مظاهرات طرابلس: دعمٌ تحت الإكراه أم استعراضٌ لسقوط الشرعية؟

مظاهرات طرابلس: دعمٌ تحت الإكراه أم استعراضٌ لسقوط الشرعية؟
مظاهرات طرابلس: دعمٌ تحت الإكراه أم استعراضٌ لسقوط الشرعية؟

عبد الرحمن البكوش

أفريقيا برس – ليبيا. شهدت العاصمة الليبية طرابلس، يوم السبت الماضي، مظاهرة واسعة في ميدان الشهداء، وكانت عقب الاحتجاجات والمظاهرات المناوئة للحكومة والداعية لأسقاطها. وُصفت هذه المظاهرة بأنها “داعمة” لحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة ورئيسها عبد الحميد الدبيبة. إلا أن ما رافق هذه المظاهرة من ظروف وتفاصيل، حولها من تعبير شعبي محتمل إلى قضية رأي عام فجرت موجة من الإدانات الحقوقية والسياسية، وفتحت الباب أمام تساؤلات حرجة عن شرعية الحكومة، وأسلوبها في إدارة مؤسسات الدولة.

مظاهرة أم مسرحية سياسية؟

بحسب بيان صادر عن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا تحصلت أفريقيا برس على نسخة منه، فقد تم إجبار آلاف الموظفين المدنيين في مؤسسات الدولة على المشاركة في هذه المظاهرة، تحت التهديد المباشر بالفصل والنقل ووقف المرتبات، ما يشكل – وفق المؤسسة – “جريمة موصوفة وانتهاكاً صارخاً للدستور الليبي والمواثيق الدولية”.

بيان المؤسسة لم يقف عند حدود الإدانة، بل أعلن الشروع في توثيق كافة الانتهاكات وإحالة البلاغات الواردة من الموظفين إلى النائب العام، مع تحميل رئيس الحكومة ووزرائه المسؤولية القانونية والأخلاقية عن تعريض حياة المدنيين للخطر، لا سيما أن الميدان شهد تواجدًا مسلحًا سابقًا واشتباكات دامية.

رشاوى وشراء ولاءات

الناشط المدني حسام القماطي زاد من حدة الانتقادات عبر صفحته على فيسبوك، مطالبًا النائب العام بفتح تحقيق عاجل في ما وصفه بـ”قصة الرشاوى”، في إشارة إلى تداول مقاطع فيديو تظهر توزيع أموال على مشاركين في التظاهرة. وتساءل القماطي: “من أين جاءت هذه الأموال؟ ومن دفعها؟”، ما يسلط الضوء على شبهة استغلال المال العام لأغراض سياسية دعائية.

تحليل في العمق: انهيار الشرعية الأخلاقية؟

المحلل السياسي عبدالله الذيباني أشار في تصريح خاص إلى أن ما قامت به حكومة الدبيبة يُعد “تقويضًا للشرعية السياسية والأخلاقية”، معتبراً أن الحشد المدفوع أو القسري يعكس فقدان الحكومة لقاعدة شعبية حقيقية. كما اعتبر الذيباني أن استخدام المال العام في تنظيم هذه التظاهرات هو شكل من أشكال الفساد المالي والإداري، يتنافى مع مسؤوليات الدولة في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها ليبيا.

السياق السياسي والأمني الأوسع

بدوره، أوضح القانوني هشام الحاراتي في تصريح لأفريقيا برس، أن الصراع القائم في طرابلس لا يمكن تصويره ببساطة كصراع بين “الدولة والفوضى”، بل هو صراع تتقاطع فيه مصالح شخصية، وأهداف أيديولوجية، وتوازنات جهوية وقبلية. وأكد أن القوى الأمنية مثل جهاز الردع، رغم كونها غير مؤسساتية، ظهرت نتيجة فراغ أمني طويل، فيما لا يزال رئيس الحكومة ومن يطرحون أنفسهم كبدائل مطالبين بإثبات جدية ونزاهة مشاريعهم.

دولة على مفترق طرق

المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان وصفت ما جرى بأنه “انحدار خطير” لم تشهده البلاد حتى في أكثر مراحل النظام السابق تسلطاً، وأن الحكومة الحالية تحولت إلى “سلطة أمر واقع قمعية فاشية”. واختتم البيان بالتأكيد على ضرورة محاسبة المسؤولين، ووقف ما وصفته بـ”الدفع نحو دولة بوليسية لا مكان فيها لحرية أو كرامة أو قانون”.

ما جرى يوم السبت في طرابلس لم يكن مجرّد حشد سياسي عابر، بل مشهد معقّد يكشف عن أزمة شرعية حقيقية، حيث تتهم الحكومة باستغلال أجهزة الدولة لإنتاج صورة تأييد زائفة عبر القسر والترهيب والمال العام. وبينما تتصاعد الدعوات للمحاسبة والشفافية، يبقى السؤال الأكبر: هل ستبقى ليبيا رهينة لحكومات الأمر الواقع، أم أن مشروع الدولة المدنية القائم على القانون وحرية الاختيار لا يزال ممكنًا؟

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here