدين

جاكلين زاهر

أفريقيا برس – ليبيا. تتصاعد في ليبيا التحذيرات والمطالب السياسية بضرورة تفعيل نتائج التقارير الرقابية، وتحويلها أدوات فعّالة لمكافحة الفساد، بعيداً عن تأثير الانقسام السياسي والحكومي المستمر، الذي يقوّض قدرة الدولة على ممارسة الرقابة والمساءلة بفاعلية.

وتأتي هذه المطالب بعد صدور تقرير ديوان المحاسبة هذا الشهر عن العام الماضي، وما تضمنه من ملاحظات وتجاوزات مالية وإدارية، وفي ظل التفاعل المحدود معه، دون أن يثير نقاشاً واسعاً في الفضاء العام، أو اهتماماً جاداً من النخب السياسية كما كان الحال في سنوات سابقة. وقد أرجع مراقبون هذا الفتور لما تشهده الساحة من تصعيد سياسي مؤخراً على خلفية تجدد النزاع بين مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة»، بشأن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والذي بلغ حد تبادل الاتهامات بين رئاسة كل منهما بعرقلة المسار الانتخابي.

* ضعف آليات المحاسبة

يرى مراقبون أن وضعية الانقسام السياسي ووجود حكومتين تتصارعان على السلطة، عوامل أضعفت القدرة على تفعيل آليات المحاسبة السياسية والقانونية، وأسهمت تدريجياً في تحول التقارير الرقابية من أدوات مساءلة إلى أوراق تُوظف انتقائياً في هذا الصراع؛ ما أفقدها وزنها السياسي.

وأطلقت أصوات سياسية عدة تحذيرات من تداعيات النهج الراهن، الذي يغلّب الصراع السياسي على فاعلية المحاسبة، وعدم التدقيق فيما ورد بالتقارير الرقابية؛ ما يمهد بتحولها مجرد حدث إعلامي، ويفقدها الزخم المجتمعي.

وحسب رئيس «الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية»، أسعد زهيو؛ فإن «تغوّل الفساد وترسيخه وشرعنته» أحد أبرز التداعيات المتوقعة للوضع الراهن، مبرزاً أن «الفساد بات يتغذى على استمرار توظيف تقارير الأجهزة الرقابية بصفتها أدوات ضغط في صراع سياسي محتدم على السلطة، بدلاً من استخدامها وثائق لكشف المخالفات الإدارية والمالية وردع مرتكبيها».

وقال زهيو، لـ«الشرق الأوسط» إن البرلمان، بصفته سلطة تشريعية ورقابية، «كان يُفترض أن يُحرك دعاوى قضائية بعد التدقيق فيما ورد من مخالفات بتقرير ديوان المحاسبة، ترتقي إلى شبهات فساد، إلا أنه انخرط كغيره من الأجسام السياسية، في مناكفات مع الخصوم».

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة ثانية يرأسها أسامة حماد، مكلفة من البرلمان، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

ويرى زهيو أن «تعامل البرلمان مع التقارير الرقابية لطالما اتسم في كثير من الأحيان بالانتقائية، عبر التركيز على التجاوزات المنسوبة لوزارات حكومة الوحدة الوطنية»؛ وهو ما أسهم – حسب تقديره – في «إفلات مرتكبي الفساد في قطاعات وملفات أخرى من العقاب، وتشجيع تكرار الممارسات ذاتها».

من جانبه، حمّل المستشار السابق بالأمم المتحدة، إبراهيم قرادة، جانباً كبيراً من المسؤولية لحالة التطاحن السياسي بين أطراف الأزمة، عادَّاً أن هذا الصراع «عطّل فعلياً دور الرقابة وأفرغها من مضمونها».

وأشار قرادة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «امتناع البرلمان في كثير من الأحيان عن تسجيل ملاحظات على أداء الحكومة المكلفة من قبله، مقابل استمرار مناكفته لحكومة (الوحدة)، أسهم في تآكل هيبته لدى الشارع، وهي جزء لا يتجزأ من سلطته القانونية، وبات قطاع غير هين يتعامل مع قرارات البرلمان بدرجة متزايدة من عدم الاكتراث، وتوسعت الحكومتان المتنازعتان على السلطة في الإنفاق».

وحذَّر قرادة من تداعيات هذا الإنفاق الموسع، خاصة في ظل «تراجع أسعار النفط، المصدر الرئيسي للدخل، وغياب الشفافية في إدارة الموارد والمشاريع الكبرى»، موضحاً أن «المخاطر لن تقتصر على زيادة تأزم الوضع الاقتصادي، وارتفاع الأسعار على المواطنين وتراجع قدرتهم الشرائية، بل ستمتد لتشكيل بيئة ملائمة لترسيخ الفساد بدلاً من كبح جماحه».

* تقاعس برلماني

وفقاً لتقرير ديوان المحاسبة، فقد بلغ الدين العام الليبي 270 مليار دينار حتى عام 2024، بواقع 84 مليار دينار بمناطق سيطرة حكومة «الوحدة الوطنية» رصدها الديوان ودققها، و186 مليار دينار لم يدققها الديوان، ورصدها مصرف ليبيا المركزي في شرق البلاد. (والدولار يساوي 5.41 دينار في السوق الرسمية).

في هذا السياق، انتقد قرادة ما أسماه «تقاعس لجان البرلمان عن ممارسة دورها الرقابي بفاعلية، عبر عدم التوقف الكافي لما ورد بالتقارير الرقابية»، مرجعاً ذلك إلى «انشغال أعضائها بالصراع على السلطة، أو صعوبة الوصول إلى المستندات، أو ضعف الاهتمام أحياناً».

وأشار قرادة إلى وجود ملفات «يتجنب الجميع الاقتراب منها خشية الاصطدام بشخصيات نافذة شرقاً وغرباً»، مستشهداً بما يُتداول إعلامياً عن «تجاوزات في ملف النفط تصب لصالح شخصيات متنفذة شرقاً وغرباً، وكيف يقتصر تعامل النواب وغيرهم من السياسيين معها على طرح علامات الاستفهام حولها، دون محاولة بذل جهد لتحرٍ حقيقي واطلاع الرأي العام».

ورغم تأكيده على أن «غياب المحاسبة يعزز تفشي الفساد»، يشدد قرادة في الوقت نفسه على أن «تقارير الأجهزة الرقابية تُعدّ بمثابة وثائق قانونية لا تسقط بالتقادم».

بدوره، رأى «رئيس الهيئة العليا للتحالف الوطني»، توفيق الشهيبي، أن توظيف التقارير الرقابية في التجاذبات السياسية، وتجاهل مخرجاتها، أسهما في ترسيخ انطباع عام بأنها باتت – من حيث النتيجة – جزءاً من مشهد العجز المؤسسي الذي يغذي الفساد بدل الحد منه.

ولفت الشهيبي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «ما يلاحق بعض شاغلي المناصب العليا في هذه الأجهزة من اتهامات بالاستفادة من حالة الانقسام لضمان بقائهم في مواقعهم، رغم انتهاء مددهم القانونية».

وقلّل الشهيبي من التعويل على النيابة العامة في ملاحقة جميع التجاوزات، معتقداً أن «غالبية القضايا تطول صغار الفاسدين، بينما تبقى ملفات الفساد الكبرى محل تساؤل؛ نظراً لعدم التطرق لبعضها من الأساس في التقارير».

وعلى مدار السنوات الأخيرة، احتلت ليبيا مركزاً متقدماً في ترتيب الدول العشر الأكثر فساداً حول العالم، وفقاً لتقارير منظمة الشفافية الدولية.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here